الدستور
العلاقة الروسية/السورية عادت إلى الواجهة بعد الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو.
وفتحت الزيارة الأبواب أمام عودة في العلاقات بين البلدين. والحديث المسكون بتكهنات حول مستقبل ودور روسي في سورية الجديدة. وهل أن روسيا مستعدة ومرشحة لاستعادة الدور في سورية، بعدما فقدته بعد سقوط نظام بشار الأسد؟
وكيف ستكون ملامح الدور الروسي، وما هو شكل التحالفات والاصطفافات، والأولويات والوظائف، وما هو موقف ودور اللاعبين الإقليميين والدوليين؟
العودة الروسية إلى سورية الجديدة، بين تنازعين: الأول روسي، ويبحث عن تثبيت قواعده العسكرية في الساحل السوري، والثاني سوري يبحث عن توازن دولي في ظل ضغوطات إقليمية. النظام الجديد في دمشق، من أول يوم دخل دمشق، لم يعلن عن قطع وقطيعة في العلاقة مع روسيا، وتحدث عن علاقات متوازنة وحسابات جيوسياسية إقليميًا ودوليًا.
وبحث النظام السوري عن علاقات دولية تدعم الاستقرار والاستمرارية، دفعه إلى فتح فصول جديدة في العلاقة مع روسيا، ومد اليد لخصوم الماضي وحلفاء نظام بشار الأسد.
والعلاقة مع موسكو تنطوي على أهمية استراتيجية، والتخلص من عقد الماضي، يسير في مهمة إدارة الدولة، بعدما عانت أكثر من عقد من الحصار والخراب والدمار.
ولكن، هل ستعود روسيا إلى سورية في دور ووظيفة جديدة؟ وهل سوف تتوسع روسيا في سورية أم أن دورها سيكون محصورًا ومحدودًا؟
وفي اللقاء الصحفي الذي جمع بين وزيري الخارجية الروسي والسوري في موسكو، إضافة إلى احتفاظ روسيا بقواعدها العسكرية في الساحل السوري، فإن التقارب الجديد ذهب سريعًا إلى دور روسي في مناطق الشمال الشرقي السوري.
على الصعيد الإقليمي، فالعودة الروسية لسورية قد لا تحمل أي قلق استراتيجي إسرائيلي. وحسن النوايا الروسية في سورية خضع لاختبارات في عهد النظام السابق، وتفاهم بوتين/نتنياهو منع وقوع أي اشتباك في الأجواء السورية، ورغم الغارات الإسرائيلية المتكررة ضد سورية، والتي لم تتوقف منذ عام 2015.
بل إن إسرائيل تنظر أيضًا إلى الدور الروسي على اعتباره ضمانة استراتيجية لكبح تركيا في سورية، ولمنع تمحور الهلال السني، وليحل مكان الهلال الشيعي الذي كانت دمشق مركزه.
ومنذ 2015، والوجود الروسي في سورية لم يمنع إسرائيل من وجود عسكري روسي في الجنوب السوري، وعلى قرب من الجولان المحتل، بل إنها فضّلت الروس على الإيرانيين والمليشيات والجماعات الرديفة.
تاريخ العلاقة الروسية/السورية يجعل من الانفتاح بين البلدين، والحديث عن عودة روسية إلى سورية، مسكونًا بالتفاؤل والاندفاع بين الطرفين، وخصوصًا السوري، وذلك لضرورات استراتيجية حتمية، وبحثًا عن توازن سوري في علاقته الإقليمية والدولية. قد تجد دول إقليمية ومجاورة لسورية، ومن بينها تركيا، أن العودة الروسية غير مفضلة لديها، ولكنها لا تخشاها، وتدرك أن أبعاد الوجود الروسي قد ترمي إلى تحجيم الدور التركي في سورية الجديدة.
بيد أن روسيا وتركيا تكتسبان خبرة عميقة في إدارة الاشتباكات والخلافات والصراعات، سواء في الملف السوري أو غيره. وفي ذروة الأزمة السورية والوجود الروسي في سورية، أجاد البلدان لعبة إدارة الصراع وخفض التصعيد، وحمت تركيا الفصائل المنضوية تحت إمارتها، وحمت نفوذها ودعمها وإسنادها الأمني والاستخباراتي والسياسي.
وأما واشنطن، فيبقى موقفها هو العقدة الأكبر في عودة روسيا إلى سورية. وهنا تدخل حسابات وتعقيدات، ليس على مستوى العلاقة الروسية/السورية، بل ما هو شائك وملتبس في العلاقة الأمريكية/الروسية، ومن منظور النظام الكوني والعالمي.
وينسحب ذلك على الحرب الأوكرانية. وهل ستكون لـ «قمة ألاسكا» والاتفاق المرتقب لوقف إطلاق النار في حرب أوكرانيا تداعيات وتأثير على الشرق الأوسط المتخم بالحروب والصراعات والأزمات؟ في الشرق الأوسط، ثمة ما هو ثابت في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية. والأولوية الاستراتيجية الأمريكية أمن إسرائيل ومصالحها الاقتصادية. ومن المتوقع أن لا تمس عودة روسيا الثوابت والمطلقات الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم. وما يهم أمريكا في الشرق الأوسط، وبعد 7 أكتوبر، هو أمن إسرائيل المطلق، وتدمير وقطع الوصل بين محور المقاومة، وتقويض إيران سياسيًا وعسكريًا، وفتح أبواب التطبيع العربي مع إسرائيل.