الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نرجس باجوهلي؛ وولي نصر* – (فورين أفيرز) 10/10/2026
يراهن المسؤولون الأميركيون على أن العقوبات والحصار البحري سيجبران إيران على الاستسلام، لكن طهران ترى أنها قادرة على تحقيق النصر بالصمود وإلحاق خسائر كافية بالولايات المتحدة. فعلى الرغم من الدمار الاقتصادي والعسكري، عززت الحرب النزعة القومية الإيرانية، ودفعت قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى تقديم مواجهة واشنطن على خلافاتهم مع النظام. وتتمثل أهداف القيادة الإيرانية في إخراج القوات الأميركية من الخليج، ورفع العقوبات، وانتزاع اعتراف بمكانة إيران قوةً عظمى. ولتحقيق ذلك، تواصل طهران استهداف القواعد الأميركية ومنشآت الطاقة والملاحة، مستفيدةً من شبكة حلفائها الإقليميين واضطراب أسواق الطاقة. ويرى المعتدلون والمتشددون الإيرانيون، رغم اختلاف أساليبهم، أن الاستسلام غير مقبول. وهكذا، أخفقت الضغوط الأميركية في إخضاع إيران، وعززت تصميمها على مواصلة المواجهة دون تنازلات.
***
عندما يتعلق الأمر بإيران، يحمل سجل إدارة ترامب إخفاقات واضحة ومخيّبة للآمال. فقد فشلت الإدارة في إنهاك الجمهورية الإسلامية بعد أشهر من القصف المكثف، وعجزت عن إخضاع الإرادة الإيرانية على طاولة المفاوضات. ومع ذلك، يعتقد المسؤولون الأميركيون، رغم سبعة أشهر من الانتكاسات، أنهم طووا صفحة تلك الإخفاقات. وقد فرضوا عقوبات جديدة مع الإبقاء على الحصار الأميركي القائم على الساحل الجنوبي لإيران، ما أدى إلى خنق قدرتها على الوصول إلى التجارة الخارجية. وخلصوا، نتيجة لذلك، إلى أن الجمهورية الإسلامية ستذعن قريبا أو ستسقط. وأعلن وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، في الأول من أيلول (سبتمبر): "سنخنق هذا النظام اقتصاديا".
لا شك في أن واشنطن ألحقت أضرارًا جسيمة بإيران. لكن الجمهورية الإسلامية لا تعتقد أنها تتداعى. بل إن طهران ترى أنها ستلحق الهزيمة بالولايات المتحدة، وليس من الصعب فهم أسباب اعتقادها بذلك. لم تنجُ الحكومة الإيرانية فحسب من القصف الأميركي-الإسرائيلي، وإنما ردّت بعنف، وألحقت أضرارا بالقواعد العسكرية الأميركية، وعرقلت الملاحة في مضيق هرمز. ويدفع الإيرانيون ثمنا اقتصاديا باهظا بسبب الأضرار التي خلّفتها الحرب والإجراءات الأميركية التي قطعت الإمدادات وسبل الوصول إلى التجارة الخارجية، لكن قطاعات واسعة من السكان احتشدت حول العلم، ويبدو أنها تقبل بأن تحمُّل المشقة هو أمر لا بد منه إذا كانت إيران تريد الدفاع عن نفسها.
وقد عزّز ذلك ثقة طهران بنفسها. وربما لا يتفق المسؤولون الإيرانيون على كل تكتيك، لكنهم يتشاركون الطموحات ذاتها: إخراج القوات الأميركية من الخليج العربي، وإجبار واشنطن على رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، وحمل الولايات المتحدة على الإقرار بأن إيران قوة عظمى.
قد تبدو هذه الأجندة مفرطة في طموحها بالنظر إلى ما أصاب إيران من إضعاف مادي. لكن الجمهورية الإسلامية تعتقد أن أهدافها في متناول اليد. فهي ترى أن جيشها قادر على إخراج القوات الأميركية من الخليج العربي من خلال مواصلة استهداف القواعد الأميركية مباشرة، ودفع الدول العربية إلى الضغط على الولايات المتحدة لمغادرة المنطقة. وتعتقد طهران أنها تستطيع من خلال إحداث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة، إجبار واشنطن على رفع القيود الاقتصادية أيضًا. وبعبارة أخرى، تقوم نظرية إيران في تحقيق النصر على قدرتها على الصمود، وإيقاع ما يكفي من الأذى بالولايات المتحدة لحملها على إنهاء سياسة احتواء إيران.
رصّ الصفوف
لا يشك أحد في أن الحرب ألحقت بإيران أضرارًا جسيمة. فقد دمّر القصف الأميركي والإسرائيلي على مدى أشهر قطاعات من الصناعات والبنية التحتية في البلاد، ورفع معدلات البطالة ودفع مزيدًا من الإيرانيين إلى براثن الفقر. كما تسببت العقوبات الأميركية والحصار البحري في تفشّي التضخم. واستطاع الجيشان الأميركي والإسرائيلي تسجيل نجاحات تكتيكية عديدة، من بينها اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.
لكن الحرب كانت كارثية من الناحية الإستراتيجية. فقد اعتقد المسؤولون الأميركيون أن القصف الجوي العقابي والجهود الواسعة لإضعاف الاقتصاد الإيراني سيجبران الجمهورية الإسلامية على الرضوخ. لكن ذلك لم يحدث. وكانت واشنطن تأمل أن يؤدي اغتيال خامنئي إلى اندلاع انتفاضة شعبية واسعة ضد الحكومة، لكنّ هذه الخطة أخفقت هي الأخرى. وبدلًا من ذلك، أخرجت وفاة خامنئي أنصار الجمهورية الإسلامية المتحمسين إلى الشوارع. وقد خرجوا في مسيرات ليلية في المدن الرئيسية في البلاد، وانضم إليهم في نهاية المطاف إيرانيون من تيارات سياسية أخرى ممن احتشدوا دعمًا لوطنهم.
عندما اندلعت الحرب، خططت تركيا لاستقبال 70 ألف لاجئ إيراني، لكن عددًا قليلًا من الإيرانيين غادروا بلادهم. بل إن كثيرين من الإيرانيين المقيمين في الخارج عادوا إلى وطنهم مع استمرار الحرب، ومن بينهم شخصيات ثقافية وصحفيون وسياسيون أمضوا سنوات طويلة في المنفى، مثل المغنييَن محسن نامجو وبيجان مرتضوي.
ولا يعني هذا التصاعد في النزعة القومية تأييد الجمهورية الإسلامية. ما يزال كثير من الإيرانيين يشعرون باستياء عميق إزاء قيادة بلادهم. لكن غضبهم من حكومتهم تراجع أمام غضبهم من واشنطن. في السابق كان معظم الإيرانيين يشككون في ادعاء الجمهورية الإسلامية أن الولايات المتحدة تسعى إلى تدمير بلادهم -بل كانوا يأملون أن تسعى طهران إلى إقامة علاقات أفضل مع واشنطن. لكنّ قصف المدن الإيرانية والتهديدات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإبادة حضارة البلاد، حيث قال، مثلًا، إنه قد "يفجّر الأمة بأكملها" ويدفعها "إلى الجحيم، من دون أي فرصة للنجاة"، قد غيّرا المواقف. وأصبح الإيرانيون من مختلف الأطياف السياسية يعتقدون الآن أن الولايات المتحدة تريد محو بلدهم من الوجود -أو إخضاعها لكل المطالب الأميركية على الأقل.
بدا هذا الاستنتاج واضحًا في محادثاتنا المطوّلة مع إيرانيين من مختلف التوجهات الفكرية، والتي بدأنا إجراءها عندما قصفت واشنطن إيران للمرة الأولى في حزيران (يونيو) 2025، وواصلناها حتى الوقت الحاضر، متتبّعين خلالها تحوّلات مواقفهم السياسية. وقد أعربت الغالبية العظمى عن استياء عميق وغضب شديد إزاء حكومتها عقب المجازر التي وقعت ردًا على الاحتجاجات الشعبية الواسعة في كانون الثاني (يناير). لكننا وجدنا أن الآراء السياسية شهدت تحوّلًا جذريًا مع استمرار الحرب وتصعيد ترامب خطابه الداعي إلى الإبادة. وقال لنا علي، البالغ من العمر 45 عامًا، وهو معارض قديم أمضى سنوات في السجن بسبب نشاطه في القضايا الاجتماعية والسياسية: "لقد آمنّا كثيرًا بالوعود الأميركية. لكن هذه الحرب، وكل ما قاله ترامب وإدارته وفعلوه، أوضح أن الأميركيين باعونا وهمًا. إنهم لا يريدون سوى إخضاع إيران إخضاعًا كاملًا، وهذا أمر لا يمكننا قبوله".
وعبّرت مهسا، وهي كاتبة وفنانة في الثلاثينيات من عمرها، عن مشاعر مماثلة. وقالت: "كل ما كنا نعتقد أن الولايات المتحدة تمثّله من حرية واحترام وديمقراطية، أراه الآن مجرد أكاذيب". وأضافت: "مهما بلغ غضبي من دولتنا على مرّ السنين، فإن هذا وطننا، وليس لأي دولة خارجية الحق في قتل قادتنا وإلقاء القنابل على أطفالنا، ومحاولة تدميرنا".
لذلك، ليس ما هو مستغرب في أن تستقطب مراسم تشييع خامنئي في تموز (يوليو) ملايين المشيّعين، على الرغم من أن البلد كان في خضمّ الحرب. وخلال المراسم، وزّع المشاركون أعلامًا حمراء ترمز إلى رغبتهم في الانتقام الدموي. وبعد ذلك بوقت قصير، هاجمت إيران سفنًا تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، في ما أطاح بوقف إطلاق النار الهش الذي كانت قد توصلت إليه مع الولايات المتحدة قبل ثلاثة أشهر.
مع ذلك، يبدو أن كثيرا من المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن تشديد الضغوط الاقتصادية سيؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير المواقف، وأن الإيرانيين، إذا عانوا ما يكفي، سيقررون محاولة إسقاط حكومتهم، أو أن الجمهورية الإسلامية، خوفًا على بقائها، ستذعن للمطالب الأميركية. لكن هذا ضرب من التفكير القائم على التمنيات. فقد أمضت إيران السنوات الخمس عشرة الماضية في تطوير اقتصاد صُمّم خصيصًا لمقاومة الحرب الاقتصادية الأميركية. وعلى سبيل المثال، أقام المسؤولون الإيرانيون علاقات متينة مع التجار في البلدان المجاورة، وجعلوا البلاد شبه مكتفية ذاتيًا في مجال الغذاء. ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من معاناة الاقتصاد الإيراني وارتفاع معدلات التضخم، لم تشهد المدن والبلدات حتى الآن نقصًا في السلع أو الخدمات الأساسية. وقال حميد رضا، وهو مهندس يتنقل بانتظام بين أصفهان وطهران لأغراض العمل: "من المذهل مدى حسن إدارة الأمور داخل البلاد. الأسعار مرتفعة، ولكن لم يحدث أي نقص على الإطلاق في أي مكان من البلاد. لقد أُديرت الأمور كلها داخليًا بعناية كبيرة".
لا يعني ذلك أن الإيرانيين يشعرون بالتفاؤل إزاء مستقبل بلدهم. إنهم يشعرون بالقلق بشأن ما ينتظرهم، ويتوقون إلى عودة الهدوء وتخفيف الأعباء الاقتصادية. لكنهم لا يرون في الحرب الأميركية-الإسرائيلية حربًا لتحريرهم، وإنما يرونها عدوانا مجانيًا. وقد أدّت النزعة القومية الناجمة عن هذه الحرب إلى طمس الخطوط الفاصلة بين الفصائل السياسية، وتقليص احتمالات اندلاع انتفاضة سياسية جديدة. وهكذا، عزّزت الحرب الجمهورية الإسلامية.
الألم والمكاسب
على غرار السكان، تبنّت الحكومة الإيرانية موقفًا أكثر عدائية تجاه واشنطن منذ اندلاع النزاع. وقد عيّن المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، شخصيات مقرّبة وموثوقة في مناصب رئيسية، على الرغم من أنه ما يزال متواريًا عن الأنظار، وينتمي معظم هؤلاء إلى التيار المتشدد المرتبط بـ"الحرس الثوري الإسلامي". ويعتقد هؤلاء، ومن بينهم محسن رضائي، مستشار الأمن القومي؛ وحسين طائب، قائد القوات شبه العسكرية الرئيسية المكلفة بالأمن الداخلي في إيران، أن ردع أي هجمات جديدة يتطلب ردًا حاسمًا وقويًا على أي استفزاز.
كما أنهم يشككون في جدية واشنطن بشأن الدبلوماسية. ويشيرون إلى أن الولايات المتحدة هاجمت إيران مرتين في خضم المفاوضات ثم تنصّلت من "مذكرة التفاهم" التي وقّعتها مع إيران في حزيران (يونيو)، ولذلك يرون أنها لا تستحق الثقة. بل إنهم يعتقدون أن إبداء الولايات المتحدة اهتمامًا بالمحادثات قد يكون مؤشرًا إلى أنها تخطّط لشن هجمات جديدة كما حدث في حزيران (يونيو) 2025 وشباط (فبراير) 2026.
يتخذ المعتدلون نسبيًا في إيران موقفًا مختلفًا إلى حد ما. فقد دأبت هذه النخب التي تضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والرئيس السابق حسن روحاني، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، على الدعوة إلى مواصلة البحث عن حل دبلوماسي للنزاع. وقد شدّد بزشكيان وقاليباف على الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون العاديون. لكن المسافة الفاصلة بينهم وبين قادة التيار المتشدد في البلاد ليست بالاتساع الذي قد يبدو عليه الأمر. وكما قال لنا أحد المحللين المطلعين على هذه الشخصيات: "لا أحد يقول إن على إيران الاستسلام".
ربما يرى هؤلاء المعتدلون أن تخفيف الأعباء الاقتصادية ينبغي أن يكون أولوية قصوى، لكنهم يقترحون تحقيق ذلك بإجبار الولايات المتحدة على تنفيذ بنود "مذكرة التفاهم" التي وقّعتها في حزيران (يونيو). ومن وجهة نظر إيران، ألزم الاتفاق واشنطن برفع التجميد عن جميع الأصول الإيرانية، ورفع العقوبات كافة، والتعهد بعدم مهاجمة البلد مجددًا ودفع تعويضات، مقابل الاكتفاء بوقف إطلاق النار واستئناف حركة التجارة عبر مضيق هرمز، مع احتفاظ إيران بحق فرض رسوم على العبور.
ومنذ نهاية الصيف، أعلن رضائي وقاليباف أن استئناف الدبلوماسية يجب أن يبدأ بعودة الولايات المتحدة إلى "مذكرة التفاهم". وكما قال لنا المحلل نفسه، فإنه عقب الاجتماعات الأخيرة للأمم المتحدة في نيويورك، تعتقد هذه الشخصيات أن "ترامب غير مستعد" لإجراء محادثات حقيقية. وبدلًا من ذلك، يرون أنه لن يعود إلى الاتفاق إلا إذا تقبّل انتصار إيران، وهو ما يقتضي زيادة كلفة الحرب على الولايات المتحدة.
ولذلك، سيكون سلوك إيران منفلتًا من القيود وغير متناسب. وإذا ما استؤنفت الحرب، ستشنّ إيران هجمات في كل أنحاء المنطقة وليس في محيطها المباشر فحسب. والرأي السائد في طهران هو أن التحلي بالحذر والتصرف بصورة يمكن التنبؤ بها لن يؤديا إلا إلى استجلاب مزيد من الضغوط الأميركية، من دون أن يسهما في تحقيق أهداف طهران العسكرية الرئيسية: إجبار واشنطن على سحب جميع قواتها من الخليج العربي، وقبول تفوّق إيران. وتستهدف الهجمات الإيرانية المتكررة على القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في مختلف أنحاء الخليج العربي وأبعد منه تحقيق هذه الغاية فعليًا.
وقد حققت هذه الهجمات نجاحًا إلى حد ما. فقد ألحقت أضرارًا جسيمة بعدد من المنشآت والأصول الأميركية، ما اضطر الولايات المتحدة إلى نقل جانب كبير من عملياتها ومواردها العسكرية إلى إسرائيل وغيرها، والاعتماد على قاعدة في وسط المحيط الهندي لتوفير الدعم اللوجستي. بل إن التهديد بشن هجمات إيرانية دفع واشنطن إلى سحب جميع قاذفاتها من طراز "بي-1" من إحدى القواعد في المملكة المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تحاول طهران دفع شركاء واشنطن في الخليج إلى إغلاق القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في بلدانهم. ولتحقيق ذلك، أعلنت صراحةً أن السلام والأمن في الخليج العربي سيتوقفان على إخراج القوات الأميركية من المنطقة، وشنّت مرارًا هجمات على دول خليجية تشتبه في مساعدتها للمجهود الحربي الأميركي. ومن غير المرجح في نهاية المطاف أن تنجح إيران في إنهاء الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج. لكنها فعلت ما يكفي لدفع الدول العربية إلى إعادة التفكير مليًا في اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
بطبيعة الحال، قد تتمكن إيران من إخراج القوات العسكرية الأميركية من جوارها من دون الحصول على تخفيف للأعباء الاقتصادية. وفي الواقع، أعلنت إدارة ترامب بدء "يوم الإنزال الاقتصادي" جزئيًا بسبب الإنهاك الذي أصاب القوات العسكرية، ولأن الهجمات الإيرانية على البحرية الأميركية أجبرت السفن الأميركية على الابتعاد أكثر عن السواحل الإيرانية. لكن إيران تعتقد أنها تستطيع إكراه خصمها على التوصل إلى تفاهم اقتصادي من نوع ما من خلال إيقاع أضرار مالية كافية به.
تحقيقًا لهذه الغاية، عملت طهران على رفع أسعار النفط والغاز والديزل ووقود الطائرات ومشتقات نفطية أخرى عن طريق مهاجمة عدد من منشآت الطاقة في منطقة الخليج -بما فيها حقل رأس لفان للغاز في قطر- ردًا على هجوم إسرائيلي استهدف حقل بارس الجنوبي الإيراني للغاز، والمنشآت النفطية في ميناء الفجيرة الإماراتي. كما تستهدف إيران ناقلات النفط والغاز الطبيعي، وتسعى إلى إحكام سيطرتها على مضيق هرمز الذي تعتبره جزءًا من الأراضي السيادية الإيرانية. وقد واجهت واشنطن هذه الجهود بقوة، ونجحت مؤخرًا في المساعدة على تمكين ناقلات النفط من عبور هذا الممر البحري الضيق. لكن هذه العمليات تطلّبت موارد بحرية هائلة، ولا تستطيع الولايات المتحدة مواصلتها إلى ما لا نهاية.
ويقدّم شركاء إيران الإقليميون لها العون أيضًا. فقد هاجمت قوات عراقية مدعومة من إيران خط أنابيب نفطيًا حيويًا ينقل النفط السعودي إلى منشآت على البحر الأحمر، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض ملحوظ في إمدادات النفط العالمية على مدى أشهر. كما واصل حلفاء إيران الحوثيون في اليمن مهاجمة المنشآت النفطية السعودية. بل إن الحوثيين استولوا على مساحات شاسعة إضافية من الأراضي ووصلوا إلى مضيق باب المندب، في ما يعزز قدرتهم على تهديد البحر الأحمر الذي تمر عبره 12 في المائة من التجارة العالمية. وقد أظهرت هذه الهجمات أيضًا أنه على الرغم من الأضرار التي لحقت بشبكة حلفاء إيران في لبنان وسورية، فإن هذه الشبكة ما تزال تتمتع بالإجمال بقدرات كبيرة.
المضيّ قدمًا بثبات
قد تعتقد الولايات المتحدة أنها حاصرت إيران وأحكمت الخناق عليها، لكن طهران لا توافقها الرأي. فهي لا ترى نفسها في موقف دفاعي متراجع أو في وضع لم تعد فيه تملك خيارات، وتعتقد أنها حققت مكانة قوة عظمى. وهي تعتز بأداء قواتها العسكرية، وتشعر بأنها أصبحت تحظى باحترام دولي جديد. وقد ابتهج المسؤولون في طهران بمشاهد استقبال وفد إيران بحفاوة من الدول الأعضاء خلال اجتماعات أيلول (سبتمبر) لـ"منظمة شنغهاي للتعاون"، وتجمُّع "بريكس" الذي يضم دولًا من خارج المنظومة الغربية.
ما تزال إيران تواجه تحديات هائلة، ولم تتوصل بعد إلى وسيلة لتحويل ما حققته في الحرب إلى مكاسب دائمة في زمن السلم. لكنها مستعدة لمواصلة القتال متى اقتضت الحاجة ذلك. وتعتقد الحكومة، على حد تعبير أحد كبار المحللين الإيرانيين المقرّبين من دوائر صنع القرار في البلاد، أن الشعب الإيراني "مستعد لتحمّل الألم الاقتصادي والمعاناة إذا كان ذلك يعني أنه سينتصر". كما توحّدت نخبها حول إستراتيجية مشتركة. وبعبارة أخرى، تثق طهران بأنها تستطيع تحقيق النصر من خلال مواصلة السير في النهج الذي اختارته، وبأنه لا حاجة إلى تقديم أي تنازلات.
*نرجس باجوهلي Narges Bajoghli: باحثة وأكاديمية وكاتبة إيرانية الأصل، وأستاذة مشاركة في الأنثروبولوجيا ودراسات الشرق الأوسط بجامعة جونز هوبكنز، حيث تشارك في إدارة مبادرة "إعادة التفكير في إيران". تركز أبحاثها على العلاقة بين الإعلام والسلطة والحرب والمقاومة، ودور المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية في تشكيل الخطاب السياسي والثقافي الإيراني. من أبرز كتبها "إيران من منظور جديد: هواجس السلطة في الجمهورية الإسلامية" (2019)، الحائز جائزة مارغريت ميد، و"كيف تعمل العقوبات: إيران وآثار الحرب الاقتصادية" (2024)، الذي شاركت في تأليفه. كما تعمل في صناعة الأفلام الوثائقية، وأخرجت فيلم "الجلد الذي يحترق" عن الناجين من الأسلحة الكيميائية في إيران.
*ولي ر. نصر Vali R. Nasr: أستاذ مجيد خضوري للعلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، حيث شغل منصب العميد من العام 2012 إلى العام 2019. وهو أيضًا زميل أقدم غير مقيم في "مركز جنوب آسيا" التابع للمجلس الأطلسي. شغل من العام 2009 إلى العام 2011، منصب كبير مستشاري الممثل الخاص للولايات المتحدة لشؤون أفغانستان وباكستان. وهو مؤلف كتاب "أمة يمكن الاستغناء عنها: السياسة الخارجية الأميركية في حالة انكفاء"، إلى جانب كتب أخرى.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iran’s Theory of Victory