الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
راسل مُخيبِر* - (كاونتربنش) 26/2/2026
كتبت فرانشيسكا ألبانيزي في تقرير: "استفادت كيانات شركاتية كثيرة جدًا من اقتصاد الاحتلال غير القانوني والفصل العنصري- والآن الإبادة الجماعية. وليس التواطؤ الذي يكشفه هذا التقرير سوى قمة جبل الجليد- ولن يتوقف من دون مساءلة القطاع الخاص، بما في ذلك قياداته التنفيذية. يعترف القانون الدولي بدرجات متفاوتة من المسؤولية- وكلها تتطلب تدقيقًا ومحاسبة، وخاصة في هذه الحالة، حيث يكون حق شعب في تقرير مصيره ووجوده ذاته على المحك. وهذه خطوة ضرورية لإنهاء الإبادة الجماعية وتفكيك النظام العالمي الذي سمح بحدوثها".
في بلدة بيركلي سبرينغز الصغيرة بولاية فرجينيا الغربية، حيث أعيش، وخلال قيام إسرائيل بتدمير قطاع غزة، علَّق ناشط في الحزب الديمقراطي علم دولة إسرائيل في الجهة المقابلة لمتجر البقالة الوحيد في البلدة- حتى يراه تقريبًا كل فرد من المجتمع المحلي، كما لو أنه يقول: "نحن نقف مع الإبادة الجماعية".
لكن فقدان الإدراك والوجهة لا يقتصر على ديمقراطيي البلدات الصغيرة. فلنأخذ ديمقراطيي واشنطن العاصمة، مثل سارة هورويتز، كاتبة الخطابات السابقة للرئيس باراك أوباما.
في كلمة ألقتها أمام الاجتماع السنوي لـ"الاتحادات اليهودية لأميركا الشمالية" في واشنطن العاصمة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، لوّحت هورويتز بعلمها الإسرائيلي البلاغي في خطاب انتشر بشكل فيروسي على شبكة الإنترنت، لكنه بقي إلى حد كبير خارج وسائل الإعلام السائدة.
قالت هورويتز: "وإذن، لديكم ’تيك توك‘ الذي يحطّم أدمغة شبابنا طوال اليوم بمقاطع فيديو عن مذبحة في غزة. وهذا هو السبب في أن الكثيرين جدًا منا لا يستطيعون إجراء حوار عقلاني مع اليهود الشباب، لأن أي شيء نحاول قوله لهم يسمعونه من خلال جدار المذبحة هذا. وهكذا، أنا أريد أن أقدّم بيانات ومعلومات وحقائق وحججًا، وهم لا يرون في أذهانهم سوى المذبحة، وأنا أبدو لهم فاجرة".
نعم، إنك تبدين كذلك يا سارة. إنك تبدين فاجرة. ولكن بما أن هذه منطقة حرة من "تيك توك"، دعينا ننتقل إلى "البيانات والمعلومات والحقائق" التي تقولين إنك تريدينها.
في 29 كانون الثاني (يناير)، نشرت صحيفة "هآريس" الإسرائيلية اليومية مقالًا بعنوان: "الجيش الإسرائيلي يقبل حصيلة وزارة الصحة في غزة التي تفيد بمقتل أكثر من 71 ألف فلسطيني خلال الحرب".
وأفادت الصحيفة بأن "إحصاء الوزارة يشمل فقط أولئك الذين قُتلوا مباشرة بنيران الجيش الإسرائيلي ضمن عمليات التتبع التي قام بها، ولا يشمل الذين توفوا بسبب الجوع أو الأمراض التي تفاقمت بفعل الحرب".
يأتي ذلك بعد سنوات من التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين بأن أرقام "حماس" عن الضحايا غير موثوقة، وغير جديرة بالتصديق، ولا يمكن الوثوق بها.
كما أشار الزعيم السابق لـ"حزب العمال" البريطاني والنائب المستقل الحالي في البرلمان، جيريمي كوربن، إلى الأمر الواضح، يا سارة: "ثمة سبب واحد فقط يجعل الجيش الإسرائيلي يقبل هذا الرقم- إنهم يعرفون أن العدد الحقيقي أكبر بكثير، بكثير. وقد حاول الفلسطينيون إخبار العالم. والعار على كل من سعى إلى نزع صدقيتهم. إنكم، بتستركم على الإبادة، غذّيتم الإبادة".
كما أشرنا مرارًا خلال العام الماضي في صحيفة "كابيتول هيل سيتيزن"، فإن إسرائيل قتلت مئات الآلاف من الفلسطينيين في غزة منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وليس عشرات الآلاف كما تقول الآن كل من "حماس" والجيش الإسرائيلي. (انظروا مثلًا إلى مقال رالف نادر: "استخفاف هائل بعدد قتلى غزة: ’حماس‘ تتحدث عن 66 ألفًا، والعدد أقرب إلى 600 ألف"؛ عدد تشرين الثاني (نوفمبر)/ كانون الأول (ديسمبر) 2025 من "كابيتول هيل سيتيزن"، الصفحة 30).
وبينما نُعِدّ هذا العدد للطباعة، ينشر موقع "زيتيو" تحقيقًا من ثلاثة أجزاء لطبيبة الجراحة من كاليفورنيا، الدكتورة فيروز سيدهوا بعنوان: "الحقيقة عن قتلى غزة".
عن الوفيات المباشرة الناتجة عن العنف، تكتب سيدهوا أن "العدد يُرجَّح أن يكون بين 120 ألفًا و215 ألفًا، أي ما يمثل شخصًا واحدًا من كل 10 إلى 18 شخصًا في غزة، وقد يكون أعلى بكثير. ومن غير المرجح بدرجة كبيرة للغاية أن يكون أقل من 120 ألف فلسطيني قد قُتلوا، ومن غير المرجح أن يكون أكثر من 437 ألفًا قد قُتلوا مباشرة بفعل العنف العسكري الأميركي-الإسرائيلي".
وتعمل سيدهوا على ورقة بحثية نهائية تتناول الوفيات غير المباشرة -أي الوفيات الناتجة عن الظروف غير الصحية، والأمراض، ونقص المرافق الطبية، وسوء التغذية، والمجاعة، والتعرض للعوامل الجوية. وغالبًا ما يستخدم علماء الأوبئة نسبة أربع وفيات غير مباشرة مقابل كل وفاة مباشرة واحدة في مثل هذه النزاعات، وهو ما من شأنه أن يرفع الحصيلة إلى مستوى أعلى بكثير من الأرقام المعلنة حاليًا- إلى نطاق يتجاوز 600 ألف وفاة، كما قدّر نادر.
كما لن يرى أحد أيضًا تقارير تُبرز حقيقة أن إسرائيل دمّرت الغالبية العظمى من المساجد وأشجار الزيتون في غزة.
وفقًا لفيّاض فيّاض، رئيس "المجلس الفلسطيني للزيتون"، فإن قطاع الزيتون في غزة "دُمّر بالكامل تقريبًا". وقال فيّاض لموقع "دروب سايت نيوز": "لا يوجد موسم زيتون هذا العام. ونقدّر أن نحو مليون شجرة من أصل 1.1 مليون شجرة زيتون في غزة قد دُمّرت".
في العام 2022، أنتجت غزة نحو 50 ألف طن من الزيتون. أما هذا العام، فيقول فيّاض إن إجمالي الإنتاج سيكون أقل بكثير من ألف طن. وأضاف في حديثه لموقع "دروب سايت" أن "الدمار متعمَّد. تهدف إسرائيل إلى القضاء على القطاع الزراعي، بما في ذلك الزيتون. وكل ما تبقّى هو أشجار متناثرة -لا بساتين، ولا إنتاج".
وقال المزارع الفلسطيني البالغ من العمر 75 عامًا، الحاج سليمان عبد النبي، لموقع "دروب سايت": "أصبحت أشجار الزيتون حطبًا الآن. أشعر بالألم مع كل شجرة تُقطع- ليس بسبب الخسارة فقط، بل لأن هذه الأشجار هي الحياة ذاتها. بالنسبة للفلسطينيين، هي رمز للصمود. وعندما تموت، يبدو الأمر وكأنه كارثة أخرى".
ووفقًا لوزارة الأوقاف في غزة، دمّرت إسرائيل أيضًا أكثر من 800 مسجد في القطاع- أي ما نسبته 79 في المائة من مساجد قطاع غزة- ودمّرت بالكامل ثلاث كنائس. كما تضرّر أكثر من 150 مسجدًا بشكل جزئي.
وقالت الوزارة: "إن استهداف قوات الاحتلال للمساجد وأماكن العبادة يشكل انتهاكًا واضحًا لكل المقدسات، وللقانون الدولي، وللقانون الدولي لحقوق الإنسان". وأضافت أن الجيش الإسرائيلي استهدف أيضًا 32 مقبرة من أصل 60 مقبرة في غزة، فدمّر 14 منها بالكامل وألحق أضرارًا جزئية بـ18 أخرى.
هل تم تناول أيٍّ من هذا التدمير المتعمد للمساجد وأشجار الزيتون في وسائل الإعلام السائدة في الولايات المتحدة؟ لم نجد ما يدل على ذلك. (وإن وجدتم، فنودّ أن نعرف).
وماذا يحدث عندما يحاول شخص غربي تسليط الضوء على ذلك؟ فلنأخذ حالة فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين.
في العام الماضي، أدرجت إدارة ترامب ألبانيزي على قائمة "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" (OFAC) -وهي قائمة تُخصَّص عادة للإرهابيين وغاسلي الأموال. وحدث ذك بعد ستة أيام من صدور تقريرها الذي يوثّق دعم شركات أميركية للإبادة الإسرائيلية في غزة.
وكان هذا التقرير- الذي أشار بالاسم إلى شركات ومؤسسات أميركية نافذة، من بينها "بالانتير تكنولوجيز"، و"لوكهيد مارتن"، و"ألفابت إنك"، و"أمازون"، وشركة "آي. بي. إم"، و"كاتربيلر"، و"مايكروسوفت"، و"معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا"- هو الذي أدى إلى فرض إدارة ترامب عقوباتها على ألبانيزي.
وكتبت ألبانيزي في التقرير: "لقد استفادت كيانات شركاتية كثيرة جدًا من اقتصاد الاحتلال غير القانوني والفصل العنصري -والآن الإبادة الجماعية. وليس التواطؤ الذي يكشفه هذا التقرير سوى قمة جبل الجليد- ولن يتوقف من دون مساءلة القطاع الخاص، بما في ذلك قياداته التنفيذية. يعترف القانون الدولي بدرجات متفاوتة من المسؤولية- وكلها تتطلب تدقيقًا ومحاسبة، وخاصة في هذه الحالة، حيث يكون حق شعب في تقرير مصيره ووجوده ذاته على المحك. وهذه خطوة ضرورية لإنهاء الإبادة الجماعية وتفكيك النظام العالمي الذي سمح بحدوثها".
ويروي الصحفي المستقل كريس هيدجز أنه نتيجة للعقوبات، تم تجميد أصول فرانشيسكا في الولايات المتحدة، بما في ذلك حسابها المصرفي وشقتها في الولايات المتحدة.
ويكتب هيدجز: "قطعت العقوبات عنها الاتصال بالنظام المصرفي الدولي، بما في ذلك منعها من استخدام بطاقات الائتمان. وترفض شركة التأمين الصحي التي تشترك فيها تعويض نفقاتها الطبية. كما أُلغيت حجوزات غرف الفنادق التي كانت باسمها. ولا يمكنها العمل إلا نقدًا أو عن طريق استعارة بطاقة مصرفية".
وأضاف هيدجز: "المؤسسات- بما في ذلك جامعات أميركية، ومنظمات حقوق إنسان، وأساتذة، ومنظمات غير حكومية- التي كانت تتعاون سابقًا مع فرانشيسكا، قطعت علاقاتها بها خوفًا من العقوبات المقررة على أي مواطن أميركي يتعاون معها. وهي وعائلتها يتلقون تهديدات متكررة بالقتل. وقد شنّت إسرائيل والولايات المتحدة حملة لإقصائها من منصبها في الأمم المتحدة".
وكتب: "إن فرانشيسكا هي دليل على أنك عندما تقف بثبات إلى جانب المظلومين، فإنك ستُعامَل كما يُعامَل المظلومون. وهي غير متأكدة مما إذا كان كتابها–’عندما ينام العالم: حكايات وكلمات وجراح فلسطين‘When the World Sleeps: Stories, Words, and Wounds of Palestine - الذي تُرجم إلى الإنجليزية ومن المتوقع صدوره في نيسان (أبريل) ، سيُوزَّع في الولايات المتحدة".
رواية سارة هورويتز الفاحشة؟
أم رواية فرانشيسكا ألبانيزي عن العدالة؟
الاختيار لكِ، يا أميركا.
*راسل مخيبرRussell Mokhiber: صحفي استقصائي ومحامٍ أميركي يُعرف بتخصصه في قضايا جرائم الشركات والفساد المؤسسي. أسّس ويحرر "نشرة جرائم الشركات" Corporate Crime Reporter، وهي مطبوعة أسبوعية تتابع مخالفات الشركات الكبرى في الولايات المتحدة، كما شارك في تحرير موقع "حركة نظام الدافع الواحد" Single Payer Action الداعم لإصلاح نظام الرعاية الصحية. ألّف وشارك في تأليف عدد من الكتب حول جرائم الشركات والمساءلة القانونية، وكتب مقالات وتحليلات نقدية عن نفوذ الشركات في السياسة الأميركية، ونُشرت أعماله في وسائل إعلام مستقلة وبديلة، ما جعله من أبرز الأصوات المنتقدة للهيمنة المؤسسية على الحياة العامة في الولايات المتحدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Wall of Carnage Gazans, Olive Trees and Mosques