عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-May-2026

"كش ملك" في إيران

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
روبرت كاغان – (ذا أتلانتيك) 10/5/2026
 
سوف يؤدي الوضع الجديد في مضيق هرمز إلى تحول كبير في موازين القوة والنفوذ، إقليمياً وعالمياً. في المنطقة، ستكون الولايات المتحدة قد أثبتت كونها نمراً من ورق، وهو ما سيدفع دول الخليج وسائر الدول العربية إلى التكيف مع إيران.
 
 
من الصعب التفكير في وقت عانت فيه الولايات المتحدة هزيمة كاملة في نزاع؛ انتكاسةً حاسمة جدًا حتى أن الخسارة الاستراتيجية الناجمة عنها لا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها. كانت الخسائر الكارثية التي مُنيت بها في الهجوم الياباني على بيرل هاربر، وفي الفلبين، وفي مختلف أنحاء غرب المحيط الهادئ خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية، قابلة للنقض وإصلاح آثارها في نهاية المطاف. وكانت الهزائم في فيتنام وأفغانستان مكلفة، لكنها لم تُلحق ضرراً دائماً بالمكانة الأميركية العامة في العالم، لأنها كانت بعيدة عن المسارح الرئيسية للتنافس العالمي. وحتى الإخفاق الأولي في العراق تم تخفيف آثاره من خلال إجراء تغيير في الاستراتيجية انتهى أخيراً إلى ترك العراق مستقراً نسبياً وغير مهدِّد لجيرانه، وأبقى على الولايات المتحدة مهيمنة في المنطقة.
لكنّ الهزيمة في المواجهة الراهنة مع إيران ذات طبيعة مختلفة تماماً. إنها هزيمة لا يمكن إصلاح تداعياتها ولا تجاهلها. لن تكون هناك عودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، ولا انتصار أميركي نهائي يمكن أن يلغي أو يتجاوز الأضرار التي وقعت. ولن يعود مضيق هرمز "مفتوحاً" كما كان ذات مرة. ومع السيطرة على المضيق، ستنجُم إيران بوصفها اللاعب الأساسي في المنطقة، وأحد اللاعبين الأساسيين في العالم. وسوف تتعزز أدوار الصين وروسيا، كحليفتين لإيران، بينما يتراجع دور الولايات المتحدة بصورة كبيرة. وبدلاً من إظهار البراعة والقدرة الأميركية، كما دأب مؤيدو الحرب على الادعاء مراراً، كشف هذا الصراع عن أميركا غير موثوقة ولا يمكن الاعتماد عليها وعاجزة عن إكمال ما بدأته. وسوف يطلق ذلك سلسلة من التفاعلات حول العالم، بينما يعيد الأصدقاء والخصوم على السواء تكييف مواقفهم مع فشل أميركا.
يحبّ الرئيس دونالد ترامب أن يتحدث عمّن "يمتلك الأوراق". أما ما إذا كانت ما تزال لديه أوراق رابحة يلعبها، فليس واضحاً. لقد قصفَت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بضربات ذات فعالية مدمرة على مدى 37 يوماً، قتلت قسماً كبيراً من قيادة البلد ودمّرت معظم قدراته العسكرية، ومع ذلك لم تتمكنا من إسقاط النظام أو انتزاع حتى أصغر تنازل منه. والآن، تأمل إدارة ترامب أن يحقق حصار الموانئ الإيرانية ما عجزت القوة العسكرية الهائلة عن تحقيقه. وهذا ممكن بطبيعة الحال، لكنَّ نظاماً لم تُجبره على الركوع خمسة أسابيع من الهجمات العسكرية المتواصلة من غير المرجح أن ينهار نتيجة للضغط الاقتصادي وحده. كما أنّه لا يخشى غضب شعبه. وكما أشارت الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني، سوزان مالوني، مؤخراً، فإن "نظاماً ذبح مواطنيه لإسكات الاحتجاجات في كانون الثاني (يناير) مستعدّ تماماً لفرض مشقات اقتصادية عليهم الآن".
لذلك يدعو بعض مؤيدي الحرب إلى استئناف الضربات العسكرية، لكنهم لا يستطيعون تفسير كيف يمكن لجولة جديدة من القصف أن تحقق ما لم تحققه سبعة وثلاثون يوماً من القصف. كما أنّ أي عمل عسكري إضافي سيدفع إيران حتماً إلى الرد على دول الخليج المجاورة؛ ولا يملك دعاة الحرب جواباً عن ذلك أيضاً. لم يوقف ترامب الهجمات على إيران لأنه شعر بالملل، وإنما لأنّ إيران كانت تضرب منشآت النفط والغاز الحيوية في المنطقة. كانت نقطة التحول قد جاءت في 18 آذار (مارس) عندما قصفت إسرائيل حقل الغاز الإيراني "جنوب فارس"، وردّت إيران بمهاجمة مدينة رأس لفان الصناعية في قطر -وهي أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي في العالم- متسببةً بأضرار في القدرة الإنتاجية سيستغرق إصلاحها سنوات. عندئذٍ ردّ ترامب بإعلان وقف مؤقت لأي ضربات إضافية على منشآت الطاقة الإيرانية، ثم أعلن وقفاً لإطلاق النار مع أنّ إيران لم تقدم أي تنازل على الإطلاق.
ما تزال حسابات المخاطر التي أجبرت ترامب على التراجع قبل شهر قائمة الآن. وحتى لو نفّذ تهديده بتدمير "حضارة" إيران بالمزيد من القصف، فإنّ إيران ستظل قادرة على إطلاق عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبل سقوط نظامها -بافتراض أنّه سيسقط من الأساس. وقد تكفي بضع ضربات ناجحة فقط لشلّ البنية التحتية النفطية والغازية في المنطقة لسنوات، إن لم يكن لعقود، وهو ما سيلقي بالعالم، والولايات المتحدة نفسها، في خضم أزمة اقتصادية طويلة الأمد. حتى ولو أراد ترامب قصف إيران كجزء من استراتيجية خروج -الظهور بمظهر الرجل القوي لإخفاء تراجعه- فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك من دون المجازفة بجلب الكارثة.
إذا لم يكن هذا موقف "كش ملك"، فإنه قريب جداً من أن يكونه. بحسب التقارير، طلب ترامب في الأيام الأخيرة من أجهزة الاستخبارات الأميركية تقييم تداعيات الاكتفاء بإعلان النصر والانسحاب، ببساطة. ولا يمكن لأحد أن تلومه على ذلك. ليس الأمل بانهيار النظام استراتيجية حقيقية بالضبط، خصوصاً عندما يكون هذا النظام قد نجا مُسبقاً من ضربات عسكرية واقتصادية متكررة. ربما يسقط النظام غداً، أو بعد ستة أشهر، أو أنه ربما لا يسقط إطلاقاً. لكن ترامب لا يملك كل هذا الوقت للانتظار بينما ترتفع أسعار النفط نحو 150 أو حتى 200 دولار للبرميل، ويتصاعد التضخم، وتبدأ أزمات الغذاء والسلع الأساسية الأخرى بالظهور عالمياً. إنه يحتاج إلى حل أسرع.
لكنّ أي حل آخر غير استسلام أميركا الفعلي ينطوي على مخاطر هائلة لا يبدو ترامب حتى الآن مستعداً لتحمّلها. ونادراً ما يعترف أولئك الذين يدعون ترامب ببساطة إلى أن "ينهي المهمة" بالكُلف. ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لخوض حرب برية وبحرية شاملة لإسقاط النظام الإيراني الحالي، ثم احتلال إيران إلى أن تتمكن حكومة جديدة من تثبيت أقدامها؛ وما لم تكن مستعدة للمخاطرة بخسارة سفن حربية ترافق ناقلات النفط عبر مضيق متنازع عليه؛ وما لم تكن مستعدة لتقبّل الأضرار طويلة الأمد والمدمرة التي قد تلحق بالقدرات الإنتاجية للمنطقة نتيجة الرد الإيراني -فإنّ الانسحاب الآن قد يبدو الخيار الأقل سوءاً. ومن الناحية السياسية، يُحتمل كثيراً أن يشعر ترامب بأنّ فرصته في النجاة من الهزيمة أكبر من فرصته في البقاء بعد حرب أكبر وأطول وأكثر كلفة، والتي ربما تنتهي -مع كل ذلك- إلى الفشل.
وهكذا، ليست هزيمة الولايات المتحدة ممكنة؛ إنها مرجحة. وإليكم ما ستبدو عليه الهزيمة.
ستظل إيران ممسكة بالسيطرة على مضيق هرمز. والافتراض الشائع بأن المضيق سيُعاد فتحه بطريقة أو بأخرى عند انتهاء الأزمة لا يستند إلى أي أساس. ليست لدى إيران أي مصلحة في العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب. كثيراً ما يجري الحديث عن انقسام بين المتشددين والمعتدلين في طهران، ولكن حتى المعتدلين لا بد أنهم يدركون أنّ إيران لا تستطيع التفريط بالمضيق، مهما تبدو الصفقة التي قد تحصل عليها جيدةً. في نهاية المطاف، إلى أي حد يمكن الوثوق بأي اتفاق مع دونالد ترامب أصلاً؟ إنه لم يفعل سوى التباهي بتكرار الهجوم الياباني المباغت على بيرل هاربر عندما وافق على اغتيال القيادة الإيرانية وسط المفاوضات. ولا يستطيع الإيرانيون أن يكونوا واثقين من أنّ ترامب لن يقرر شن هجوم جديد بعد بضعة أشهر فقط من إبرام أي اتفاق. كما أنهم يعلمون أيضاً أنّ الإسرائيليين قد يشنون هجوماً جديداً، لأنهم لا يشعرون عادة بأن هناك أي قيد يمكن أن يمنعهم من التحرك عندما يعتقدون أنّ مصالحهم مهددة.
وسوف تكون مصالح إسرائيل مهددة. وكما أشار كثير من الخبراء في الشأن الإيراني، يبدو أنّ النظام في طهران سيخرج من هذه الأزمة أقوى بكثير مما كان عليه قبل الحرب؛ لن يكون قد احتفظ بقدرته النووية المحتملة فحسب؛ وإنما سيكون قد اكتسب أيضاً سلاحاً أكثر فعالية: القدرة على احتجاز سوق الطاقة العالمية كرهينة. وعندما يتحدث الإيرانيون عن "إعادة فتح" المضيق، فإنهم يقصدون إبقاءه تحت سيطرتهم. ولن تتمكن إيران من فرض رسوم للعبور في المضيق فحسب، بل ستتمكن أيضاً من حصر المرور بالدول التي تحتفظ معها بعلاقات جيدة. وإذا تصرفت دولة ما بطريقة لا تعجب حكّام إيران، فسيكون بمقدورهم إنزال العقاب بها بمجرد إبطاء حركة سفنها التجارية الداخلة إلى المضيق والخارجة منه -أو حتى بمجرد التهديد بإبطائها.
سوف تكون القدرة على إغلاق الطريق أو السيطرة على حركة السفن عبر المضيق أكبر وأكثر فورية من القوة النظرية للبرنامج النووي الإيراني. وسوف يتيح هذا النفوذ لقادة طهران إجبار الدول على رفع العقوبات وتطبيع العلاقات؛ أو مواجهة العقوبات. وسوف تجد إسرائيل نفسها وقد أصبحت أكثر عزلة من أي وقت مضى، بينما تصبح إيران أكثر ثراءً، وتعيد تسليح نفسها، وتحافظ في الوقت نفسه على خيار التحول إلى قوة نووية مستقبلاً. وقد تجد إسرائيل نفسها عاجزة حتى عن ملاحقة وكلاء إيران الإقليميين: في عالم حيث تمتلك إيران نفوذاً على إمدادات الطاقة الخاصة بعدد كبير من الدول، قد تواجه إسرائيل ضغوطاً دولية هائلة كي لا تستفز طهران في لبنان، أو غزة، أو أي مكان آخر.
سوف يؤدي الوضع الجديد في المضيق إلى تحول كبير في موازين القوة والنفوذ، إقليمياً وعالمياً. في المنطقة، ستكون الولايات المتحدة قد أثبتت كونها نمراً من ورق، وهو ما سيدفع دول الخليج وسائر الدول العربية إلى التكيف مع إيران. وكما كتب الباحثان المتخصصان في الشأن الإيراني، ريويل مارك غيريشيت Reuel Gerecht وراي تقية Ray Takeyh مؤخراً، فإن "اقتصادات دول الخليج العربية بُنيت تحت مظلة الهيمنة الأميركية. قم بإزالة تلك المظلة -ومعها حرية الملاحة المرتبطة بها- وسوف تذهب دول الخليج، بصورة لا مفر منها، متوسلة إلى طهران".
ولن تكون هذه الدول وحيدة في ذلك. سوف تضطر جميع الدول التي تعتمد على الطاقة القادمة من الخليج إلى ترتيب تفاهماتها الخاصة مع إيران. أي خيار آخر سيكون لديها؟ إذا كانت الولايات المتحدة، بأسطولها البحري الهائل، عاجزة عن -أو غير راغبة في- فتح المضيق، فإن أي تحالف قوى لا يملك سوى جزء ضئيل من قدرات الأميركيين لن يكون قادراً على ذلك أيضاً. أما المبادرة الأنجلو-فرنسية لتأمين المضيق بعد وقف إطلاق النار فأقرب إلى النكتة. أوضح الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون أن هذا "التحالف" لن يعمل إلا في ظروف سلمية داخل المضيق: إنه سيرافق السفن، وإنما فقط إذا لم تكن في حاجة إلى مرافقة من الأساس. مع ذلك، ومع سيطرة إيران عليه، لن يكون المضيق آمناً مجدداً لفترة طويلة. وربما تمتلك الصين بعض النفوذ على طهران، لكنها لا تستطيع وحدها فرض فتح المضيق.
ربما يكون أحد آثار هذا التحول هو إطلاق وتوسيع سباق بحري بين القوى الكبرى. في السابق، كانت معظم دول العالم، بما فيها الصين، تعتمد على الولايات المتحدة لمنع مثل هذه الأزمات والتعامل معها عند وقوعها. والآن، تجد الدول في أوروبا وآسيا التي تعتمد على الوصول إلى موارد الخليج نفسَها عاجزة أمام إمكانية فقدان إمدادات الطاقة الضرورية لاستقرارها الاقتصادي والسياسي. إلى متى يمكنها أن تتحمل ذلك قبل أن تشرع في بناء أساطيلها الخاصة، كوسيلة لاكتساب النفوذ في عالم يسوده مبدأ "كل دولة لنفسها"، والذي انهار فيه النظام والقدرة على التنبؤ؟
سوف تكون للهزيمة الأميركية في الخليج تداعيات عالمية أوسع أيضاً. يستطيع العالم كله أن يرى أنّ بضعة أسابيع فقط من الحرب مع قوة من الدرجة الثانية أدت إلى استنزاف مخزون الأسلحة الأميركية إلى مستويات متدنية خطيرة للغاية، من دون أي تعافٍ سريع في الأفق. وقد تدفع الأسئلة التي يثيرها ذلك بشأن جاهزية الولايات المتحدة لخوض نزاع كبير آخر -أو لا تدفع- شي جينبينغ إلى شن هجوم على تايوان، أو فلاديمير بوتين إلى تصعيد عدوانه ضد أوروبا. لكنّ حلفاء أميركا في شرق آسيا وأوروبا سيتساءلون، على الأقل، عن قوة الولايات المتحدة الباقية وقدرتها على الصمود في حال اندلاع صراعات مستقبلية.
إنّ التكيف العالمي مع عالم ما بعد الهيمنة الأميركية يتسارع. وليست مكانة أميركا التي كانت ذات مرة مهيمنة في الخليج سوى أولى الخسائر من بين الكثير.
 
*روبرت كاغانRobert Kagan: مؤرخ وكاتب ومحلل أميركي بارز في شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، يُعدّ من أبرز رموز التيار المحافظ الجديد في الولايات المتحدة. كتب على نطاق واسع حول القوة الأميركية والنظام الدولي والديمقراطية الليبرالية. عمل باحثاً في مؤسسات فكرية مؤثرة مثل مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومعهد بروكينغز، كما شارك في صياغة نقاشات السياسة الخارجية الأمريكية منذ تسعينيات القرن العشرين. نشر مقالات ودراسات في مجلات مرموقة مثل "فورين أفيرز" و"الواشنطن بوست". من أبرز كتبه "عن الفردوس والقوة" Of Paradise and Power؛ و"الغابة تنمو من جديد" The Jungle Grows Back. آخر كتبه هو "التمرد: كيف تمزق مناهضة الليبرالية أميركا إرباً -مرة أخرى" Rebellion: How Antiliberalism Is Tearing America Apart—Again.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Checkmate in Iran