الغد
وباء الدكاترة المزيفين يفتك بالبيئة مجدداً، كما ضرب السياسة والاقتصاد والأعمال. فبعد 13 عاما على التحقيق الذي نشرناه في مجلة "البيئة والتنمية" عن الشهادات الوهمية والمزورة، بعنوان "دكاترة البيئة"، ما زالت هذه الظاهرة المقيتة تزداد انتشاراً، خصوصاً بعدما تحولت البيئة والتنمية المستدامة والمناخ إلى مواضيع مثيرة وشعبوية. وهذا لا يقتصر على البيئة، بل يمتد إلى جميع المجالات، حتى أن وزيراً للتعليم في بلد عربي، تبيَّن أنه يحمل شهادات وهمية في التربية والإدارة، من البكالوريوس إلى الدكتوراة، اشتراها جميعاً من جامعات وهمية يقتصر وجودها على الفضاء الافتراضي، بقي محتفظاً بمنصبه بعد انكشاف أمره. وكأن التزوير في التربية والعلوم أصبح أمراً اعتيادياً مقبولاً في البلدان العربية.
الشعوب العربية مغرمة بالألقاب، أكانت حقيقية أم زائفة. فكأنها إهانة لو ورد اسم غير مسبوق بلقب. وإذا كان الإقبال الأكبر على لقب "الدكتور"، فهو ليس الوحيد، من الخبير فلان الى المستشار علان. ومرة جاءتني رسالة من شخص وضع قبل اسمه حرف "ك"، فعجزت عن معرفة إلى ماذا يرمز، حتى أن خيالي قادني إلى احتمالات كثيرة، بينها عضو في الجسد، قبل أن أكتشف أنه يقصد "الكيميائي". وقد تكون شاعراً وأديباً كبيراً أو مخترعاً او موسيقياً أو رساما أو مسرحياً مرموقاً، ومع هذا يبقى اللقب، الحقيقي أو المزيّف، قبل الاسم، مدعاة وجاهة لا غنى عنها في بعض المجتمعات. وبعض روّاد السوشال ميديا يربطون حرف الدال باسمهم بلا فراغ بينهما، ليصبحا كلمة واحدة، خوفاً من أن يلغي البرنامج الإلكتروني حرف "د". ولم تنجح كل شروحاتي وتحذيراتي في ثني مؤسسة محترمة عن وضع لقب قبل اسمي كمؤلف لأحد فصول كتاب صدر عنها.
هل سمعتم مثلاً بالدكتور أينشتاين أو الأستاذ شكسبير أو البروفيسور فرويد أو الخبير بيكاسو أو المستشار بيل غايتس أو المهندس ليوناردو دا فنشي؟ أو الدكتور إيلون ماسك؟ هل يتصور متذوِّقو شعر خليل حاوي أن يضع الناشر كلمة "الدكتور" قبل اسمه على غلافات مجموعاته الشعرية، وهو في الواقع يحمل شهادة الدكتوراة من جامعة كامبريدج وكان استاذ النقد الأدبي في الجامعة الأميركية في بيروت، لكن حرف "د" لا يضيف شيئاً إلى أهميته كشاعر كبير. من يبرع ويبدع في مجاله ويقدم للبشرية جديداً مفيداً، يصبح اسمه المجرد أهمَّ من كل الألقاب. ومع كامل الحق في استعمال اللقب الحقيقي، حيث كان لهذا لزوم، فالملاحظ أن معظم الذين يصرون على استعمال ألقاب يفعلون هذا للتغطية على قصورهم عن تقديم إنجازات ابداعية في مجالاتهم، وتكاد مساهماتهم تكون محصورة في منشورات ترويجية على السوشال ميديا. وغاب عن هؤلاء أن "دكتور" ليس لقباً للوجاهة الاجتماعية، بل لقب أكاديمي يستوجب الحفاظ عليه الاستمرار في الدراسات والأبحاث لتقديم الجديد في موضوع الاختصاص.
وبعد "الأساتذة الدكاترة"، انتشرت أخيراً ظاهرة "الأستاذات الدكتورات"، اللواتي ينشرن صورهن يوميا على السوشال ميديا، بما يشبه عروض الأزياء، خلال المشاركة في اجتماعات ومؤتمرات حضروها، بلا ذكر شيء عن موضوع المؤتمر أو محتوى مساهمتهم، إذا حصلت. فالأهم نشر صورهم مع بعض المشاهير من الحضور، والتقاط صورة شخصية على المنبر بعد انتهاء الجلسات، للإيهام أنهم كانوا من المتحدثين، فهذه من "عدَّة الشغل". وإذا صدف أن نشر أحدهم ورقة تدّعي العلم، يخيّل إليك وأنت تقرأها أنها مجموعة من البوستات المختزلة بأسلوب السوشال ميديا. علماً أن هناك مجلات تجارية زائفة مختصة بنشر أوراق على أنها "علمية"، لمجرد استخدامها في ملفات طلبات الترقية، وهي تفرض على الكتّاب رسوماً لنشر مقالاتهم.
ومثل الشهادات المزيفة، تحصل بعض المجلات "العلمية" على شهادات اعتماد من مؤسسات مزيفة أيضاً، لقاء دفع رسوم. فكما هناك "اقتصاد دائري"، هناك تزوير وفساد دائري أيضاً، بحيث تعطي المؤسسات المزيفة شهادات لدكاترة مزيفين، يستخدمها هؤلاء لاحقاً لمنح وثائق كفاءة لتلك المؤسسات الافتراضية الوهمية. ولا تتفاجأوا إذا اكتشفتم أن معظم المؤسسات الناشطة لتصنيف الجامعات في المنطقة العربية، التي تحمل أسماء دولية براقة، هي مجرد عصابات تجارية.
إذا كان بعض الذين يحملون درجات علمية حقيقية من جامعات موجودة يصرّون على استخدام ألقابهم حتى في المعاملات والمراسلات الخاصة، مثل أحد معارفنا الذي تناديه زوجته داخل المنزل بلقب "دكتور"، فما بالك بالذين يصرون على استخدام ألقاب مزيفة. بعض العرب، ومعظمهم من رجال الأعمال، يضيفون حرف "د" قبل الاسم، بعد الحصول على دكتوراة فخرية لقاء تبرعهم لجامعة ما، وهذا يخالف الأصول الأكاديمية، أو شراء اللقب من "جامعة" افتراضية لقاء حفنة من الدولارات. وهناك مئات الآلاف، بينهم وزراء ورؤساء، يستخدمون ألقاباً مزيفة اشتروها من شركات تجارية وهمية، حتى بتنا نتساءل: إذا كانت هذه الأعداد الكبيرة من شعوبنا تحمل لقب "دكتور"، من مدَّعي علم وتجار وصناعيين وسياسيين وناشطين بيئيين، فلماذا لا تكون بلداننا متفوقة على العالم في البحث العلمي والصناعة والإدارة والتجارة والتنمية عامةً؟
دفعني الى الكتابة في هذا الموضوع رسالتان تلقيتهما في يوم واحد، الأولى تعرض علي شهادة دكتوراة في التنمية المستدامة من جامعة افتراضية، لقاء حفنة من الدولارات، والثانية من مجلة للأعمال مركزها دبي، تبلغني باختياري واحداً من أبرز الشخصيات العربية الفاعلة، وتعرض نشر موضوع غلاف وسلسلة مقالات عني، لقاء بضعة آلاف من الدولارات. وفي حين لم أجد حاجة للرد على عرض الشهادة الوهمية، أجبت المجلة أنني، أولاً، غير مهتم بعرضهم، وثانياً فالمكرَّم يحصل على جائزة ولا يدفع، وبصفتي كاتباً محترفاً، فأنا أحصل على بدل لقاء أي مقال أو دراسة أو ورقة أكتبها أو مقابلة أجريها، أي أقبض أجراً لقاء عملي الحقيقي، وبالتالي لست محتاجاً لأن أدفع رسوماً للترويج. وتذكرت أصدقاء، بعضهم من اللطفاء الخلوقين، ظهروا على غلافات مجلات من هذا النوع وبدأوا فجأة باستخدام لقب "دكتور".
حين نعيد قراءة التحقيق عن الشهادات الوهمية، الذي نشرته مجلة "البيئة والتنمية" في تشرين الأول (أكتوبر) 2013، وهو متوفر على الإنترنت، نجد اننا، بعد 13 عاماً، ما زلنا ندور في الحلقة المفرغة نفسها، في مجتمعات مكتظة بالدكاترة الوهميين.