قرار الـمحكمة الأميركية ضد ميتا.. هل هو بداية انهيار إمبراطوريات الخوارزميات؟*د. محمود أبو فروة الرجبي
الغد
تمتعت منصات التواصل الاجتماعي في القانون الأميركي بحماية كبيرة من خلال المادة 230 التي عدت هذه المنصات –إلى درجة كبيرة- مجرد وسيط لما ينشره الآخرون، ولذلك لا ترفع –عادة- القضايا عليها، بل على الناشر نفسه، ولكن آخر قرار لمحكمة أميركية غير هذه المعادلة، وهذا له تأثيرات وتداعيات أكبر مما نتصور على هذه المنصات التي باتت المتحكم الأول في العقول، والقادرة على الوصول إلى غالبية الناس في العالم والتأثير عليهم بشكل أو بآخر.
إذا، هل نحن أمام تحول حقيقي في طريقة تعامل القضاء مع شركات التواصل الاجتماعي العملاقة؟ وهل سيترسخ ذلك، ويؤثر على «عصر العسل» الذي عاشته هذه المنصات؟ الإجابة على السؤال ليست سهلة، وتحتاج إلى تأن ومع ذلك فما حصل يدل على بداية تغيير قد يجعل البشرية تتنفس الصعداء أمام تغول هذه المنصات التي باتت الحاكم شبه المطلق في تشكيل العقول، وبناء طريقة تفكير الناس، بل والقدرة على تحديد ما يرونه، وما لا يتعرضون له من منشورات.
إلى القصة: بدأت القضية التي رفعتها نيو مكسيكو عام 2023 باتهامات تتعلق بسلامة الأطفال على «فيسبوك» و«إنستغرام»، وبأن الشركة ضللت الجمهور بشأن مستوى الأمان، بينما كانت لديها معلومات داخلية عن مخاطر يتعرض لها القاصرون من خلال وصول بالغين إلى حساباتهم. وفي 24 مارس/آذار 2026، قضت هيئة محلفين بمسؤولية «ميتا» مدنيا عن انتهاك قانون الممارسات غير العادلة في الولاية، وفرضت عليها 375 مليون دولار. وفي ذلك الوقت، وصفت وزارة العدل في نيو مكسيكو الحكم بأنه أول انتصار لولاية أميركية أمام المحاكمة ضد شركة تكنولوجيا كبرى في قضية تتعلق بإلحاق الضرر بصغار السن.
لكن القضية لم تتوقف عند ذلك. ففي هذا الشهر – آب 2026- خلص القاضي برايان بيدشيد (Bryan Biedscheid) إلى أن طريقة عمل منصات «ميتا» أسهمت في خلق ضرر عام يمس الأطفال والأسر والمدارس والخدمات الصحية، وأمر الشركة بدفع 567 مليون دولار إلى صندوق للصحة النفسية للشباب، ليرتفع مجموع المبالغ المحكوم بها في مرحلتي القضية إلى 942 مليون دولار. و«ميتا» من جانبها رفضت الاتهامات وأعلنت أنها ستستأنف الحكم، وهذا يعني أن المعركة ما زالت مستمرة.
الأهم هنا ليس حجم الـمبلغ، بل طبيعة السلوك الذي حوسبت عليه الشركة؛ فالقضية لم تنحصر في منشور ضار كتبه مستخدم أو فيديو نشره شخص آخر، بل امتدت إلى تصميم الـمنصة نفسها: أنظمة التوصية التي تحدد الـمحتوى المقترح في خلاصة المستخدم، ووسائل حماية القاصرين من تواصل البالغين –وقد يكون منهم أشخاص خطرون جنسيا-، والتحقق من العمر، والإشعارات، وإعدادات الخصوصية، وغيرها من الخصائص التي تتحكم الشركة في بنائها وتشغيلها. وهذا تحديدا هو الجانب الذي يجعل الحكم مهما في النقاش حول مستقبل مسؤولية المنصات.
وعلى صعيد متصل، يثير الحكم قضية «التصميم الجاذب للاستخدام» أو ما يسمى أحيانا بالتصميم الإدماني. فالإعجاب، والإشعارات، والتصفح المستمر، والتوصيات الشخصية ليست عناصر محايدة تماما؛ إنها جزء من هندسة المنتج التي تهدف، في جانب منها، إلى إبقاء المستخدم متفاعلا. وتوجد بالفعل دراسات عصبية وجدت أن الحصول على مؤشرات قبول اجتماعي مثل «الإعجابات» يرتبط بنشاط مناطق في الدماغ تدخل في معالجة المكافأة، ومنها النواة المتكئة.
وتعد النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) جزءا أساسيا من نظام المكافأة في الدماغ؛ إذ تنشط عند توقع المكافأة أو الحصول عليها، وترتبط بآليات التحفيز والتعلم وتكرار السلوك. ولهذا يدرس الباحثون نشاطها عند بحث أنماط مثل القمار والإدمان، وكذلك بعض أشكال الاستخدام القهري للمنصات الرقمية، وهذا خطر جدا، ويجعل ترك الـمنصة في الأوقات الـمختلفة صعبا على غالبية الأشخاص، ولن نناقش هنا تأثيرات ذلك على الإنتاجية، وتقدم البشرية، وغيرها.
واللافت أيضا أن القاضي نفسه لم يقبل كل مطالب نيو مكسيكو. فقد فرض على «ميتا» إجراءات تتعلق بحسابات القاصرين، والتحقق من العمر، والإشعارات، والاتصال بين البالغين والقاصرين، واستخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي، لكنه رفض فرض بعض التغييرات المباشرة على الخوارزميات، كما رفض حظر التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي، مراعاة لاعتبارات قانونية ودستورية وتقنية. وهذا مهم؛ لأنه يبين أن الحكم لم يكن إعلان حرب مفتوحة على نموذج عمل منصات التواصل، بل محاولة لرسم حدود جديدة للمسؤولية.
وفي أوكلاند بولاية كاليفورنيا بدأت مواجهة اتحادية أكبر؛ إذ تختبر المحكمة ادعاءات أربع ولايات بأن «ميتا» صممت «فيسبوك» و«إنستغرام» بطريقة تشجع الاستخدام القهري لدى الأطفال وضللت الجمهور بشأن سلامتهما، إلى جانب مطالبات من 29 ولاية تتعلق بجمع واستخدام بيانات الأطفال بالمخالفة للقانون الاتحادي الأميركي.
وفي الوقت نفسه، هناك أكثر من 3300 دعوى فردية مجمعة أمام محاكم ولاية كاليفورنيا، إضافة إلى آلاف القضايا في المحاكم الاتحادية ودعاوى رفعتها مناطق تعليمية. وفي آذار الماضي، وجدت هيئة محلفين في لوس أنجلوس «ميتا» و«غوغل» مسؤولتين بالإهمال في أول قضية فردية تجريبية كبرى من هذه الموجة، وألزمت «ميتا» بدفع 4.2 ملايين دولار و«غوغل» 1.8 مليون دولار. كما تسعى أكثر من ألف منطقة تعليمية في الولايات الـمتحدة إلى تحميل شركات التواصل جزءا من تكاليف معالجة مشكلات الصحة النفسية التي تقول إنها تفاقمت بين الطلبة بحسب رويترز.
ويبقى السؤال، هل تستمر هذه الانتصارات في وضع حدود لنفوذ هذه المنصات، وسيطرتها على البشرية، وعدم مراعاتها لحقوق الآخرين، والتحكم في المحتويات بطريقة غير عادية – حسب تقديري، وتقدير آخرين-؟
هذا ما نأمله لأن استمرار عدد قليل من الشركات في التحكم بالبشرية، لن يؤدي إلا إلى سيادة الأحادية في التفكير في العالم، وفرض وجهات نظر واحدة، وتقليل التعددية التي هي أحد أسباب تطور البشرية في القرون الـماضية.
المعركة ليست سهلة، ولكن استمرار الانتصارات فيها ممكن، للوقوف في وجه إمبراطوريات نشأت حديثا، وأصبحت أقوى لاعب في معركة الوعي في العالم، لسنا مع انهيار هذه المنصات، لكننا حتما ضد أن تتحول إلى الديكتاتور الأكبر في العالم.