عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Apr-2026

أكتبُ بالأسئلة... وأقاومُ تكرار اللغة بالوعي

  الدستور - نضال برقان

 
في «دردشة ثقافية»، نفتح نافذةً على المختبر الإبداعي لكوكبة من المبدعات والمبدعين الأردنيين والعرب؛ حيث تتقاطع الأسئلة الكبرى: لماذا نكتب؟ ولِمن نكتب؟ ومتى نكتب؟ ثم تمتدّ الرحلة إلى تخوم الفكر والأدب، وتتشعّب نحو قضايا اجتماعية وسياسية.
 
في هذه الحلقة، نستضيف الأديب محمود سالم رحّال؛ كاتبًا وباحثًا أردنيًا، ورئيس اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين سابقًا. تخصّص في تاريخ اللغات السامية، ونال عددًا من الجوائز الأدبية، منها جائزة القدس. من أعماله: «المنفى الخامس» (التي أدرجت على القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية)، و«أبناء السُّخرة»، و«أصفاد الأدب»، و«القدس في العهد المملوكي»، و«نيابة عجلون المملوكية»، و«القدس مدينة الحجر»، و«الأردن في القصة الكتابية»، و«عمّان قيثارة الخلود»، و«أسرار اللغة العبرية». شارك في مؤتمرات أدبية دولية، منها ملتقى طريق الحرير الأدبي في الصين، وعمل مترجمًا عن اللغة العبرية.
 
* بدايةً، لو طُلب منك أن تعرّف نفسك للقرّاء بشيء من البوح، أو بكثير منه، فماذا تقول؟
 
أحبّ كلّ ما يتعلّق باللغة، وأقيم معها صداقةً طويلة الأمد، ولا سيّما مع الكلمة المكتوبة. الكلمات هِبة؛ كلّ كلمة كنزٌ ثمين. أمّا الكلمة المكتوبة فلها طاقة هائلة، تخترق اللاوعي مباشرة. التعامل مع الكلمات فنّ يتطلّب التفكير والمعرفة والمهارة.
 
* لماذا تكتب؟ ولِمن تكتب؟ ومتى تكون في الحالة الأصدق للكتابة؟
 
- لماذا تكتب؟: الكتابة أداة قوية تتيح لي التعبير عن أفكاري ومشاعري، والتواصل مع الآخرين، والتعلّم والنمو، والتواصل مع ذاتي. هي وسيلتي لاستكشاف إبداعي ومشاركة أفكاري مع العالم.
 
لِمن تكتب؟: كتابة كتاب عملية عميقة وطويلة، متعددة المراحل؛ تبدأ بفكرة وقد تنتهي بعد سنوات على رفوف المكتبات أو منصّات البيع. الكتاب ليس مجرّد عمل أدبي، بل مشروع يحتاج إلى وضوح وتخطيط ومثابرة، بل وتفكير تسويقي أيضًا.
 
* متى تكون في الحالة الأصدق للكتابة؟
 
- البداية ليست كتابةً، بل تأمّلٌ ذاتي. أسأل نفسي: لماذا أكتب هذا الكتاب؟ للترفيه أم للتعليم؟ لمشاركة تجربة أم لشرح منهج؟ صياغة جملة تبدأ بـ«أكتب هذا الكتاب لأجل » ترسم الطريق، وتصبح مرجعًا في لحظات الشك.
 
التغيير الحقيقي يبدأ بالأسئلة الصحيحة؛ تلك التي تكشف نقاط القوة والضعف، وتحرّر من المعتقدات المقيّدة، وتفتح باب الإمكان. حين أطرحها، يصبح ذهني أكثر صفاءً، ويتشكّل وضوح يقودني إلى ما أريد حقًا. الإجابات تسكن داخلي، والكتابة هي البوصلة.
 
إلى أيّ حدّ ترى المكان الأردني حاضرًا في كتابتك بوصفه تجربة حيّة، لا مجرّد خلفية؟
 
المكان حيزٌ بحدود داخلية وخارجية، أشبه بالماء في إناء، كما يرى أرسطو في «الطبيعة». لا يتشكّل المكان إلا حين نشعر أننا لسنا موزّعين عشوائيًا، بل نشغل موقعًا فريدًا فيه. هو مسكن وثقافة، وتاريخ يتأسّس عبر قصة تربط الإنسان بأرضه. للمكان أبعاد طبوغرافية وجغرافية ونفسية ودينية وفلسفية. إنّه كيان مادي وميتافيزيقي، وفي مستواه الرمزي هو فضاء اللغة نفسها.
 
* هل تخشى أن يتحوّل صوتك الإبداعي إلى تكرار ذاتي؟
 
- الجمود في الكتابة ليس أزمة موهبة، بل أزمة إدارة. أحيانًا سببه التعب، وأحيانًا التعلّق ببداية مثالية مبكرة، أو نقص المعلومات. حين أجزّئ العملية إلى مراحل، يتلاشى العائق.
 
* مع تصاعد حضور الذكاء الاصطناعي، هل ثمة قلق على أصالة الإبداع؟
 
- الذكاء الاصطناعي يقدّم فوائد كبيرة، لكنه يحمل مخاطر أيضًا، خصوصًا على أصالة العملية الإبداعية. إذا لم يُحسن استخدامه، قد يتحوّل من أداة تمكين إلى عائق. الحلّ في سياسات واعية، وتدريب رشيد، وضمان الشفافية الأخلاقية. التحدي ليس في استخدامه فحسب، بل في تقليل مخاطره، وتحقيق توازن بين التقنية والإنسان.
 
* هل المشهد الثقافي منصف للمبدعين؟
 
- كثيرًا ما تُستبدل الموضوعية بالشخصنة: الطعن في الكاتب بدل مناقشة نصّه. هناك «شخصنة التقزيم» حين يُرفض العمل لأن صاحبه غير معروف، و«شخصنة التعظيم» حين يُمجَّد النص لأن كاتبه مشهور. هكذا يُقتل النقد البنّاء، ويتحوّل إلى تراشق يُفقد العمل قيمته.
 
* ما المشروع الذي تعمل عليه حاليًا؟
 
- أعمل على مجموعة مشاريع، وأركّز على تطوير أدوات معالجة اللغة وتجارب تفاعلية. أمّا التحدي الجمالي، فالأدب قادر على كشف الغموض في أبسط الحقائق، وتحويل العادي إلى معجزة. إنه يعيد ترتيب الحياة في مكعّبات من الدهشة، كأحجية تنتظر من يفكّ شيفرتها.
 
* ما أبرز هواجسك الإبداعية اليوم؟
 
- أن أتحدّى نفسي. أن أسبح عكس التيار. أن أكتشف ما لم أكن أعرفه في داخلي. الصورة الذاتية القوية تُبنى من الداخل، لا من مرايا الآخرين.
 
* كلمة أخيرة للمبدعين الشباب؟
 
- إذا كتبت كتابك الأول، فالمعركة لم تبدأ بعد؛ التحرير هو الامتحان الحقيقي. تبسيط الجمل، وضبط التراكيب، وإتقان علامات الترقيم، كلها أدوات لصناعة نصّ واضح ومتين. المعرفة العميقة باللغة، والخبرة، والاطلاع الواسع كلّها تقرّب النص من الكمال. فالنص الجيد لا يُكتب مرة واحدة، بل يُصنع طبقةً بعد طبقة، كأنك تنحت الضوء من صخر اللغة.