الغد
ترجمة: علاء الدين أبوزينة
افتتاحية - (الغارديان) 8/9/2026
وجّه إد ميليباند أشد إدانة بريطانية لسلوك إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وتعهد بإقامة "نظام عقوبات" يتضمن اتخاذ إجراءات ضد "الشركات والأفراد" الذين يساعدون المستوطنات. ويبقى الاختبار في ما إذا كان ميليباند قادراً على تحويل ذلك إلى حظر شامل بدلاً من الاكتفاء بقائمة سوداء رمزية.
نادراً ما شعر مجلس العموم في السنوات الأخيرة بأنه يقف في قمرة قيادة التاريخ. لكنه فعل أخيراً يوم الثلاثاء -الثامن من أيلول (سبتمبر) الحالي- حين وضع وزير الخارجية، إد ميليباند، بريطانيا على رأس ائتلاف يضم 12 دولة، يبحث فرض قيود اقتصادية على إسرائيل بسبب مستوطناتها غير القانونية. وهي خطوة التزمت بموجبها المملكة المتحدة وفرنسا وكندا بفرض حظر تجاري على المستوى الوطني.
تأتي هذه الخطوة البريطانية بعد تصاعد أعداد الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية. ويبدو أن الرأي العام الدولي شهد تحولاً حاسماً بعد أن أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لبناء 1.200 وحدة سكنية في مستوطنة (إي-1)، بما يؤدي إلى شطر الضفة الغربية إلى قسمين، واستخدام المستوطنات غير القانونية لدفن أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية إلى الأبد. وأوضح ميليباند أن الأدلة على ارتكاب جرائم حرب في غزة آخذة في التزايد، في ما يجعل القضية المتأخرة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية والعسكرية بين بريطانيا وإسرائيل قضيةً ملحّة.
أعلن ميليباند -وهو يهودي فقد أكثر من 60 من أقاربه على أيدي النازيين- أنه صديق لإسرائيل. لكنه يرى بوضوح أن الأصدقاء ينبغي أن يتحدث بعضهم إلى بعض بصراحة. وربما يكون ميليباند قد وجّه أشد إدانة رسمية بريطانية لسلوك إسرائيل في التاريخ الحديث، معلناً أن ثمة "تطهيراً عرقياً" يجري في الضفة الغربية، ومتهماً أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بدعم التهجير القسري للفلسطينيين.
لعل أكثر خطوات ميليباند تأثيراً في هذا التحرك الأخير هي إعلانه رسمياً أن احتلال الأراضي الفلسطينية غير قانوني، في انسجام مع الرأي الاستشاري الذي أصدرته "محكمة العدل الدولية" في العام 2024. ويأتي حظر استيراد المنتجات نتيجة منطقية لذلك. لكن الأفعال الخاصة لا بد أن تتغير أيضاً. وقد تجد الشركات البريطانية نفسها قريباً مضطرة إلى أن تسأل نفسها عما إذا كانت تحقق أرباحاً من احتلال غير قانوني، أو تساعد في استدامته.
لتأكيد هذه النقطة، تعهّد وزير الخارجية أيضاً باتخاذ إجراءات ضد الجهات التي تقدم خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل، لأن حظر السلع وحدها سيترك النشاط التجاري الذي يُبقي المستوطنات غير القانونية قائمةً مستمراً بلا مساس. كما تعهد باستهداف المستوطنين المتطرفين، ورفض منح تراخيص لمبيعات الأسلحة التي "تسهم في إدامة وترسيخ الاحتلال". وفي الوقت نفسه توجه بريطانيا -من خلال فرض عقوبات على إيران و"حزب الله" اللبناني، رسالة تفيد بأنها تدرك التهديدات التي تواجهها إسرائيل مع معارضة لندن لأفعالها غير القانونية.
لا يستطيع أحد أن يتهم ميليباند بالتهرب من مواجهة واجبة. وسوف يخضع بيانه لتدقيق مفصل من إدارة ترامب التي تدعم بقوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ومن شأن كون بريطانيا جزءاً من ائتلاف دولي أن يساعد في حمايتها من غضب الولايات المتحدة. لكن مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، حذّر من أن بعض الولايات الأميركية، مثل فلوريدا، قد تفرض عقوبات على حكومات أجنبية يُنظر إليها على أنها تقاطع إسرائيل.
يأتي التدخل البريطاني في خضم حملة انتخابية إسرائيلية. ولا تمنح استطلاعات الرأي ائتلاف السيد نتنياهو اليميني المتطرف ولا المعارضة الإسرائيلية تقدماً ثابتاً. وفي موقف عبثي، زعم الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ -وهو شخصية يُتوقع منها أن تكون فوق التجاذبات السياسية- أن ميليباند يتدخل في الانتخابات، كما لو أن الحملة الانتخابية نفسها يمكن أن تكون ذريعة للتغاضي عن التطهير العرقي. كما أغلقت إسرائيل القنصلية البريطانية في القدس كردّ أوّلي على الخطوة.
يستحق إعلان الثلاثاء أن يُقابل بالترحيب. وقد أظهر فيه ميليباند، كعادته، شجاعة واضحة. لكنّ الاختبار لا يكمن في ما قاله، وإنما في ما سيفرضه ويطبّقه على أرض الواقع خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. وهو يتعهد بإقامة "نظام عقوبات" يتضمن اتخاذ إجراءات ضد "الشركات والأفراد" الذين يساعدون المستوطنات. وقد قبلت بريطانيا المبدأ القائل بأن عليها قطع الروابط التجارية التي تُسند احتلالاً غير قانوني. ويبقى الاختبار في ما إذا كان ميليباند قادراً على تحويل ذلك إلى حظر شامل بدلاً من مجرد الاكتفاء بقائمة سوداء رمزية.
*نشر هذا المقال الافتتاحي تحت عنوان: Britain’s new Middle East policy: an unlawful occupation must carry a price