عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Mar-2026

تصريحات بزشكيان وصراع القوى في طهران*محمد أبو رمان

 الدستور

لم يكد ينهي الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، تصريحاته الإعلامية التي أعلن فيها الاعتذار لدول الجوار، وعدم نيّة إيران، لاحقاً، مهاجمتهم، إلاّ إذا هوجمت من قواعد في تلك الدول، حتى كانت الصواريخ الإيرانية تستهدف عدداً من دول الخليج، بل لم يتوانَ الحرس الثوري الإيراني عن إصدار بيان ينفّس تصريحات الرئيس وينزعها من أهدافها، وكذلك الأمر تمت مهاجمته من قبل أركان في التيار المحافظ، ومن الضلع الثاني في مجلس القيادة المؤقت، غلام حسين.
 
بعدما علّق ترامب على كلامه بأنّه نتيجة الضربات الأميركية- الإسرائيلية، مؤشراً إلى أنّ إيران ستكون الخاسر الأكبر، اضطر بزشكيان إلى التوضيح في اليوم التالي، بصورة محرجة، بأنّ تصريحاته حرّفت من العدو، وأنّ إيران سترد إذا تعرّضت لهجوم، ومن الواضح أنّ تصريحاته لقيت استياءً وغضباً من قبل كل من التيار المحافظ والحرس الثوري، الذين يتوليان اليوم بصورة واضحة مقاليد القيادة منذ مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.
 
ثمّة فرضيتان رئيستان في أوساط السياسيين والباحثين في تحليل ديناميكيات السلطة والقوة اليوم في النظام الإيراني، وكل واحدة منهما تستبطن سيناريو مختلفاً لمسار إيران في المرحلة القادمة، أو ما يطلق عليه «اليوم التالي» للحرب. الفرضية الأولى ترى أنّ هنالك انقساماً كبيراً وحقيقياً داخل النظام السياسي الإيراني، وبصورة خاصة بين التيارات الإصلاحية والبراغماتية من جهة، والحرس الثوري والتيار المحافظ من جهةٍ أخرى، والفرضية الثانية تقوم على أنّ الانقسام صحيح لكنه ليس عميقاً ولا يصل إلى مرحلة المواجهة، بل هو أقرب إلى توزيع أدوار بين التيارين ومحاولة تقديم رسائل مختلفة داخلياً وخارجياً.
 
يذهب كاتب هذه السطور إلى الفرضية الأولى؛ وما حدث مع الرئيس الإيراني من إحراج هو نموذج حيّ وصارخ على عمق هذا الانقسام، الذي يصل حالياً إلى مستوى قريب من الذروة، بخاصة أنّ تصريحات كل من بزشكيان وعراقجي (المحسوب أكثر على التيار البراغماتي) تكشف أنّ هنالك تبايناً شديداً في الرهانات بينهما وبين النخبة المحافظة المتمسكة بقوة بمقاليد القوة، مثل رئيس مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني، ورئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، ومعهم قيادات الحرس  الثوري.
 
من الواضح، كذلك، أنّ من يقود المعركة اليوم هو الحرس الثوري، وهو الذي وسّع من نطاقها الجغرافي، ولم يتردد في استخدام كل قدراته، فبالنسبة له هي معركة وجودية – داخلياً وخارجياً- وسيدخلها بكل ما لديه، لذلك فإنّ أميركا لن تتراجع ويتخلخل موقفها إلاّ إذا تعرّضت مصالحها للخطر، أو ضغط عليها حلفاؤها للتراجع، والطريق الوحيدة لذلك، وفق منظور الحرس الثوري، هو استهداف مصالح أميركا في المنطقة، وعدم الاكتفاء بالصواريخ على إسرائيل وحدها.
 
على الجهة المقابلة، فإنّ القلق الذي يسكن التيار الإصلاحي كذلك هو أنّ السياسات الحالية للحرس الثوري كلفتها المستقبلية عالية جداً، وعلى الأغلب لا يزال الرئيس ووزير خارجيته يبحان عن مخارج دبلوماسية، ولا يعني أنّهما لا يوافقان التيار المحافظ والحرس الثوري على الحرب الشاملة الإقليمية بهذا المستوى أنّهما يريدان الرضوخ للشروط الأميركية، وإنما يدركان تماماً حجم الفجوة الكبيرة في موازين القوى بين الطرفين، بخاصة مع دخول أميركا الحرب بكل قوتها، واستعداد دول أوروبية للمشاركة فيها، مع هشاشة المعادلة الداخلية في إيران ومخاطر التفكك الجغرافي- السياسي هناك، فمثل هذه المعطيات الخطيرة قد تدفع بالإصلاحيين إلى السعي لإيجاد مخرج أو حل استراتيجي للأزمة بالكلفة الأقل.
 
لم يحن وقت الحل أو وقت المكاسرة الداخلية بين التيارين، واللحظة الفارقة ستكون عندما تتبدد المنظومة الصاروخية وتصبح إيران تحت القصف الشديد بلا قدرة على الرد، عندها من الممكن أن يكون المسرح أكثر ملائمة داخلياً وخارجياً لدور أكبر للنخبة الإصلاحية، فترامب يريد تحقيق انتصار والحرس الثوري عند تلك اللحظة سيبحث عن أقل الخسائر والشارع الإيراني يريد الخروج من الوضع الخطير الذي وصل إليه، عند تلك اللحظة – تحديداً- من الممكن أن يمسك الإصلاحيون بزمام المبادرة ويطرحون حلاّ متعدد الأبعاد، داخلياً وخارجياً، ومن ضمنه إعادة تعريف دور المرشد الأعلى والانفتاح السياسي داخل إيران والقبول بالشروط الأميركية (وهي في صلبها شروط إسرائيلية لحسابات بين ترامب وقاعدته الاجتماعية الايفانجاليكال).