المفاوضات الأميركية.. كيف تسهم بتحريك الانقسام الداخلي في إيران؟
الغد-محمد الكيالي
بينما تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، تبدو المفاوضات هناك وكأنها مرآة تعكس أزمات الداخل الإيراني، وضغوط واشنطن المتصاعدة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يكتفي بالتصريحات العلنية في نطاق ما يجري من تصعيد، بل يوظف التهديد العسكري والحصار الاقتصادي كأدوات لإعادة تشكيل ميزان القوى في العاصمة إيران، مستهدفا الانقسامات بين مؤسساتها وقياداتها، وفق ما تراه إدارته.
وهذه الانقسامات التي ظهرت، تكشف عن تناقض المواقف بين الدبلوماسية الإيرانية والحرس الثوري في داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، ما يفضي إلى اعتبار الأميركيين بأنه نقطة ارتكاز في إستراتيجيتهم مع طهران، بحيث تمكنهم من فتح الباب أمام صفقة سياسية، وقد تمهد أيضا لمواجهة عسكرية حال أغلقت مسارات التفاهم مع الإيرانيين.
في المقابل، تحاول إيران عبر جولات تفاوضية، تشارك فيها باكستان وعواصم عالمية أخرى، إظهار تماسكها عن طريق إعادة صياغة شروطها، لكنها في الوقت نفسه، تواجه ضغوطا مالية خانقة، وتحديات داخلية، تجعل أي تنازل مكلفا سياسيا، "فهل ينجح ترامب باستثمار الشرخ في الداخل الإيراني لفرض صفقة، أم أن طهران ستتمسك بمواقفها حتى لو كان الثمن مواجهة مفتوحة؟"
الانقسام الإيراني يفتح باب الحرب
المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي د. منذر الحوارات، أكد أن المشهد الراهن يضعنا أمام احتمالين رئيسين، لافتا إلى أن الأول، يتمثل بمفاوضات غير معلنة، إذ يلجأ ترامب إلى التلويح بالتهديدات كلما تعثرت هذه المفاوضات، من دون أن يحسم خيار استخدام القوة العسكرية، وهو خيار ما يزال مترددا في اللجوء إليه لأسباب داخلية ودولية وإقليمية.
وبهذا الأسلوب يسعى ترامب، إلى تحقيق تفاهمات خلف الكواليس، تجنب المنطقة الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة. أما الثاني، فيرتبط بالانقسام القائم داخل الإدارة الإيرانية، إذ يحاول ترامب استغلال هذا الشرخ بدعم تيار يوصف بالبراغماتي، من أجل دفعه للجلوس معه لعقد صفقة سياسية، وفق الحوارات.
وأضاف أن "ترامب، يستخدم لهذا الغرض، التهديد العسكري كأداة ضغط، بخاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إيران، وتعقيدات الوضع الصحي للمرشد الأعلى، ما يجعل اتخاذ أي قرار بالتنازل للولايات المتحدة الأميركية، أمرا بالغ الصعوبة، ويحتاج إلى مبررات قوية قد تكون الحرب أبرزها".
ورأى الحوارات، أن ما يعلن في الإعلام الإيراني، لا يعكس بالضرورة حقيقة الموقف الداخلي، إذ تلجأ واشنطن إلى التلويح بالخيار العسكري، ليس فقط لإيجاد مخرج تفاوضي، بل أيضا لترجيح كفة طرف داخلي على حساب آخر. مشيرا إلى أن المشهد الإيراني، وكذلك المفاوضات الأميركية الإيرانية، معقدان، فالهوة بين الطرفين واسعة، ما يجعل الوصول إلى تفاهم سريع أمرا شبه مستحيل.
وشدد على أن احتمالات اللجوء إلى القوة، تبقى قائمة، خصوصا إذا وصلت واشنطن إلى قناعة بأن فرص التقدم في المفاوضات باتت معدومة. مؤكدا أن الانقسام الإيراني حقيقي، وأن اللقاءات التقنية الجارية بين الطرفين لم تحقق تقدما ملموسا حتى الآن.
خلافات القيادة في طهران
بدوره، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد أن ترامب، حقق هدفين استراتيجيين منذ إعلانه فرض حصار على الحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز، وقد شمل الموانئ الإيرانية وعمليات تصدير واستيراد النفط والمواد الأخرى. مبينا أن هذه الإستراتيجية، نجحت أولا بنقل الخلافات إلى داخل إيران، إذ راهن ترامب على وجود انقسامات حادة بين أركان القيادة الإيرانية، برغم النفي الرسمي المتكرر لوجود أي تباينات.
وأشار الرداد، إلى أن أبرز دليل على تلك الانقسامات، ظهر حين صرح عباس عراقجي بفتح المضيق، قبل أن يعلن الحرس الثوري بعد ساعات استمرار إغلاقه، وفق شروط ومقاربات تفرضها طهران.
معتبرا بأن هذا التناقض، كشف عن دور الحرس الثوري الذي يتصرف كقوة متمردة أشبه بالميليشيا، ما يعزز رواية واشنطن حول وجود خلافات داخلية في إيران.
وأضاف أن الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، شكل ضغطا كبيرا على الموارد المالية المرتبطة بالحرس الثوري، لافتا إلى أن ملاحقة ناقلات النفط، لا تقتصر على مضيق هرمز، بل تمتد إلى جنوب شرق آسيا، ما يطرح تساؤلات حول دور الصين واحتمال استهدافها ضمن هذه الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، أشار الخبير الأمني، إلى أن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد، جاءت ضمن جولة تفاوضية تشمل: سلطنة عمان وروسيا، بهدف إشراك هذه العواصم القريبة من طهران في الاطلاع على الخطوط العريضة لأي اتفاق محتمل. موضحا بأن هذه التحركات تتزامن مع تسريبات عن وجود مبعوثين أميركيين في باكستان، ما يعكس استعداد إيران لتقديم تنازلات جديدة، تتجاوز مجرد استمرار المفاوضات الشكلية، وصولا لاتفاق مبدئي يتضمن مبادئ عامة تخضع لاحقا لمفاوضات تفصيلية.
ضغط ورسائل إستراتيجية
رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، قال إن "تصريحات ترامب المتكررة بشأن إيران، سواء بالحديث عن الانقسامات الداخلية أو تغيير النظام أو استسلام طهران، تأتي في إطار استراتيجية مدروسة، تهدف لإثارة البلبلة وإيصال رسالة بأن الولايات المتحدة تتحكم بالكامل في مسار الأزمة.
واعتبر شنيكات، أن هذه التصريحات لا تستهدف الداخل الإيراني فقط، بل تحمل أيضا رسائل موجهة إلى المجتمع الدولي، تؤكد أن واشنطن ما تزال صاحبة اليد الطولى في أي مواجهة عسكرية، بما فيها الحرب الأخيرة. مضيفا أن النظام الإيراني برغم هذه الضغوط، ما يزال متماسكا ويظهر وحدة في مواقفه، حتى وإن بدا أحيانا بأن هناك توزيعا للأدوار في القيادة. مؤكدا أن طهران متمسكة بمطالبها المتعلقة بإدارة مضيق هرمز، والتعويضات عن الحرب، إلى جانب شروط أخرى.
وبين شنيكات أن ترامب يراهن على أن الحظر الاقتصادي، سيؤدي في النهاية لإرغام إيران على الاستسلام، بينما يواصل في الوقت ذاته التحضير العسكري لاحتمال استهداف مواقع حيوية في إيران إذا سنحت الفرصة، وهو ما يتابعه بدقة جهاز الاستخبارات الأميركية عبر جمع المعلومات وتحديث بنك الأهداف المحتمل.