عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Oct-2026

"الكوتشنج وكبار السن".. ملاوي توثق تجربتها مع والديها في كتاب

 الغد-عزيزة علي

 انطلاقاً من تجربتها الشخصية الإنسانية، تقدم الدكتورة حياة يوسف ملاوي في كتابها الجديد "سوناتات الكوتش المحترف: الكوتشنج وكبار السن"، الصادر عن دار الشروق للنشر والتوزيع، رؤية عملية واضحة حول أهمية "الكوتشنج" في مساندة كبار السن وتحسين جودة حياتهم. حيث يركز الكتاب بشكل أساسي على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والصحي لهذه الفئة، وتزويد الأسر ومقدمي الرعاية بالأدوات اللازمة للتعامل مع التحديات المرتبطة بالتقدم في العمر.
 
 
وروت ملاوي كيف شكلت معاناة والدها بعد التقاعد نقطة الانطلاق نحو البحث والدراسة في مجالات علم النفس والاجتماع وصحة كبار السن، قبل أن تتوسع تجربتها لتشمل إعداد البرامج التدريبية والمؤلفات المتخصصة، وتأسيس مبادرات تُعنى بخدمة كبار السن والمتقاعدين، من بينها مركز "إجلال لخدمات كبار السن والمتقاعدين"، وموقع "المدينة الرقمية لكبار السن" في الدول العربية.
وتحتل تجربة والدتها، عائشة، مساحة بارزة في التمهيد، إذ تسرد المؤلفة تفاصيل معاناتها مع الخرف الوعائي، وما رافق ذلك من تحديات أسرية وعاطفية، تفاقمت عقب إصابتها بجلطات ومضاعفات صحية خطيرة. وتقدم هذه التجربة نموذجًا لما تواجهه الأسر من صعوبات في رعاية كبار السن، مؤكدة أهمية الصبر والتكاتف الأسري والبحث عن أساليب ملائمة للتعامل مع التغيرات التي تطرأ على قدراتهم الإدراكية والحركية.
ومن خلال هذه التجربة، أوضحت ملاوي الدوافع الإنسانية والمهنية وراء تأليف الكتاب، الذي يسعى إلى تقديم رؤية وتوجيهات عملية تساعد كبار السن ومقدمي الرعاية على تجاوز التحديات المرتبطة بهذه المرحلة العمرية. كما تؤكد أهمية تطوير برامج "كوتشنج" تراعي خصوصية المجتمعات العربية وموروثاتها الثقافية والاجتماعية، بما يعزز فهم احتياجات كبار السن، ويدعم اندماجهم في محيطهم، ويساهم في تحسين جودة الرعاية المقدمة لهم.
وأشارت ملاوي في مقدمة الكتاب إلى أهمية مهنة "الكوتشنج" ودورها في رعاية كبار السن، بوصفها مجالًا يجمع بين المهارات العلمية والفنون المكتسبة من خلال الدراسات الحديثة والخبرة العملية. وأوضحت أن تنامي الاهتمام بهذه المهنة في السنوات الأخيرة عزز دور المدربين والاختصاصيين في المجتمع، ودفع الباحثين إلى دراسة مساهماتها في مواجهة المشكلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتفاقمة.
وأكدت المؤلفة أن النجاح في الحياة يتطلب السعي المستمر نحو التطور وتحسين الذات، سواء على مستوى العلاقات الإنسانية أو الأداء المهني، من خلال تنمية المهارات المكتسبة وتعزيز القدرة على الإبداع الوظيفي.
وترى ملاوي أن تحقيق ذلك يستلزم إرادة قوية وشخصية إيجابية قادرة على بث الطاقة المتجددة وترك أثر طيب في الذات والمجتمع. ومن هنا، تبرز أهمية التدريب بالممارسة والمعايشة، المعروف بـ"اللايف كوتشنج"، الذي يمكن أن يساهم في تذليل العقبات التي تواجه كبار السن في علاقتهم بأسرهم، ومساعدتهم على فهم ذواتهم واستعادة اندماجهم في المجتمع، فضلًا عن تعزيز نظرتهم الإيجابية إلى الحياة وتخفيف حدة ردود أفعالهم السلبية في بعض الحالات. ولفتت المؤلفة إلى أن تطبيق "الكوتشنج" عمليًا ليس مهمة سهلة، نظرًا إلى ارتباطه بمتغيرات تتعلق بظروف كل مستفيد وحالته الخاصة، إلى جانب أوضاعه الاجتماعية والمادية والثقافية، ما يجعل الممارسة الميدانية أكثر تعقيدًا من الطروحات النظرية.
وخلصت ملاوي إلى أن إدراك أهمية هذه المهارات دفع المؤسسات الإنتاجية إلى الاهتمام بتطوير قدرات الكوتش، لما لذلك من أثر في تحسين أداء الأفراد وكفاءة المؤسسات. كما أشارت إلى إمكانية مساهمة هذه المهارات في دعم عمل الطبيب المعالج والمساعدة على تحقيق الاستقرار النفسي للمستفيد، مؤكدة أهمية اكتساب الأفراد هذه المهارات والاستفادة منها في التعامل مع تحدياتهم الشخصية والنفسية.
وفي تمهيدها للكتاب، أوضحت المؤلفة ملاوي أن اهتمامها بشؤون كبار السن بدأ من تجربة شخصية عاشتها مع والدها، - رحمه الله -، الذي دفعها، دون قصد، إلى البحث عن حلول للتغيرات التي طرأت على حياته بعد التقاعد، واستسلامه للفراغ اليومي. فقد أصبح كثير الشكوى من آلام لم يعهدها من قبل، وتكررت زياراته للمستشفيات من دون التوصل إلى تشخيص واضح ومقنع لحالته.
وأضافت أن هذه التجربة دفعتها إلى التوسع في قراءة البحوث المتخصصة في علم النفس والاجتماع وصحة كبار السن، حتى تعمقت على مدى سنوات في هذه المجالات، وأصبحت قادرة على إعداد خطط للتعامل مع كبار السن وفقًا لاختلاف حالاتهم، مستندة إلى تجربتها الشخصية ودراستها الأكاديمية.
ولفتت إلى أن أفراد أسرتها اكتسبوا بدورهم خبرة في التعامل مع كبار السن من خلال التجربة العملية. فقد توفي والدها عن عمر ناهز السادسة والثمانين، فيما تبلغ والدتها، عائشة، الثمانين من عمرها، وتعاني من الخرف الوعائي، وهو اضطراب يؤثر في الذاكرة والقدرات الإدراكية. ومع ذلك، ترى المؤلفة أن حالة والدتها تظل استثنائية، لما تحتفظ به من قدرة على إدراك كثير مما يدور حولها، مقارنة بما قد يوحي به تشخيصها الطبي.
وأوضحت أن حالة والدتها دفعت الأسرة إلى مضاعفة الاهتمام بها، وابتكار أساليب جديدة للتعامل مع شخصيتها القوية والفريدة. ووصفت المؤلفة مشاعرها إزاء هذه التجربة بأنها مزيج مؤلم بين استحضار ماض لامرأة عُرفت بذكائها وفطرتها وقدرتها على مواجهة صعوبات الحياة، ومشاهدة ما طرأ على إدراكها من تغيرات.
واستعادت ملاوي سيرة والدتها، التي نشأت محاطة بالحب والرعاية، قبل أن تتحمل مسؤوليات كبيرة بعد زواجها من والدها. فقد تولت رعاية جدتها، والقيام بواجباتها تجاه أبنائها، إلى جانب مسؤولياتها الزوجية والأسرية، وإدارة شؤون المنزل الكبير بكفاءة، حتى أصبحت موضع ثقة أفراد العائلة ومستودع أسرارهم.
وقالت "إن والدتها عُرفت بقدرتها على احتواء الآخرين ومساندتهم نفسيًا واجتماعيًا، والوفاء بوعودها في أصعب الظروف، والتسامح مع من يسيء إليها. كما اعتادت استقبال الضيوف والزائرين وأصحاب الحاجات في منزلها، من دون أن تتخلى عن عطائها الذي عُرفت به طوال حياتها".
وأقرت ملاوي بأن تقبل مرض والدتها لم يكن سهلًا على الأسرة، إذ تطلب الأمر وقتًا وصبرًا وتسليمًا بقضاء الله وقدره، قبل أن يتمكن أفرادها من التعامل مع الحالة والحد من تداعياتها. وأضافت أنهم حرصوا على اصطحاب والدتهم إلى الأماكن التي اعتادت ارتيادها والبلدان التي كانت تسافر إليها، مع توضيح طبيعة حالتها للمحيطين بها، لضمان التعامل معها بمزيد من التفهم والحرص.
غير أن هذا التماسك تعرض لاختبار قاسٍ عندما أصيبت والدتها بجلطة دماغية بعد تناول وجبة الغداء، عقب انتهائها من الصلاة. وروت المؤلفة أنها لاحظت ثقلًا في نطق والدتها والتواءً في فمها، فأدركت أن الحالة الصحية التي لطالما قاومت التدهور قد دخلت مرحلة أكثر خطورة.
وأوضحت أن والدتها نُقلت إلى المستشفى، حيث تلقت علاجًا لإذابة الجلطة، قبل أن تتعرض لنزيف دماغي، أعقبته بؤرة صديدية في الركبة استدعت تدخلًا جراحيًا طارئًا. وأدى التخدير، بحسب روايتها، إلى إصابتها بجلطة في جذع المخ، ما زاد خطورة حالتها الصحية.
واستعادت ملاوي تلك المرحلة التي أمضت فيها الأسرة شهرًا وثلاثة أسابيع أمام باب العناية المركزة، متشبثة بالأمل والدعاء والرقية والصدقة، ومحاولة الحفاظ على تماسكها؛ خشية أن يؤدي انهيار أحد أفرادها إلى انهيار البقية.
ومع تحسن حالة الأم تدريجيًا، بدأت الأسرة تتناوب على رعايتها، وعادت الأحاديث الهادئة والسعيدة إلى أجوائها بعد فترة طويلة من الصمت والترقب. وترى المؤلفة أن هذه التجربة عززت مفهوم العائلة في نفوس أفرادها، ورسخت شعورهم بأن الأخ سند، والأخت عون، وأن تماسك الأسرة هو ما يمنح الأم فرصة لاستعادة شيء من الراحة والطمأنينة.
وأكدت أن التعامل مع هذه الحالة يتطلب، بعد التوكل على الله والدعاء، البدء من جديد مع الأم، ومساعدتها على استعادة ما يمكن استعادته من قدراتها، وفاءً لما قدمته لأبنائها في طفولتهم، حين رعتهم وبدأت معهم رحلة الحياة من الصفر.
وترى أن عدم الاستسلام للمرض يعني مواصلة المحاولة، وتعزيز فرص التعرف إلى أفراد الأسرة ومناداتهم بأسمائهم مجددًا، والسعي إلى تحسين جودة حياة الأم، بما ينعكس إيجابًا عليها وعلى أبنائها المتطلعين إلى استعادة جانب من حياتها السابقة.
وأكدت ملاوي أن تجربتها الشخصية كانت الدافع الرئيس وراء تأليف الجزء الأكبر من الكتاب والإشراف عليه، انطلاقًا من شعورها بمسؤولية نقل خبرتها إلى كل من يحرص على بر والديه ورعايتهما. كما تسعى إلى تقديم النصائح والتوجيهات التي تساعد كبار السن ومقدمي الرعاية على تجاوز التحديات المرتبطة بهذه المرحلة العمرية.
وخلصت المؤلفة إلى أن هذه التجربة دفعتها إلى إعداد برنامج متخصص في "الكوتشنج"، يندرج ضمن مفهوم "الكوتشنج المجتمعي" الذي تتناوله فصول الكتاب، ويراعي البيئة العربية وخصوصيتها الثقافية والاجتماعية. وأوضحت أن استفادتها من نماذج "الكوتشنج" المختلفة عززت قناعتها بضرورة تطوير مناهج أكثر ملاءمة لكبار السن في المجتمعات العربية، تأخذ في الحسبان شخصياتهم وطرق تفكيرهم وتعاملهم مع محيطهم، في ضوء الموروثات والمعتقدات السائدة.