عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Aug-2025

هل هنالك مسار آخر أفضل؟!*محمد أبو رمان

 الدستور

تشهد الأحزاب السياسية اليوم حراكاً داخلياً حقيقياً، يتجاوز الشكل إلى المضمون، ويتجسد في عملية إعادة ترتيب البيت الداخلي ومأسسة البنى الحزبية على نحو أكثر دقة ورسوخاً. الأهم أنّ جيل الشباب في هذه الأحزاب، الذي تعرّض لخيبة أمل في الانتخابات النيابية السابقة، عاد ونهض ليستأنف طموحه في رسم صورة جديدة للمشهد الحزبي.
في السياق بدأت العديد من الأحزاب السياسية، التي تمثل ألواناً مختلفة في المشهد العام، بمراجعة أنظمتها الأساسية وبرامجها، في محاولة لتطويرها بما يتسق مع معايير الحوكمة الرشيدة والديمقراطية الداخلية. تلك المراجعات تكشف عن إدراك متنامٍ لدى الأحزاب بأنّ العمل الحزبي لا يمكن أن يستمر بعقلية الارتجال والشخصنة، التي كانت سمة ملازمة لمرحلة سابقة. من الواضح أنّ الأحزاب الرئيسية – كالميثاق وإرادة والديمقراطي الاجتماعي ونماء والعمل، إضافة إلى الحزب الوطني الإسلامي – تبذل جهداً ملموساً في هذا المجال، حتى وإن كان الطريق لا يزال طويلاً. أما الأحزاب الأيديولوجية التقليدية، مثل جبهة العمل الإسلامي، وحشد، والوحدة الشعبية، والشيوعي، فقد قطعت مسافات مسبقة في بناء شبكاتها التنظيمية والجماهيرية، وإن كان بعضها يعاني في جوانب أخرى من مظاهر ضعف لا يمكن تجاهلها.
كلمة السرّ في نجاح هذه الأحزاب، التي توصف اليوم بـ»البرامجية» – على الرغم من النقاش المستمر حول دقة المصطلح – تتمثل في قدرتها على بناء صلة عضوية صلبة مع قاعدة اجتماعية واضحة. هذه الصلة لا تتأسس فقط على الخطاب السياسي أو الإعلامي الذكي، بل أيضاً على استقلالية الحزب ومصداقيته، وعلى هويته السياسية التي تمنحه موقعاً مميزاً في الخارطة الوطنية. ما ينقص أغلب الأحزاب الجديدة هو هذا البعد بالتحديد: القاعدة الاجتماعية. فالحزب الذي لا يمتلك شبكة اجتماعية متشابكة المصالح معه، يتحول إلى ما يشبه النادي أو «الدكانة السياسية»، وهو المرض الذي أصاب العديد من الأحزاب الأردنية في مراحل سابقة، بخاصة تلك التي وُصفت بـ»الوسطية». في معهد السياسة والمجتمع، سمّيناها بـ»ظاهرة الهرم المقلوب»، حيث تتكدس النخب في القمة بينما تغيب القاعدة الشعبية التي تشكل جوهر أي حزب سياسي حقيقي.
هنالك ما يسمى بـ»التعلّم عبر الممارسة»؛ فهذه الأحزاب بدأت تتعلم من التجربة، ومع مرور الوقت، يتزايد إدراكها لأهمية التوسع نحو القواعد الاجتماعية، وتطوير خطاب سياسي منسجم مع مصالحها وهمومها. وهذا يقود إلى بُعد آخر لا يقل أهمية: فروع الأحزاب في المحافظات. هنا تكمن فرصة كبرى لتجذير العمل الحزبي وربطه بالقضايا المحلية اليومية، إذ لا يمكن لحزب أن يدّعي تمثيل المجتمع وهو غائب عن ديناميكيات المحافظات وهمومها، ما يدفع بالأحزاب إلى محاولة التأثير على عملية صياغة قانون الإدارة المحلية الجديد، فقد يكون أكثر أهمية – على الأقل في المرحلة الانتقالية – من قانون الانتخاب نفسه، لأنّه يتيح للأحزاب تدريب كوادرها على الاشتباك مع القضايا المحلية، ويمنحها فرصة لتجاوز النخبوية وبناء حضور جماهيري حقيقي.
التحدي الآخر الذي يواجه الأحزاب يتمثل في الجامعات. لا يزال حضور الأحزاب فيها باهتاً وضعيفاً، على الرغم من أنّها البيئة الأهم للتفاعل مع جيل الشباب المتعلم والمثقف. هنا لا يكفي الخطاب العام ولا البيانات السياسية؛ بل المطلوب تصورات استراتيجية تعيد رسم العلاقة مع الكتل والتيارات الطلابية، بوصفها الجسر الحيوي بين الأحزاب والقاعدة الطلابية، على غرار ما فعلت الأحزاب الكبرى في أوروبا والعالم، حيث كانت الجامعات محضناً أساسياً للسياسة.
تمثل التجربة الحزبية الجديدة مساراً ضرورياً لتطوير العملية السياسية وتحديثها. فهي الكفيلة بإعادة تشكيل عمل الحكومات على أسس برامجية، وببناء قيادات شابة جديدة، وبإعادة تأطير النقاش العام في المجتمع على أسس سياسية متينة. لا توجد طريق أخرى غير ذلك؛ فالبديل هو البقاء في الحلقة المفرغة ذاتها: خطوة إلى الأمام وخطوات إلى الوراء. والأهم أنّ المطلوب ليس إطلاق النار على الأحزاب أو الحكم عليها بالفشل المبكر كما يفعل بعض «الحكماء»، بل ترشيد التجربة وتطويرها، لأنّها تمثل الطريق الوحيد السليم لمستقبل الحياة السياسية، وللقدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تطرق أبواب الدولة والمجتمع.