عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Sep-2026

دون كورليوني ترامب

 الغد

 
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
كريس هيدجز* – (تقرير كريس هيدجز) 24/9/2026
 
يدير البيت الأبيض في عهد ترامب شبكة ابتزاز على طريقة العصابات، والتي ستقود البلاد إلى الإفلاس بالطريقة نفسها التي تسبب بها ترامب بإفلاس كازينوهاته.
 
 
كنتُ قد زرت كازينو "تاج محل" الذي يمتلكه دونالد ترامب في أتلانتيك سيتي في اليوم الذي سبق إغلاقه، في تشرين الأول (أكتوبر) 2016. وكانت للكازينو بوابتان ضخمتان بيضاوان، يحيط بهما تمثالان لفيلَين أبيضين من الحجر المصبوب، يزن كل واحد منهما طنين. وفوق مدخله امتدت سلسلة من 70 منارة مصنوعة من الألياف الزجاجية باللونين الفيروزي والأزرق المخضَرّ، تعلوها عشرات القباب ذات الأطراف والتيجان الذهبية. وتعلّقت لافتة نيون بحروف حمراء وذهبية تشكل عبارة: "كازينو ومنتجع ترامب تاج محل". وأمام الأبواب الزجاجية للكازينو، زُيّنت نافورة مضاءة بصفين من ست جرار بيضاء وذهبية في كل صف.
بلغت كلفة بناء "ترامب تاج محل" -أطول مبنى في ولاية نيوجيرسي وأكبر كازينو في العالم- 1.2 مليار دولار. وعندما افتُتحت أجنحته الفاخرة، حملت أسماء شخصيات تاريخية، مثل الإسكندر الأكبر ومايكيل أنجيلو ونابليون وكليوباترا. وكانت تكلفة الإقامة فيها نحو 10 آلاف دولار في اليوم. وكان اسم ترامب وصورته منتشرَين في أرجاء الكازينو الذي استخدم ترامب مبالغته المعهودة ليصفه بأنه "عجيبة الدنيا الثامنة". وكانت تعليمات مُشغلي الكازينو تقضي بأن يُجاب على الاتصالات الواردة بعبارة: "شكرًا لاتصالكم بتاج محل ترامب، حيث العجائب لا تنتهي". وكانت النادلات يرتدين أزياء على هيئة "فتيات الحريم". ودخل الكازينو إجراءات الإفلاس خمس مرات.
الآن، يفعل ترامب بأميركا ما فعله بـ"تاج محل". وتنفق إدارته بما يتجاوز إمكاناتها بكثير، بميزانية قدرها 7.4 تريليون دولار للسنة المالية 2026، في مقابل إيرادات متوقعة لا تتجاوز 5.6 تريليون دولار. وقد ورّط ترامب، بحماقته، الولايات المتحدة في حرب لا نهاية لها ولا سبيل إلى الانتصار فيها مع إيران، والتي قد تطيح بالاقتصاد العالمي كله. وهو ماضٍ في حجب التغطية الصحية عن 15 مليون إنسان -إلى جانب المساعدات الغذائية وبرامج تلبية الاحتياجات الأساسية الأخرى. وقد أنهى وظائف آلاف الموظفين الحكوميين. وأغلق "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية"، و"معهد السلام الأميركي"، و"مركز كينيدي". كما أفرغ "صوت أميركا" من مضمونه، وتعهد بإغلاق وزارة التعليم. وانسحب من "منظمة الصحة العالمية" و"اتفاق باريس للمناخ" (للمرة الثانية). وواصل تعليق تمويل "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأونروا)، الذي بدأ في عهد إدارة بايدن. وألغى آلاف مشاريع التنمية الدولية التي تمولها الولايات المتحدة. ومَحا قواعد بيانات حكومية وصفحات إلكترونية تتعلق بالمناخ. وخفّض ميزانيات مبادرات الطاقة المتجددة بينما قام بإلغاء اللوائح الفدرالية المتعلقة بالكربون والتلوث. وترافق سياسات الأرض المحروقة التي تنسف أسس الجمهورية ثقافة من الفساد والخداع لا نظير لها في التاريخ الأميركي.
ويستفيد ترامب -الذي يواجه مسؤولون في إدارته اتهامات بالتداول من داخل الحكومة، بينما حققت عائلته أكثر من 1.4 مليار دولار من مشاريع مرتبطة بالعملات المشفرة منذ توليه المنصب- بلا خجل من الجمع بين أسواق التنبؤ القائمة على العملات المشفرة وغير الخاضعة للتنظيم وبين السياسة -في نموذج ابتكرته تطبيقات المقامرة مثل "بوليماركت".
وتشكل شركة رأس المال المغامر "1789 كابيتال"، المملوكة لدونالد ترامب الابن، مُستثمرًا رئيسيًا في "بوليماركت"، حيث يشغل ترامب الابن عضوية مجلسها الاستشاري. وتُقدَّر ثروته الصافية بنحو 400 مليون دولار. كما يعمل مستشارًا إستراتيجيًا لدى "كالشي" التي منحته حصة في الشركة تبلغ قيمتها نحو 300 ألف دولار، وتُقدَّر قيمتها الآن بالملايين. وقد أعلنت "كالشي" مؤخرًا أنها ستتيح للمستخدمين المراهنة على ما إذا كانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية ستوافق على أدوية بعينها باعتبارها "آمنة وفعالة".
وتعمل "تروث سوشال" التابعة لترامب على تطوير سوق للتنبؤات يُسمى "تروث بريديكت". وقد رفعت إدارته دعاوى قضائية ضد ولايات كونيتيكت وأريزونا وإلينوي، في محاولة لمنع هذه الولايات من تنظيم أسواق التنبؤ. كما أطلقت "تروث سوشال" خدمة بقيمة 100 ألف دولار شهريًا تتيح وصولًا أسرع إلى منشورات ترامب المؤثرة في الأسواق، في نسخة مقنّعة بالكاد من التداول بناءً على معلومات داخلية.
ويكرر البيت الأبيض، على طريقة عمليات الابتزاز التي اشتهرت بها ثقافة عصابات الكازينوهات في أتلانتيك سيتي، مطالبته الشركات والمليارديرات بدفعات مالية ضخمة مقابل امتيازات سياسية وإلغاء القيود التنظيمية. وكتبت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب جمع صندوقًا سريًا بقيمة 800 مليون دولار لمشروعاته المفضلة -بما في ذلك قاعة الاحتفالات التابعة له، ومكتبته الرئاسية، ولجان العمل السياسي الكبرى، ولجان القضايا السياسية.
وتتولى كبيرة جامعي التبرعات لترامب، ميريديث أورورك، التي تلقب بـ"أميرة الظلام"، تحصيل هذه المدفوعات، مستخدمة عرضًا مباشرًا لا مواربة فيه: "الزعيم يريد هذا المال".
وهذا الطلب غير القابل للتفاوض، مأخوذ من دليل عمل نيكوديمو "ليتل نيكي" سكارفو، زعيم عائلة برونو-سكارفو الإجرامية التي كانت شبكة ابتزازها تجمع ملايين الدولارات من شركات البناء وأصحاب الأعمال والحانات والمطاعم والنقابات في أتلانتيك سيتي -حيث تعرضت صناديق الرعاية الصحية والمزايا الاجتماعية للنهب- ومن الكازينوهات. وكما كان الحال مع العصابات، لا تكفي دفعة واحدة أبدًا لنقابة الجريمة التي يديرها ترامب. وهي تعود دائمًا للمطالبة بالمزيد.
ولترامب -الذي ترافقه مثل معظم رجال العصابات عشيقات أصغر منه عمرًا بكثير، آخرهن مساعدته التنفيذية ناتالي هارب- تاريخ طويل من الانتقام على طريقة العصابات. فقد أصدر أوامر تنفيذية استهدفت شركات محاماة سبق أن عمل فيها محامون تولوا التحقيق معه. وفقدت تلك الشركات تصاريحها الأمنية وإمكانية الوصول إلى المحاكم الفيدرالية. وفي مسعى محموم لاسترضاء ترامب، رضخت هذه الشركات لمطالبه بخضوع واضح.
عندما وصلت إلى كازينو ترامب، كانت محطة الحافلات السياحية ذات الاثنين والعشرين موقفًا خالية. وكانت معظم المطاعم الاثني عشر في الكازينو مغلقة. وكانت ساحة الكازينو، التي تتسع لـ5.500 شخص، قد أغلقت أبوابها.
كان "ترامب تاج محل" -شأنه شأن جمهوريتنا- على وشك أن يموت. وكتبتُ في كتابي "أميركا: جولة الوداع" America: The Farewell Tour:
"عندما دخلت إلى ’تاج محل‘، كانت ثريات من الكريستال النمساوي المتلألئ، بلغت كلفة الواحدة منها 14 مليون دولار، تتدلى فوق الداخل ذي الإضاءة الخافتة. وكانت خيوط من حبات الكريستال قد فقدت الكثير منها. وكانت الجدران مغطاة بالمرايا. ونظرتُ إلى صفوف من طاولات القمار، وطاولات البلاك جاك، وعجلات الروليت، وثلاثة آلاف آلة قمار تتلألأ أضواؤها الملونة. وكانت آلات القمار تصدر صفيرًا وأزيزًا ورنينًا بدرجات صوتية مختلفة، وقد امتدت على مساحة تعادل مساحة ثلاثة ملاعب لكرة القدم. 
"كانت صالات القمار شبه خالية. وقد وقف موزعو أوراق اللعب (الديلرات) أمام طاولات فارغة مغطاة بلباد أخضر. وكان معظم المقامرين المترهلين في المقاعد المبطنة أمام آلات القمار من المسنين، وقد بدا عليهم الإرهاق والهزال. كانوا يسحبون العتلات أو يضغطون الأزرار المربعة بحركات آلية، ويحدقون بلا تعبير في الشاشات الدوارة أمامهم. وتدرّ آلة القمار الواحدة للكازينو ما بين 200 و300 دولار يوميًا. وكان المقامرون المواظبون يُمنحون مشروبات مجانية. وكان عمال النظافة يدخلون الغرف أحيانًا ليكتشفوا جثث رجال أو نساء مسنين أمضوا ساعات في شرب كميات من الكحول تفوق قدرة أجسادهم على تحمّلها. ولم يكن من غير المألوف أن يتبول لاعبو آلات القمار ويتغوطوا على أنفسهم".
وتابعتُ: "كانت مكاتب تسجيل الوصول السبعة عشر المحوسبة قرب المدخل خالية. وكان موظف وحيد يقف خلف المنضدة الطويلة قبالة صفوف حبال تنظيم الدخول الخالية. وكانت قواعد المراحيض في الحمامات، المزينة برخام كارارا، مغطاة بأكياس بلاستيكية، وعليها لافتات تقول: ’خارج الخدمة‘. مشيت على السجاد المتسخ المهترئ عبر ممرات طويلة مهجورة وسيئة الإضاءة في الطوابق العليا. وكانت مصابيح جدارية نصف دائرية بلون أصفر صحراوي، تحوي بعضها مصابيح محترقة، موزعة كل بضعة أقدام على جانبي الممر. وكانت المصابيح الجدارية متسخة ومتشققة. وكانت بقع مياه بنية تغطي السقف. وكانت رائحة العفن تفوح في الهواء. وقد أُخرج ثلاثة أرباع الغرف البالغ عددها 1.250 غرفة من الخدمة. كان الكازينو يبدو كسفينة أشباح".
تقوم صنعة القمار، شأنها شأن جامعة ترامب الوهمية وعملته الرقمية الميمية ‎$TRUMP، على بيع أوهام الهروب من الواقع، وعلى استغلال يأس الناس. ليست البكرات الدوارة في آلات القمار، على سبيل المثال، سوى وهم. وهي لا تفقد زخمها تدريجيًا وإنما بُرمجت بحيث تبدو كذلك. وتحدد الشرائح الإلكترونية النتيجة في اللحظة التي يُضغط فيها الزر أو تُسحب فيها العتلة. ويضمن نظام المحاكاة الافتراضية للبكرات ظهور رمز الجائزة الكبرى فوق خط الدفع أو تحته، فينشأ لدى اللاعب انطباع بأنه كاد يفوز، ما يدفع المقامر إلى إنفاق مزيد من المال.
كان ترامب، منذ أيامه الأولى مطورًا عقاريًا متشابكًا مع عالم العصابات -ومن بينهم محاميه القاسي روي كوهن. وقد مثّل كوهن أنتوني "فات توني" ساليرنو، زعيم عائلة جينوفيزي الإجرامية، وكارمين غالانتي من عائلة بونانو الإجرامية. وتلقى ترامب على يد كوهن وآخرين دروسًا في فن الابتزاز وانتزاع المال بالتهديد والرشوة. وظل طوال مسيرته يحيط نفسه برجال العصابات والمحتالين والمتملقين.
كان جوزيف فايشلـباوم -وهو مجرم مدان ثلاث مرات انتهى به الأمر إلى السجن بتهمة الاتجار بالماريوانا والكوكايين- يدير أسطول مروحيات ترامب. وكانت المروحيات تنقل كبار المقامرين من وإلى كازينوهات ترامب. وكان هؤلاء المقامرون ذوو الإنفاق المرتفع يستطيعون الحصول على كل ما يرغبون فيه -من ممارسة الجنس مع مرافقات إلى الكوكايين. وربما كان وصول فايشلـباوم السهل إلى المخدرات ميزة مهمة. وعندما كان فايشلـباوم ينتظر صدور الحكم عليه، كتب ترامب إلى القاضي قائلًا عنه إنه "ذخر للمجتمع". وحُكم على تاجر المخدرات بالسجن ثلاث سنوات، لكنه لم يقضِ سوى 18 شهرًا. أما الأشخاص الذين كانوا ينقلون المخدرات فعليًا لحساب فايشلـباوم، فقد صدرت بحقهم أحكام وصلت إلى 20 عامًا. وعندما أُفرج عنه من السجن، انتقل فايشلـباوم إلى "برج ترامب" مع صديقته.
افتُتح كازينو ترامب في العام 1990 بحفل موسيقي أحياه مايكل جاكسون. وكان ذلك استعراضًا فخمًا شُيّد بديون غير قابلة للاستمرار بلغت 820 مليون دولار، وشملت إصدار سندات عالية المخاطر بقيمة 675 مليون دولار، وبفائدة قدرها 14 في المائة.
وبحسب مارفن ب. روفمان، محلل الكازينوهات في شركة الاستثمار "جاني مونتغومري سكوت" في فيلادلفيا، في حديث إلى صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن "تاج محل" سيحتاج إلى تحقيق إيرادات قدرها 1.3 مليون دولار يوميًا حتى يتمكن من سداد مدفوعات الفائدة. ولم يسبق لأي كازينو أن حقق مثل هذا المبلغ.
وكتبتُ: "كان مصير ’تاج‘ محتومًا منذ البداية. فسرعان ما أصبح ترامب مضطرًا إلى دفع فوائد قدرها 95 مليون دولار سنويًا. وتمكن لفترة من الحصول على قروض جديدة، ثم أفلس. كانت تلك لحظة قصيرة ومبهجة من الإفراط الجنوني. لكنها كانت مفيدة لعلامته التجارية المتضخمة -حتى مع أنها كشفت عن افتقار فادح إلى الحس التجاري. فقد اقترض ترامب أموالًا بفوائد مرتفعة وكذَب بشأن معدلات الفائدة أمام الجهات التنظيمية. وألقى ترامب الخسائر على حملة الأسهم والسندات الذين نُهب منهم أكثر من 1.5 مليار دولار. وأفلس العديد من المقاولين والموردين المحليين الذين لم يدفع لهم ترامب مستحقاتهم".
خرج ترامب من الصفقة مثل لص ظفر بغنيمة. فهو لم يضع إلا قدرًا ضئيلًا من ماله الخاص. وقد نقل ديونه الشخصية إلى الكازينو، وحصل على ملايين الدولارات في صورة رواتب ومكافآت ومدفوعات أخرى. وخسر موظفو كازينوهاته، مجتمعين، ملايين الدولارات من مدخرات تقاعدهم، إلى جانب وظائفهم. وحُمّلت ديون أعماله للمستثمرين.
كان ترامب يمتلك ثلاثة كازينوهات في أتلانتيك سيتي وكازينو رابعًا في غاري بولاية إنديانا. وتم إغلاق اثنين من كازينوهاته: "ترامب بلازا" و"ترامب تاج محل". وبيع كازينو ترامب الثالث، "ترامب مارينا"، للملياردير تيلمان فيرتيتا من تكساس. وقد أعاد فيرتيتا -الذي يشغل حاليًا منصب سفير ترامب لدى إيطاليا- تسمية الكازينو ليصبح "ذا غولدن ناغيت". أما كازينو ترامب في إنديانا -وهو سفينة يبلغ طولها 340 قدمًا وتحمل اسم "ترامب برنسِس"- فقد أعلن إفلاسه في العام 2004.
وقد فشلت هذه الكازينوهات جميعها بسبب جشع ترامب الذي لا يشبع وسوء إدارته.
والآن، يفعل ترامب بالبلاد ما فعله بـ"تاج محل". وهو يعكف على استنزاف المؤسسات التي يشرف عليها ويبتزها لتحقيق مكاسب شخصية، بينما نُترك نحن جميعًا بلا شيء وسط الأنقاض.
 
*كريس هيدجز‏‏ Chris Hedges: صحفي أميركي حائز على جائزة بوليتزر وكاتب ومراسل حربي سابق. عمل مراسلًا أجنبيًا لنحو عقدين في أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط والبلقان، وكان رئيس مكتب الشرق الأوسط لصحيفة "نيويورك تايمز"، ثم غطى تنظيم القاعدة في أوروبا والشرق الأوسط من باريس بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر). وهو مؤلف لعدد من الكتب ويُعرف بكتاباته النقدية للحروب والسياسة الأميركية والرأسمالية والسلطة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Don Corleone Trump