عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Mar-2026

الحرب على إيران.. وتبعات اليوم التالي*د. ابراهيم بدران

 الغد

مضى شهر على الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، والعدوان الإيراني المرافق على سبع دول عربية ونحن منها، دون أن يتضح حتى اليوم متى تضع الحرب أوزارها وتخرج المنطقة من الأزمة المزمنة التي  فرضها الثنائي نتنياهو وترامب. ولم يعد بالإمكان الاعتماد على تصريحات الرئيس ترامب الذي وصف حلفاءه في أوروبا بالجبن وحلف الناتو بأنه نمر من ورق، ولا الاعتماد على التصريحات التي تتراوح ساعة بين التفاخر بأنه قتل قادة إيران ودمر قواتهم الجوية والبحرية وليس لهم دفاعات، وساعة القضاء على جميع الأهداف في إيران، وساعة ثالثة باستمرار الحرب لعدة أسابيع رغم ما تحمله الحرب من تدمير وضحايا في إيران بالدرجة الأولى ثم في عدد من الأقطار العربية الشقيقة دون أن نكون نحن في منأى عن قذائف المسيرات والصواريخ. هذا على الرغم من أن المنهج السياسي والعملي للأردن كان دائماً غاية في الاتزان والعقلانية والالتزام بالقوانين الدولية والإنسانية والعمل الدؤوب على تخفيض التصعيد والاحتكام الى الدبلوماسية والحوار لفض النزاعات عموماً ومنها النزاع بين أميركا وإيران.
 
 
ومع هذا، انطلقت الحرب واستمرت ولا تزال، وربما تطول بدفع وتحريض وتضليل من نتنياهو باعتبار الحرب ستاراً سميكاً يغطي جرائم الاحتلال المستمرة في الضفة الغربية وغزة التي يتفاخر بتدميرها، وعدوانه الاستعماري الممتد على لبنان وأطراف سورية والذي أدى إلى نزوح 800 ألف لبناني حتى اليوم.
ومع أن إيران وضعت شروطاً لوقف الحرب مقابل الشروط القاسية التي أعلنها ترامب في الخمسة عشر بنداً ومنها السيطرة على نفط إيران، ومع أن جهود الوسطاء مصر وباكستان وتركيا لا زالت مستمرة، إلا أن عدم الثقة المتبادل بين الأطراف المتحاربة والضغوط الصهيونية تجعل المسألة غاية في التعقيد.
ورغم كل هذا سواء توقفت الحرب اليوم أو بعد أسبوع أو أسابيع عديدة، فإنه من المهم التفكير والاستعداد لمواجهة التبعات والنتائج التي تمخضت عنها هذه الحرب السيئة التي ألحقت في المنطقة أضراراً كبيرةً امتدت آثارها لتضرب العديد من القضايا العربية والدولية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى عدد من النقاط على النحو التالي:
أولاً: إن الأضرار التي خلفها العدوان الإيراني على عدد من المرافق النفطية في دول الخليج العربي، وتعثر المرور في مضيق هرمز أحدثت خللاً في منظومة الطاقة على المستوى الإقليمي والعالمي تتطلب أشهراً عديدة لإصلاحها حسب تصريح مدير وكالة الطاقة الدولية.
ثانياً: ان الحرب أدت إلى توقف السياحة وارتفاع أسعار النفط والغاز بما يزيد على  30 %. وسيستمر هذا الارتفاع لفترة ليست قصيرة، حتى لو توقفت الحرب غداً، بكل ما يعني ذلك من أعباء على قطاع الطاقة في بلدنا العزيز وبالتالي أعباء على الخزينة والمواطن، حتى لو كانت مؤجلة.
ثالثاً: أن الحرب تتطلب منا إعادة النظر بعمق ونظرة مستقبلية في مصادر الطاقة والمياه والنقل حتى تستمر القطاعات الاقتصادية في نشاطاتها دون نكسة بسبب تقطع سلاسل التوريد وبسبب ارتفاع كلفة الطاقة والنقل والتأمين.
 رابعاً: ان الاردن بحاجة لأن يتوسع في استثمار الصخر الزيتي ويتوسع في توليد الكهرباء من محطات وقودها الصخر الزيتي، والتوسع في التنقيب عن الغاز، إضافة إلى تسهيل تركيب أنظمة الطاقة الشمسية والرياح. وأن يعتبر ذلك استثماراً طويل المدى وليس مؤقتاً ومرتبطاً بالحرب.
خامساً: إعادة النظر في وسائط نقل النفط الخام والانتقال من  نقل الصهاريج إلى خطوط الأنابيب، وبالتالي تشغيل أنابيب نقل النفط الخام من السعودية كما كانت في التسعينيات وما قبلها، وإنشاء خطوط جديدة مع العراق. ومهما تبدو المشاريع كبيرة فإنها مسألة لا يحسن التغاضي عنها. ونحن نرى أن الأحداث في الخليج العربي ما كان لها أن تؤثر بهذا الشكل لو أن خطوط نقل النفط وخطوط السكة الحديد قد تم إنشاؤها هناك لتتجاوز مضيق هرمز. فهي اليوم لم تؤثر على السعودية بشكل كبير بسبب نقل النفط عبر «خط أنابيب شرق غرب» الذي يصل إلى البحر الأحمر. كما أن العراق راح يصدر النفط عن طريق خط الأنابيب عبر تركيا. ونؤكد هنا «أن فترة السلام هي الفترة الصحيحة للاستعداد لطوارئ الحروب والنزاعات».
سادساً: إن توجه الحكومة للإفادة من ميناء اللاذقية إذا ما تعرضت الملاحة في البحر الأحمر إلى اضطراب بسبب الأحداث الجارية، يجعل من الضروري اعادة النظر في موضوع النقل لدينا والتركيز على تشغيل خطوط سكة حديد تربط العقبة بعمان بسورية حتى يستقر قطاع النقل بعيداً عن المحاولات الأميركية الإسرائيلية لجعل حيفا هي ميناء الشرق العربي بعد أن تمت المؤامرة على ميناء بيروت بتدميره في ظروف غامضة.
 سابعاً: إن الحرب رفعت ثمن الأسمدة والألمنيوم بنسبة تجاوزت
40 % مما سيرفع كلفة الإنتاج الزراعي حسب التقديرات الدولية بنسبة
20 % على الأقل، اضافة الى ارتفاع كلفة الطاقة، الأمر الذي سيؤثر بشكل كبير على أسعار الأغذية على مستوى المنطقة بل والعالم. وهذا يتطلب منا برنامجاً وطنياً لدعم الزراعة وتنشيط الصناعات الزراعية والاهتمام التشاركي بالصناعات الكيماوية، بما في ذلك تنويع صناعة الأسمدة، حتى يحقق الأردن مستوى متقدماً من الاعتماد الذاتي، خاصة وأن آثار الحرب الاقتصادية سوف تستمر لفترة طويلة.
 ثامناً: تبقى مسألة المياه ومشروع الناقل الوطني وضرورة النظر في إمكانية تقسيم المشروع إلى 3 مشاريع منفصلة أحدها التحلية وثانيها الطاقة وثالثها خط الأنابيب، وإدخال شركات المقاولات الوطنية في هذه المشاريع حيثما أمكن. وكذلك ضرورة الإفادة من التمويل الوطني لمنع تعثر المشروع. فالحرب إذا طالت وتوابعها ستصبح قوة قاهرة تعفي المقاول الأجنبي والبنوك من الالتزامات التعاقدية.
تاسعاً: أثبتت الحرب أن أمن المنطقة هو دائما في خطر مهما كانت التحالفات مع الدول الأجنبية، لأن «المنطقة لا تتمتع بقوة ذاتية جماعية كافية»، وأن دول المنطقة العربية تتأثر مباشرة بالتدخلات الخارجية في السلم أو الحرب. وهذا يستدعي ليس فقط الجهود الدبلوماسية للتنسيق المشترك، على أهميتها، وإنما يتطلب إنشاء منظومة دفاع عربي مشترك لتكون هناك قوة عربية مشتركة فاعلة ورادعة.
وأخيراً فإن المنطقة في خطر متواصل طالما بقيت إسرائيل في عقلية الاستعمار وبرامج التوسع في كل اتجاه وبأي ثمن، وطالما استمرت أوروبا مترددة في أي موقف حاسم ينسجم مع القانون الدولي، وطالما بقيت أميركا تنقاد للسياسات الصهيونية العنصرية الاحتلالية وتعطي إسرائيل الغطاء المالي والعسكري والتكنولوجي والمعلوماتي والدبلوماسي والدولي. الأمر الذي يتطلب منا العمل الوطني الرصين لدعم قيادتنا ومؤسساتنا للمحافظة على جاهزية وقوة الدولة الأردنية واستمرارية برامج التنمية، ومساعدة الأشقاء في فلسطين حتى ينالوا استقلالهم، وتعزيز العمل العربي المشترك.