ترامب وهيغست يعاكسان مثلا أميركيا بإقالة رئيس الأركان.. لا تغير جيادك وسط النهر
الغد
الولايات المتحدة - أثار طلب وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج التنحي من منصبه تساؤلات واسعة بشأن طبيعة التحولات التي تشهدها المؤسسة العسكرية الأميركية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب بولايتها الثانية.
وتسلط هذه الخطوة الضوء على إعادة ترتيب هرم القيادة العسكرية، وعلى موقع رئيس الأركان كأحد أهم مفاتيح صناعة القرار العسكري في الولايات المتحدة.
في خضم الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، أقدم وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث على خطوة يرى مراقبون أنها تهز إحدى القواعد الراسخة في التفكيرين العسكري والسياسي: "لا تغيّر جيادك في منتصف النهر"، فقد طلب هيغسيث من رئيس أركان الجيش (القوات البرية) الجنرال راندي جورج التنحي والتقاعد الفوري من منصبه.
هذه الإقالة المفاجئة لضابط مشاة مخضرم تمرس في الحروب، فتحت بابا واسعا للتساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تجعل وزارة الحرب (البنتاغون) تُقدم على تغيير قيادي بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت الحساس المحفوف بالمخاطر.
إقالة في قلب الحرب
وكشف المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل في إعلان مفاجئ إحالة الجنرال جورج، الذي تولى منصبه عام 2023 إلى التقاعد الفوري، قاطعا فترة ولايته الطبيعية التي تمتد لأربع سنوات.
وتأتي الإقالة بينما يُتوقع وفقا لمراقبين، أن تشارك وحدات القوات البرية في أكبر صراع تخوضه واشنطن في الشرق الأوسط منذ عقدين، إذا قررت واشنطن الدفع بقوات برية في الحرب الجارية حاليا على إيران.
لم يكن جورج وهو ضابط مشاة مخضرم شارك في حروب الخليج وأفغانستان مجرد قائد تقليدي، بل كان شريكا في قيادة "مبادرة تحوُّل الجيش" الرامية لتحديث القوات بالاعتماد على الطائرات المسيرة، مستلهمين دروس حرب أوكرانيا.
لذا، فإن الإطاحة به قد تعني تعطيل رؤية تحديثية بأكملها في وقت يبدو فيه الجيش بأمس الحاجة إليها لمواجهة تعقيدات الميدان.
ولكن في نظر هيغسيث ودائرته، كانت سيرة جورج تحمل على ما يبدو "نقطة سوداء"، فقد عمل سابقا كبير المساعدين العسكريين لوزير الدفاع الديمقراطي لويد أوستن.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن هذه الخطوة "لا ترتبط مباشرة بالحرب الجارية مع إيران، بل تندرج في إطار إعادة ترتيب داخلية في البنتاغون يقودها هيغسيث"، للتخلص من القيادات المقربة من إدارة بايدن السابقة.
"تطهير" القيادات
وفقا لبعض التحليلات، تندرج إقالة جورج ضمن ما يصفه مراقبون بـ"حملة تطهير" قادها هيغسيث منذ توليه منصبه، وأطاح خلالها بأكثر من 12 جنرالاً وأميرالاً من الصف الأول. المعيار غير المعلن لهذه الإقالات، بحسب مصادر عسكرية، هو مدى "تطابق" رؤية هؤلاء الضباط مع الأجندة السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ولم يترك القرار فراغا، إذ سيتولى الجنرال كريستوفر لانيف، نائب رئيس الأركان، موقع القائم بالأعمال، وهو ليس فقط المساعد العسكري السابق لهيغسيث، بل هو شخصية تحظى بإعجاب مباشر من ترامب نفسه.
وفي يوم تنصيبه، تلقى ترامب اتصالا للمباركة من لانيف فعلق الرئيس بإعجاب: "هل هذا الرجل آتٍ من وكالة اختيار الممثلين؟.. أحب رؤية ذلك"، مما يعزز فرضية أن اختيار الرجل الجديد يستند بشكل كبير إلى الصورة والولاء الشخصي.
مقامرة ميدانية وانتقادات داخلية
تأتي هذه الإطاحة برأس الهرم القيادي في وقت بالغ الحساسية، حيث تتجه عناصر من "الفرقة 82 المحمولة جوا" -وهي نخبة القوات البرية- للانتشار في الشرق الأوسط.
ورغم نفي الإدارة الأميركية عزمها التدخل البري حاليا، قال محللون إلى أن عمليات الحشد العسكري تفتح الباب أمام احتمالات متعددة، مؤكدين أن خيارات العمليات البرية، سواء لتأمين مضيق هرمز أو التعامل مع المنشآت النووية، ما تزال "مطروحة بالفعل على طاولة الرئيس رغم التحذيرات من كلفتها العالية".
وتتزامن هذه التغييرات مع حالة من الاستقطاب داخل واشنطن بعد خطاب ترامب الأخير الذي مدد فيه الحرب. ما قوبل بانتقادات واسعة حتى من بعض الجمهوريين، لعدم تقديمه إجابات واضحة عن موعد الحسم أو كيفية معالجة ملف مضيق هرمز.
وفي حين رأى الديمقراطيون أن ترامب فشل في تبرير استمرار الحرب، هب جناح من الجمهوريين، أبرزهم ليندسي غراهام وتيد كروز، للدفاع عن موقفه معتبرين التهديد الإيراني مبررا كافيا.
ما هو واضح حتى الآن أن الجنرال راندي جورج، وهو ضابط المشاة الذي عبر صحارى الخليج وجبال أفغانستان، يغادر مكانه تاركا وراءه أسئلة مفتوحة عن الدوافع الحقيقية لإقالته، وعن الكلفة التي قد تدفعها المؤسسة العسكرية حين يراد تغيير خيولها، لا وفق إيقاع المعركة، بل وفق إيقاع السياسة، كما يقول خصوم الرئيس ترامب.
فقد كان جورج ينظر إليه بوصفه أحد أبرز القيادات المهنية في الجيش، وركيزة استقرار للقوات البرية منذ توليه المنصب في أيلول (سبتمبر) 2023. تخرج راندي جورج في أكاديمية ويست بوينت عام 1988 ضابطا في سلاح المشاة، وراكم خلال أكثر من 35 عاما خبرة ميدانية واسعة. وقيادته وحدات عسكرية في العراق وأفغانستان، أكسبته خبرة في إدارة العمليات البرية المعقدة. كما لعب دوراً في تطوير عقيدة "العمليات متعددة المجالات"، التي تقوم على دمج القدرات البرية مع الجوية والبحرية والسيبرانية والفضائية.
منصب يتجاوز الإدارة
وبصفته رئيسا لأركان الجيش، كان راندي جورج مسؤولا عن إدارة أكثر من مليون جندي، ضمن منظومة معقدة تعرف بـ"توليد القوى"، تشمل تجهيز وتدريب وتسليح القوات. ولا يقتصر دوره على الجانب الإداري، بل يمتد إلى صياغة العقيدة القتالية وتحديد احتياجات الجيش، وتوفير الموارد للقادة في ميادين القتال.
كما يعمل في تنسيق وثيق مع بقية الأفرع العسكرية، مع سلاح الجو لتأمين الإسناد الجوي والضربات الدقيقة، مع البحرية ومشاة البحرية في عمليات الانتشار والإنزال، ومع باقي المؤسسات في إدارة العمليات المشتركة.
وتعد رئاسة أركان الجيش الجهاز التنفيذي لأكبر فروع القوات المسلحة، وتشكل حلقة وصل بين وزارة الحرب والوحدات الميدانية.
حلقة مركزية
يمثل رئيس الأركان حلقة مركزية في سلسلة القيادة، إذ يعمل مستشارا عسكريا لوزير الدفاع، في علاقة تقوم على توزيع الأدوار بين رسم السياسة وتنفيذها. فالوزير يحدد التوجهات الإستراتيجية، بينما يتولى رئيس الأركان ترجمتها إلى خطط عملياتية، وإدارة الموارد والميزانيات اللازمة لتنفيذها.
وفي قمة الهرم، تبقى السلطة بيد الرئيس الأميركي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي تنتقل قراراته عبر هذا التسلسل لتتحول إلى عمليات ميدانية.
وتشير معطيات إلى أنه يحظى بثقة الرئيس دونالد ترامب، في مؤشر على توجه الإدارة نحو إعادة تشكيل القيادة العسكرية بما يتماشى مع رؤيتها الإستراتيجية.-(وكالات)