عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Apr-2026

حرب إلى الأبد -ويوم: من يربح ومن يخسر في أميركا ترامب

 ‏ناجيان من مذبحة "الركبة الجريحة" (1890) قادمان للإدلاء بشهادتيهما، واشنطن، 1938 - 

 
الغد
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ستيف فريزر* - (توم ديسباتش) 16/4/2026
حربٌ ضد إيران. اختطافُ رئيس فنزويلا. التهديدُ بالاستيلاء على كوبا وغرينلاند. خططٌ لنهب الكوكب من أراضيه وقواه العاملة وموارده الحيوية لإشباع شهية الرأسمالية الأميركية التي لا ترتوي -كل ذلك جارٍ فعليًا، وفي عصر دونالد ترامب عادت الإمبريالية الأميركية بوجهٍ أكثر حدة وانتقامية. ولا يعني ذلك، بطبيعة، أنها كانت قد اختفت في أي يوم؛ إنها، في الحقيقة، حاضرة منذ البداية.
 
 
قامت الولايات المتحدة، منذ نشأتها، على فعلٍ من أفعال الاستعمار الاستيطاني، حيث جرى تجريد السكان الأصليين لـ"العالم الجديد" من أراضيهم. وفي العام 1823، أعلن الرئيس جيمس مونرو ما عُرف لاحقًا بـ"مبدأ مونرو"، مُعلنًا حق بلاده الحصري في تقرير مصير بقية نصف الكرة الغربي. وفي الوقت نفسه، شكّلت تجارة العبيد ونظام الرق اغتصابًا إمبرياليًا لإفريقيا على يد نُخب المزارعين والتجار الأميركيين.
مع مطلع القرن العشرين، أعلنت واشنطن سياسة "الباب المفتوح"، الذي عبرت فيه عن عزمها على المنافسة من أجل الوصول إلى أسواق العالم، بالتوازي مع انخراطها في السباق الأوروبي على المستعمرات. وسرعان ما جسّدت ذلك عمليًا من خلال الاستيلاء الوحشي على الفلبين في العام 1899، بينما كانت القوات المسلحة الأميركية تنفذ توغلات متكررة في بلدان أميركا الوسطى لحماية مصالح الشركات والبنوك الأميركية. ومنذ تلك اللحظة لم تتوقف القصة، واستمرت فصولها الدموية في غواتيمالا وفيتنام، ومؤخرًا في إيران، وفي أماكن كثيرة أخرى.
كما يوحي تجريد السكان الأصليين من أراضيهم واستعباد الأفارقة، ظلّ "الوطن" -وهو تعبير إمبريالي بحد ذاته- متورطًا بعمق في المشروع الإمبريالي. بل إن أشكالًا متعددة من القمع العسكري والشرطي التي استُخدمت في الخارج كان قد تم اختبارها أولًا في الداخل ضد العمال والسود والمهاجرين والسكان الأصليين المتمرّدين. وجرى تشبيه العمال المهاجرين المتمرّدين في القرن التاسع عشر بـ"الهنود الهمجيين"، بينما عاملتهم الشرطة المحلية والميليشيات الفيدرالية بالوحشية نفسها. ثم جرى تصدير أيديولوجيا التفوق الأبيض، التي نشأت في الداخل، إلى الجنوب العالمي لتبرير الهيمنة الأميركية هناك. وفي الواقع، كان الازدهار الاقتصادي الذي تباهت به البلاد طوال جزء كبير من القرن الماضي قائمًا على وصولها الاستغلالي إلى موارد الجنوب العالمي، فضلًا عن هيمنتها، بعد الحرب العالمية الثانية، على أوروبا الغربية.
اليوم، تمارس حكومة دونالد ترامب حكمًا يقوم على الترهيب ضد إخوتنا وأخواتنا من المهاجرين -والملايين منهم موجودون هنا لأن أوطانهم نُهبت اقتصاديًا بفعل قوى المال والأعمال الأميركية. كما قوبلت المقاومة الداخلية لمغامراتنا الإمبريالية في الخارج دائمًا بالقمع الحكومي، وتجريد الناس من حقوقهم الديمقراطية، وبناء دولة مراقبة واسعة النطاق.
في البدء
منذ نشأتها، صيغت الولايات المتحدة كمشروع إمبريالي. وقد تسرّب هذا الطابع إلى حمضها الوراثي منذ اللحظة الأولى.
كان أوائل المستوطنين، في آنٍ معًا، رعايا خاضعين للإمبراطورية البريطانية وغيرها من الإمبراطوريات الأوروبية، ومستعمِرين يمارسون سيادتهم على السكان الأصليين. وجرى بطريقة منهجية تجريد الأميركيين الأصليين -بمختلف أنماط حياتهم، من مجتمعات زراعية وقبائل للصيد والتجارة، إلى جماعات بحرية وصيّادة- من أراضيهم ومواردهم وطرائق عيشهم (ناهيك عن أرواحهم) على يد المستوطنين القادمين حديثًا.
وفي بعض الأحيان، تُرك تدميرهم لآليات السوق الصامتة. من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر، غذّت تجارة الفراء شهية الأرستقراطيات العالمية -في روسيا والصين وعبر أوروبا. وانخرطت مجتمعات الصيد من أجل الفراء والتجارة لدى السكان الأصليين في علاقات تجارية مع تجار مثل جون جاكوب أستور، أول مليونير في البلاد. لكنّ شروط التبادل كانت، على الدوام، مجحفة بعمق عميق، ما قوض في نهاية المطاف قدرة تلك المجتمعات على الاستمرار.
لكنّ المستعمِرين لجأوا في كثير من الأحيان إلى وسائل أبعد ما تكون عن "السلمية": القوة العسكرية؛ والمناورات القانونية الملتوية؛ والاستيلاء غير المشروع على الأراضي -بل وحتى الحرب البيولوجية، حيث كادت الأمراض التي حملها الأوروبيون أن تفني شعوبًا أصلية بأكملها. وقد استمر القتل الاجتماعي لتلك الشعوب طوال القرن التاسع عشر، من "درب الدموع" (الترحيل القسري لـ"القبائل الهندية الخمس المتحضرة" من جورجيا في العام 1830 بأمر من الرئيس أندرو جاكسون) إلى مذبحة لاكوتا سيو في ووندد ني في العام 1890.
تخيّل الولايات المتحدة من دون ذلك المحو التاريخي! لا سبيل إلى ذلك في الحقيقة، لأن الحدود الجغرافية التي نعتبرها اليوم بديهية كانت لتختلف جذريًا. ثمة الكثير من أكثر أراضي البلاد خصوبة، وموارد المياه الحيوية، والرواسب المعدنية الغنية، فضلًا عن الصناعات التي نشأت حولها -من استخدام جلود حيوان البيسون في صناعة السيور الناقلة، إلى الخيول لجر عربات الشوارع (ناهيك عن آبار النفط التي كوّنت ثروات طائلة لبعض الأميركيين عن طريق الحفر في أراضٍ كانت يومًا جزءًا من إمبراطورية الكومانشي)- كل ذلك كان سيبقى خارج "الوطن". فأين كانت ستكون "أميركا العظيمة" آنذاك؟
وعلى مستوى أقل مادية، لكنه ربما أشد جوهرية، لولا ذلك الإكسير العاطفي -إحساس التفوق العرقي الذي ما يزال يسمّم مجرى دمنا الجماعي ويُستخدم لتبرير عنفنا الإمبريالي في الخارج، ذلك الشعور الدائم بأننا في حرب مع "الهمجيين" -(وصف الرئيس ترامب، مؤخرًا، قادة إيران بأنهم "حثالة مختلّة")- لما عرف أحدٌ ما الذي كان يمكن أن تصير إليه هذه البلاد.
العبودية والقدر المتجلّي
بطبيعة الحال، شوّه العمل القسري القائم على العبودية "الوطن" لقرون، بدءًا من تجارة الرقيق عبر الأطلسي التي أدارتها القوى الإمبريالية الأوروبية -ولاحقًا الولايات المتحدة نفسها. وقد راكم مالكو السفن والتجار والمصرفيون ووسطاء العبيد وأصحاب المزارع ثروات هائلة عن طريق خطف الشعوب الإفريقية ونهبها، مستندين في ذلك إلى سلطة الدستور.
وجدت الثروات المتأتية من تجارة العبيد أو من نظام العبودية طريقها إلى التطور الصناعي، بخاصة في صناعات النسيج التي دفعت بالمراحل الأولى من الثورة الصناعية في البلاد. وقد نكون مغرمين بفكرة أن تلك الثورة كانت محلية خالصة، وكانت تجسيدًا لعبقرية ابتكارية أصيلة، لكنّ احتساب الاعتداء الإمبريالي على إفريقيا يجعل "المعجزة" الصناعية التي يتباهى بها الوطن أقل إعجازًا بكثير.
كان الاستحواذ على الأراضي، في الغالب، سمةً مميزةً للمسعى الإمبريالي. وهكذا كان الحال في توسّع هذا البلد نحو الجنوب الغربي والغرب، أحيانًا عن طريق شراء الأراضي، ولكن -في مراتٍ كثيرة جدًا- عن طريق الحرب. وفي الواقع، لم يكن الاستيلاء على مساحة شاسعة تمتد اليوم من تكساس إلى كاليفورنيا -وما يُشار إليه أحيانًا بالحرب المكسيكية-الأميركية (1846–1848)- سوى غزوٍ حرّكته شهية مُلاك العبيد في الجنوب الأميركي إلى أراضٍ جديدة يزرعونها. بل إن أكثر قادة طبقة مُلاّك المزارع الجنوبيين جشعًا كانوا يتطلعون إلى السيطرة على أجزاء من أميركا الوسطى لتوسيع نطاق اقتصاد العبودية، حيث كانت مغامرة إمبريالية تُذكي الرغبة في أخرى.
ما تزال عبارة "القدر المتجلّي" Manifest Destiny، التي استخدمها الساسة الأميركيون لتبرير سلوكهم الافتراسي بوصفه أمرًا محتومًا، تشكل جزءًا من غطرسة أميركية متجذّرة. نحن، بطبيعة الحال، لا نخوض الحروب ولا ندمّر إلا بدوافع "مثالية": لإنقاذ الديمقراطية؛ لرفع شأن الفقراء؛ لملاحقة الحكّام الشياطين، أو جلب "بركات" أسلوب الحياة الأميركي إلى من يُفترض أنهم غارقون في الظلام.
كنا تفاقمت أيضًا -بفعل تجربة الغزو- أيديولوجيا عنصرية كانت مترسخة أصلًا في نفسية هذا البلد. وإذا كانت أميركا دونالد ترامب اليوم مشبعةً بنفورٍ من اللاتينيين (ناهيك عن الأميركيين الأفارقة)، أو من المهاجرين غير البيض عمومًا، فإن مصدر ذلك يعود إلى التجربة الإمبريالية الأميركية. وقد تحولت ممارسات العنصرية المبكرة، بما في ذلك الإعدامات خارج القانون (اللينش) وإحراق الكنائس في الجنوب المحكوم بـ"قوانين جيم كرو" (1)، إلى تدريبات تمهيدية للهجمات على المسلمين في زمننا هذا المشحون بهواجس "الترامبية".
إمبريالية بلا مستعمرات
إذا نظرنا إلى القصة الأميركية من هذه الزاوية، فسوف نراها سلسلةً متواصلة من الطموحات الإمبريالية. مع ذلك، وبالمقارنة مع منافسيها الأوروبيين، لم تمتلك الولايات المتحدة سوى عددٍ قليل نسبيًا من المستعمرات الفعلية.
صحيح أنها أدارت كوبا لفترة من الزمن بعد الحرب الإسبانية-الأميركية في العام 1898، وأقامت ما يشبه الحماية غير الرسمية على الفلبين (بعد أن خاضت هناك حربًا مروّعة لمكافحة التمرد ضد حركة استقلال خاضت حرب عصابات). وخلال ذلك الصراع، أتقنت القوات الأميركية تقنيات -مثل إنشاء معسكرات اعتقال- كانت ستُستخدم لاحقًا ضد حركات أخرى مناهضة للاستعمار، وخاصة في فيتنام خلال القرن العشرين.
وبطبيعة الحال، احتل الجيش الأميركي أيضًا عددًا من بلدان أميركا الوسطى -جمهورية الدومينيكان؛ وهاييتي؛ ونيكاراغوا، وغيرها- خلال العقود الأولى من القرن العشرين، حيث سيطر على ماليات حكوماتها، ضامنًا بذلك سداد ديونها للمصارف الأميركية. وكانت تلك هي النسخة الأولى مما أصبح يُعرف لاحقًا بـ"دبلوماسية الزوارق الحربية"، التي تجري استعادتها اليوم بصيغ جديدة (فكّر، على سبيل المثال، في قبض إدارة ترامب الأخير على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته).
في مطلع القرن الماضي، طوّر وزير الخارجية جون هاي مقاربة مختلفة لترسيخ الهيمنة الإمبريالية الأميركية، أقل ارتجالًا من تلك الحالات شبه الاستعمارية المتفرقة. وأعلن في العام 1899 سياسة "الباب المفتوح"، التي بدت -في ظاهرها- عادلة إلى حدّ بعيد؛ حيث زعمت الولايات المتحدة أنها تسعى إلى وصولٍ متكافئ إلى الأسواق، وخاصة السوق الصينية، التي كانت القوى الأوروبية الكبرى قد قسّمتها سابقًا إلى مناطق نفوذ حصرية.
أدى فتح ذلك "الباب" في نهاية المطاف إلى هيمنة اقتصادية أميركية عالمية، باستثناء تلك الأجزاء من العالم التي خضعت لنحو خمسة وسبعين عامًا لسيطرة الاتحاد السوفياتي (والتي تهيمن الصين اليوم على بعض مناطقها). وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الأفضلية الاقتصادية الأميركية -المدعومة بأقوى آلة عسكرية في العالم- قوةً لا تُقاوم، بينما تحوّلت أوروبا عمليًا إلى ما يشبه ممتلكات استعمارية أميركية تحت مظلة "خطة مارشال" وحلف شمال الأطلسي (الناتو). بعبارة أخرى، فُتح ذلك الباب على اتساعٍ لم يكن جون هاي نفسه ليتخيله.
يجدر التنبيه إلى أن منظوره الإمبريالي لم يكن موجّهًا إلى الخارج فحسب، بل إلى "الوطن" أيضًا. مع مطلع القرن العشرين، أخذت نخب المال والسياسة في هذا البلد تخشى أن السوق الداخلية لمخرجاته الصناعية والزراعية الضخمة تقترب سريعًا من حدّ الإشباع. وبدت موجات الكساد الدورية والعنيفة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مؤشرًا على ذلك.
وهكذا خلص استراتيجيون بارزون في واشنطن إلى أن المطلوب هو "باب مفتوح" أمام السلع الأميركية واستثماراتها الرأسمالية على مستوى العالم. وكانت قناعتهم أن مثل هذه السياسة لن تضمن الازدهار الأميركي فحسب، بل ستخفف أيضًا من حدّة الصراع الطبقي المزمن بين من يملكون ومن لا يملكون؛ ذلك الصراع الذي اجتاح البلاد طوال "العصر المذهب" مهددًا قابلية الرأسمالية الأميركية للاستمرار.
منذ ختام الحرب الأهلية وحتى نهاية القرن التاسع عشر، اعتقد كثيرون أن الولايات المتحدة دخلت "حربًا أهلية ثانية"، حيث واجه عمالقة الصناعة -أحيانًا بدعمٍ من القوات المسلحة- موجات الإضرابات الواسعة للعمال والمزارعين الساعين إلى النجاة من وطأة اقتصاد رأسمالي قاسٍ. ومنذ ذلك الحين، أصبح من المتعذر تخيّل هذا البلد من دون صِيَغه المختلفة من "إمبريالية الباب المفتوح" التي تسند الجبهة الداخلية و"تُهدّئ السكان الأصليين" -أي نحن.
غير أن أداء دور القوة المهيمنة، على ما فيه من أرباح، باهظُ الكلفة أيضًا. ما تزال الأموال العامة تتدفق من أجل إدامة "دولة الحرب" وتوسيعها درءًا لكل تحدٍ للهيمنة الأميركية (طلب البنتاغون مؤخرًا، على سبيل المثال، 200 مليار دولار إضافية لحربه في إيران). ويتم ذلك على حساب برامج الرفاه الاجتماعي، ومع تجفيف الاستثمارات في الأنشطة الإنتاجية مثل تطوير مصادر بديلة للطاقة، وبناء البنية التحتية والإسكان وأنظمة النقل السريع التي يكون من شأنها تحسين حياة الجميع.
في أحيانٍ بعينها، كما في حرب فيتنام، أفضت "دولة الحرب" إلى أزمات اقتصادية داخلية مكتملة الأركان؛ حيث أفضت تلك الحرب إلى سنواتٍ مُرهِقة من التضخم الجامح أعقبتها سنوات من الركود الاقتصادي، بل وكادت نفقاتُها تُطيح بالنظام المالي العالمي في العام 1968.
واليوم، ربما نكون بصدد تجربةٍ مشابهة، بينما يقف الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار بفعل حرب ترامب على إيران.
الديمقراطية والإمبريالية
مع ذلك، وُجدت مقاومةٌ للإمبريالية منذ البداية داخل "الوطن". خاض السكان الأصليون حروبهم، وتمرد العبيد، وتحول المكسيكيون إلى مناهضين للإمبريالية، وواجه دعاة إلغاء العبودية نظام الرق. وأثارت الحرب الإسبانية-الأميركية معارضةً من أبناء الطبقة الوسطى ومن شخصيات عامة مثل مارك توين. وخلال الحرب العالمية الأولى، داهمت السلطات منظمات ضمت آلاف الراديكاليين المناهضين للحرب وأغلقت صحفهم بقرارات حكومية، وسُجن بعضهم ورُحّل آخرون. وبالطريقة نفسها، سعت آلة القمع الحكومية إلى إخماد حركة مناهضة حرب فيتنام في ستينيات القرن العشرين، وبلغت الحملة ذروتها بقتل أربعة طلاب في جامعة كِنت ستيت في العام 1970.
لا يمكن للديمقراطية والحريات المدنية، اللتين يُفترض أنهما جوهر "الدِّين المدني" لهذا الوطن، البقاء في ظل الاندفاع الإمبريالي. واليوم، أصبحت انتهاكات أبسط الحقوق -حرية التعبير، والخصوصية، والمحاكمة العادلة، وحق التصويت- فادحةً ومألوفة. ويُعامل المهاجرون، الذين يوجد كثير منهم هنا لأنهم عجزوا عن النجاة من آثار الرأسمالية الأميركية في أوطانهم، كما لو أنهم كانوا خارجين على القانون. ويجري تجاهل أبسط متطلبات الدستور -وهو الحق الحصري للكونغرس في إعلان الحرب- بلا مساءلة (وكان ذلك قائمًا قبل تولي ترامب بوقت طويل). وهكذا تعمل الدولة الإمبريالية، ودولة المراقبة، والدولة السلطوية على تفريغ ما تبقى من الدولة الديمقراطية من محتواها.
تُخلّف الإمبريالية دمارًا هائلًا ومميتًا في الخارج؛ وكانت حربا غزة وإيران أحدث حمّامات الدم التي يراها الجميع. وتبقى كلفة الإمبريالية داخل "الوطن" أقلّ ظهورًا. ولعل معادلةً موجزة تُلقي ضوءًا على السجل التاريخي: الإمبراطورية = الأرض، والعمل، والموارد، والسلطة، والثروة. و"الوطن" = التنكيل الثقافي، ونزع الملكية، والخوف، وكراهية النساء، والعنصرية، والقمع، والعبودية، والاستبداد، والحرب.
الآن، يظهر دونالد ترامب بوصفه مروّجًا لكلٍّ من الإمبريالية (على الرغم من وعوده "بوقف الحروب" والامتناع عن خوض "الحروب التي لا تنتهي")، ونتاجها السام. وفي شخصه تتجسّد صيغةٌ مكتملة تجمع بين تاريخ أميركا الإمبريالي في التوسّع العدواني، وقسوة "الإنسان الأعلى" التي رسّخها ذلك التاريخ في الوجدان الأميركي.
 
*ستيف فريزر Steve Fraser: مؤرخ متخصص في تاريخ العمل والرأسمالية في الولايات المتحدة. صدر له مؤخرًا كتاب "الطبقة تهم: المسار الغريب لوهم أميركي" Class Matters: The Strange Career of an American Delusion. من كتبه السابقة "عصر الإذعان" The Age of Acquiescence؛ و"الليبرالي بالليموزين" The Limousine Liberal. وهو أحد المؤسسين المشاركين والمحررين المشاركين في "مشروع الإمبراطورية الأميركية" American Empire Project.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: War, Forever and a Day: Who Gains and Who Loses in Trump's America
 
هامش:
(1) قوانين جيم كرو Jim Crow laws: مجموعة من التشريعات والأنظمة التي فُرضت في الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى ستينيات القرن العشرين، وهدفت إلى تكريس الفصل العنصري بين البيض والسود بعد انتهاء العبودية. وأنتجت تمييزًا واسعًا في التعليم والمواصلات والسكن والخدمات العامة، إضافة إلى تقييد حق التصويت للأميركيين السود.