الغد-عزيزة علي
صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت كتاب جديد للدكتور أيوب عيسى أبو دية بعنوان "كيف نتجاوز الخوف من الموت؟ مستوحى من شجرة أبسالا"، يتناول فيه الموت بوصفه سؤالاً فلسفياً وإنسانياً يتجاوز كونه نهاية بيولوجية، ليصبح مدخلاً لفهم الحياة ومعناها والخيارات التي يصنعها الإنسان في ظل إدراكه لحتميّة الفناء.
ويأخذ الكتاب القارئ في رحلة فكرية عبر تاريخ التأمل في الموت، تبدأ من الأساطير والأديان والحكمة الشرقية، وتمتد إلى الفلسفة القديمة والحديثة والفكر الوجودي، وصولاً إلى مقاربات معاصرة تتناول الموت من زوايا فلسفية ونفسية وعلمية. ويتوقف المؤلف عند رؤى عدد من كبار الفلاسفة، من سقراط وأفلاطون وأبيقور والرواقيين، إلى شوبنهاور وهايدغر وسارتر وكامو، ثم إيرفين يالوم، مستعرضاً اختلاف تصوراتهم للموت ودلالاته في حياة الإنسان.
ولا يقدم أبو دية إجابة واحدة عن سؤال الخوف من الموت، بل يضع أمام القارئ مجموعة من الأسئلة حول معنى الوجود والحرية والمسؤولية والأثر الذي يتركه الإنسان بعد رحيله. فالموت، وفق هذا التصور، ليس نقيضاً للحياة، وإنما جزء منها ومحفز على مساءلتها، وعلى التفكير فيما يجعلها جديرة بأن تُعاش.
ويناقش الكتاب كذلك التحولات التي طرأت على مفهوم الموت، من اعتباره في الفكر القديم جزءا من نظام كوني أو قدراً إلهياً، إلى تحوله في الفلسفة الحديثة إلى قضية مرتبطة بالوعي والأصالة والاختيار. كما يتناول محاولات الإنسان المعاصر لمواجهة الموت عبر التكنولوجيا وفكرة الخلود، مقابل الدعوة إلى تقبل محدودية الوجود بوصفها حقيقة يمكن أن تمنح الحياة مزيداً من المعنى.
ويستعرض أبو دية في مقدمة الكتاب كيفية مواجهة الفلاسفة لسؤال الموت، ليس بالهروب منه، بل بمواجهته والتأمل في معناه. فالموت، بالنسبة إليهم، لم يكن مجرد نهاية بيولوجية، وإنما تجربة وجودية وحداً أخلاقياً ومفتاحاً لفهم الحياة.
ويرى المؤلف أن الموت يكشف الزيف ويبدد الأوهام ويضع الإنسان أمام حقيقة وجوده. وكما قال هايدغر، فإن الموت يجعلنا أكثر وعياً بوجودنا. أما سقراط، الذي يعد من أبرز شهداء الفلسفة، فلم يهرب من الموت لأنه لم يره شراً، بل اعتبره امتحاناً نهائياً للفضيلة. فيما طمأن أبيقور إلى أن الموت لا يستحق الخوف، لأننا لا نختبره حين يحضر؛ ودعا الرواقيون إلى تقبله بوصفه جزءاً طبيعياً من دورة الحياة.
وينتقل الكتاب من أفلاطون، الذي رفع النفس إلى عالم المثل، إلى شوبنهاور، الذي رأى في الموت خلاصا من الإرادة والمعاناة، ثم إلى الفلاسفة الوجوديين، هايدغر وسارتر وكامو، الذين وضعوا الموت في قلب السؤال عن معنى الوجود الإنساني في عالم زائل.
وفي ختام رحلته، يتوقف الكتاب عند أصوات فلسفية ونفسية معاصرة، من بينها إيرفين يالوم، الذي أعاد طرح سؤال الموت داخل غرفة العلاج، لا باعتباره نهاية فحسب، بل قوة دافعة نحو حياة أكثر صدقاً وأصالة وعمقاً.
الكتاب يطرح أسئلة جوهرية حول الموت: هل هو نهاية أم بداية؟ فناء للجسد أم عبور للروح؟ لحظة اكتمال أم انهيار للمعنى ودليل على العبثية؟ وهل نسعى إلى تجنبه كي نعيش أطول، أم نتأمله بوصفه مدخلاً إلى حياة أكثر عمقاً؟ ولا يقدم الكتاب إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، بل يشكل ما يشبه "مرآة فلسفية"، يرى فيها القارئ تنوع رؤى البشر إلى الموت عبر العصور والثقافات، وكيف تحول التأمل فيه إلى وسيلة لفهم الحياة والحرية والمسؤولية والعلاقة بالآخر، والعيش بثراء وعمق أكبر.
فالكتاب ليس تأملا حزينا في الفناء، بقدر ما هو تأمل في الحياة من خلال الموت، ودعوة إلى التفلسف لا لأن الإنسان يحب المجهول، بل لأنه يخشى أن يعيش دون أن يفهم لماذا يعيش.
وفي خاتمة الكتاب، يوضح المؤلف أن رحلته الفلسفية أعادت تشكيل التصور عن الموت، بوصفه مفتاحا لفهم الحياة لا مجرد نهاية لها.
وتنوعت إجابات الفلاسفة عن هذه الأسئلة، لا بالضرورة على سبيل التناقض، وإنما نتيجة اقترابهم من القضية ذاتها من زوايا مختلفة. وتكشف هذه الرحلة تحولا جوهريا في النظر إلى الموت، من نهاية مفروضة إلى أفق للتفكير في الأصالة والمعنى والحرية. ففي حين نظر إليه القدماء بوصفه جزءاً من نظام كوني أو قراراً إلهياً، أصبح في الفكر الحديث عاملاً أخلاقياً ووجودياً يحفز الإنسان على الاختيار وتحمل المسؤولية.
وفي المقابل، فإن محاولات تجاوز الموت عبر التكنولوجيا أو البحث عن الخلود الرمزي، كما في بعض أطروحات ما بعد الإنسانية، لا تلغي الحقيقة الأساسية المتمثلة في كون الإنسان كائناً زمنياً محدوداً، يعيش ضمن شروط وحدود لا يستطيع تجاوزها بسهولة. ومن هنا، قد يكون تقبل هذه المحدودية أكثر تحرراً من الوعود المفتوحة بالخلود.
أما التحدي الراهن، بحسب المؤلف، فلا يقتصر على الموت البيولوجي، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته "الموت المعنوي"، في ظل تسارع الحياة الحديثة؛ من فقدان المعنى والقطيعة مع الذات، إلى الانفصال عن الآخر، والعنف والاستغلال وتسليع الإنسان. ولذلك فإن استعادة التفكير في الموت، كما تدعو الفلسفة والفن، لم تعد مجرد تمرين تأملي، بل غدت ضرورة ثقافية وأخلاقية.
ويؤكد أبو دية أن الموت لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إغلاقا لكتاب الحياة، بل مرجعاً يمنح ما قبلَه معنى، ويفتح أمام الإنسان أسئلة تتعلق بما يتركه من أثر. ومن هنا لا يصبح السؤال الأهم "ماذا بعد الموت؟"، بل "ما الذي نتركه حياً بعد رحيلنا؟".
ويمضي الإنسان في حياته متعاملاً مع الموت كأنه ضيف مؤجل، يحاول تأخير حضوره وتجنب التفكير فيه، لكنه يظل حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية؛ في ملامح من نحب، وتغير أجسادنا، وتقدمنا في العمر، وفي لحظات الوداع التي تتركها مغادرة الأحبة والأصدقاء.
ويرى المؤلف أن الفلسفة تتيح للإنسان مواجهة الموت والتأمل فيه، لا بهدف الانتصار عليه، وإنما لفهم دلالته. فكل محاولة لفهم الموت تقود، في جوهرها، إلى إعادة اكتشاف الحياة، وتكشف عن الإنسان بوصفه كائناً يتساءل ويخاف ويحب ويبدع ويبحث عن المعنى.
ولا يرتبط الخلود، في هذا السياق، ببقاء الجسد بقدر ما يرتبط ببقاء الأثر؛ في كلمة طيبة، أو عمل نافع، أو قصيدة، أو ذكرى جميلة تظل حاضرة في ذاكرة الآخرين. وهكذا يتحول الموت من نهاية صامتة إلى معنى آخر للحياة، يتجسد فيما يتركه الإنسان وراءه من أثر.
ويخلص الكتاب إلى أن القلق من الموت، على ثقله، جزء أصيل من التجربة الإنسانية، وأن الخوف منه كان عبر التاريخ حافزاً للإنسان على ابتكار المعاني وبناء الحضارات وإبداع الفنون وتشكيل الأديان والفلسفات. وإذا كان الموت البيولوجي حتمياً، فإن الإنسان يواصل مقاومته رمزياً من خلال الفكر والإبداع والعمل، مؤكداً أن المعنى هو ما يمنح الحياة قيمتها في مواجهة الفناء.