الانتخابات الإسرائيلية: الأسابيع المقبلة قد تحسم ما لا تحسمه الاستطلاعات*د.عامر سبايلة
الغد
تدخل الانتخابات الإسرائيلية مرحلة لا يمكن قراءتها من خلال أرقام الاستطلاعات أو المنافسة التقليدية بين بنيامين نتنياهو وخصومه فقط.
فالمشهد يتحرك على مستويين متوازيين: إعادة تشكيل الخريطة السياسية داخل المعارضة، والتطورات الأمنية والعسكرية التي قد تحملها الأسابيع المقبلة على الجبهات المفتوحة.
داخل المعارضة، برز غادي آيزنكوت كأحد أهم المتغيرات. فقد تمكن حزبه "يشار" خلال فترة قصيرة من تجاوز نفتالي بينيت ويائير لابيد في عدد من الاستطلاعات، والوصول إلى مستويات تضعه في مواجهة مباشرة مع الليكود.
لكن أهمية آيزنكوت لا ترتبط بالأرقام وحدها. فخلفيته كرئيس أركان سابق وعضو سابق في حكومة الحرب تمنحه رصيدًا أمنيًا لا يمتلكه منافسوه بالقدر نفسه، وتسمح له بمخاطبة ناخبين يبحثون عن بديل لنتنياهو من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية.
وبذلك، لا تدور المعركة فقط بين نتنياهو والمعارضة. فهناك معركة ثانية داخل المعارضة نفسها: من سيكون صاحب التفويض السياسي لقيادة الحكومة إذا نجحت الكتلة المناهضة لنتنياهو في تجاوز عتبة الـ61 مقعدًا؟ آيزنكوت أم بينيت؟
لكن الوصول إلى 61 على الورق لا يعني بالضرورة القدرة على تشكيل حكومة، في ظل الخطوط الحمراء بين مختلف مكونات المعارضة، خصوصًا في العلاقة مع الأحزاب العربية والحريدية.
في المقابل، يبدو أن نتنياهو يتعامل مع الانتخابات وفق معادلة مختلفة. فبدلًا من تحقيق انتصار كبير، قد يكون الهدف الأكثر واقعية هو منع خصومه من الوصول إلى 61 مقعدًا. فإذا نجح في إبقاء المعسكر المقابل دون الأغلبية، يستطيع الحفاظ على موقعه إلى حين ظهور تركيبة سياسية جديدة. وتزداد أهمية هذه الإستراتيجية مع خطر ضياع أصوات اليمين بسبب القوائم الصغيرة التي قد تفشل في تجاوز نسبة الحسم. ففي انتخابات متقاربة، قد لا يكون السؤال فقط: من يحصل على أصوات أكثر؟ بل أيضًا: من ينجح في منع أصوات خصمه من التحول إلى مقاعد؟
لكن كل هذه الحسابات البرلمانية تبقى مؤقتة أمام عامل قد يكون أكثر تأثيرًا : ماذا سيحدث على الأرض قبل يوم الانتخابات؟ هذه ليست انتخابات تجري في بيئة أمنية مستقرة. غزة لم تُغلق سياسيًا وأمنيًا، والضفة الغربية تبقى قابلة للتصعيد، والجبهة اللبنانية تحمل احتمالات متعددة، فيما تمثل سورية مساحة أخرى لتقاطع الحسابات الإسرائيلية والإقليمية. أما إيران، فتبقى العامل الأكثر قدرة على إنتاج تطور إستراتيجي مفاجئ يعيد ترتيب أولويات الناخب الإسرائيلي بسرعة.وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة نتنياهو: هو لا يراقب الأحداث من خارج السلطة، بل يديرها من داخل مركز القرار.
وبالتالي، فإن الأسابيع المقبلة قد تمنحه فرصة لإعادة تعريف الانتخابات نفسها. فإذا تمكن من تقديم تطور عسكري أو أمني باعتباره إنجازًا، فقد تنتقل المعركة من كونها استفتاءً على أدائه إلى سؤال مختلف: من يستطيع حماية إسرائيل وإدارة المرحلة المقبلة؟
لكن هذه الميزة يمكن أن تنقلب عليه أيضًا. فتصعيد جديد من دون نتائج واضحة، أو توسع في إحدى الجبهات، أو أزمة أمنية كبيرة، أو تطور مفاجئ في إيران، يمكن أن يعيد الناخب الإسرائيلي إلى تقييم مختلف لأداء الحكومة، ويزيد الضغط على نتنياهو داخل الليكود ومعسكر اليمين.
لذلك، فإن قراءة انتخابات نهاية أكتوبر من خلال استطلاعات سبتمبر قد تكون مضللة. الأرقام الحالية ترسم نقطة البداية، لكنها لا ترسم بالضرورة النتيجة النهائية.
المعركة الحقيقية ستجري عند تقاطع الحسابات البرلمانية مع الأحداث الميدانية. وفي انتخابات مفتوحة على غزة ولبنان والضفة الغربية وسورية وإيران، لن تكون الأسابيع المقبلة مجرد فترة انتظار قبل التصويت؛ بل ستكون، عمليًا، جزءًا من الانتخابات نفسها. وقد يكون حدث واحد على إحدى الجبهات أكثر تأثيرًا من عشرات الاستطلاعات.