بدلا من الانسحاب.. الاحتلال يرسم "خطا برتقاليا" يقضم %60 من غزة
فرض واقع أمني يتسبب بنزوح عشرات العائلات الفلسطينية
الغد-نادية سعد الدين
بدلًا من الانسحاب التدريجي؛ يستحدث الاحتلال "خطًا برتقاليًا" جديدًا يتجاوز في ترسيم أهدافه "الخط الأصفر"، الذي تم الاتفاق عليه في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عبر توسيع مساحة الاقتطاع والقضم إلى زهاء 60 % من مساحة قطاع غزة، بما يشكل خرقًا صريحًا للتفاهمات السابقة.
ويسعى الاحتلال لفرض واقع ميداني متغير في قطاع غزة بتوسيع نطاق سيطرته الجغرافية بعد مرور نحو 200 يوم على سريان اتفاق وقف إطلاق النار الهشّ، مما يشكل هذا التحول خرقًا صريحًا للتفاهمات التي نصت على فصل مناطق سيطرته شرقًا عن المناطق المسموح بتواجد الفلسطينيين فيها غربًا.
وبموجب المخطط الجديد؛ يقضم الاحتلال مساحات إضافية من عمق قطاع غزة، مُحولًا بذلك مناطق كانت مُصنفة ظاهريًا "كأماكن آمنة" إلى مناطق خاضعة لسيطرته العسكرية المباشرة.
وأكد القيادي في حركة "حماس"، باسم نعيم، أنّ الاحتلال أزاح الخط الأصفر باتجاه المناطق الغربية بمساحة إضافية تُقدّر بنحو 8 إلى 9 بالمائة.
وأفاد نعيم، في تصريح له، أنّ هذا الإجراء يرفع إجمالي المساحة التي يسيطر عليها جيش الاحتلال إلى أكثر من 60 بالمائة من مساحة قطاع غزة الكلية، ما يضيق الخناق على السكان الفلسطينيين.
من جانبها، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء هذه التطورات، حيث أشار المتحدث باسم الأمين العام، "ستيفان دوجاريك"، إلى أنّ سلطات الاحتلال وسعت احتلالها عبر إنشاء "الخط البرتقالي"، موضحًا أنّ المنظمة تلقت خرائط تضم الخط الجديد الذي يفرض قيودًا إضافية على حركة المساعدات الإنسانية.
ويأتي الإعلان عن "الخط البرتقالي" نتيجة سلسلة من إجراءات ميدانية عدوانية للاحتلال شملت تجريف الأراضي الفلسطينية وإزاحة المكعبات الإسمنتية الصفراء، حيث كان جيش الاحتلال، وفق الأنباء الفلسطينية، يعمل منذ أشهر على نقل هذه العلامات الحدودية الافتراضية إلى أماكن أكثر عمقًا داخل أراضي الفلسطينيين في قطاع غزة.
وأدى هذا الخرق المتكرر إلى موجات نزوح جديدة، حيث اضطرت عشرات العائلات الفلسطينية لترك منازلها وخيامها في خان يونس وحي الزيتون وجباليا والتوجه غربًا، بما ترافق معه من غارات جوية ومدفعية استهدفت كل من يقترب من الخطوط الجديدة، مما أسفر عن ارتقاء عشرات الشهداء والجرحى الفلسطينيين.
ونددت حركة "حماس" بهذه الانتهاكات، معتبرة أنّ إزاحة الخطوط الملونة تمثل دليلًا واضحًا على تنصل حكومة "بنيامين نتنياهو" من جهود الوسطاء، معتبرة أنّ الاحتلال يسعى لإفشال الاتفاق عبر فرض واقع جغرافي وأمني جديد يتعارض مع روح التفاهمات الدولية المبرمة.
وأشارت "حماس"، في تصريح لها، إلى أنّ الاحتلال فرض نطاقات سيطرة نارية إضافية وصلت في بعض المناطق إلى عمق 1700 متر إضافي، خاصة في شمال القطاع، حيث بلغت مساحة هذه السيطرة النارية نحو 34 كيلومترًا مربعًا، وهو ما وصفته الحركة بالنسف الفعلي لمبدأ إعادة الانتشار والانسحاب التدريجي.
ومن شأن إجراءات الاحتلال الجديدة حصر أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة لا تتجاوز 38 بالمائة من مساحة القطاع الإجمالية، بينما يعيش السكان القريبون من هذه الخطوط تحت تهديد دائم من المسيرات والقصف المدفعي، مما يجعل حياتهم اليومية جحيمًا مستمرًا وسط ظروف إنسانية كارثية.
وأفادت الأنباء الفلسطينية بأنّ تصريحات المسؤولين داخل الكيان المُحتل تبرز نية واضحة لتحويل الخطوط المؤقتة إلى حدود دائمة، حيث وصف رئيس أركان جيش الاحتلال، "إيال زامير"، الخط الأصفر بأنه "الحدود الجديدة"، وفق زعمه، معتبرًا أنّ هذه المناطق تشكل قاعدة عسكرية متقدمة لحماية المستوطنات وتنفيذ عمليات هجومية سريعة داخل ما تبقى من القطاع.
وفي السياق ذاته، أكد وزير الحرب، "يسرائيل كاتس"، أنّ جيش الاحتلال لن يتراجع عن هذه المواقع حتى تحقيق أهداف الحرب ونزع سلاح المقاومة، بينما عزز رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" هذه التوجهات بإعلانه أنّ أكثر من نصف أراضي غزة باتت فعليًا تحت قبضة الاحتلال العسكرية.
يأتي ذلك في ظل ترويج الحكومة المتطرفة مؤخرًا لاستعداد جيش الاحتلال بتصعيد عملياته داخل قطاع غزة، حتى تشكل ما تزعمه بضغط عسكري على قيادة حركة "حماس" لجهة إحداث تقدم في المفاوضات، تحت طائلة التهديد بعودة حرب الإبادة، رغم أنّ الجهود الدبلوماسية تصطدم بتعنت "نتنياهو"، ورفضه تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى ووقف التغول الجغرافي.
وفي الأثناء؛ يواصل الاحتلال خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مما أدى لارتفاع حصيلة عدوانه إلى 72,615 شهيدًا فلسطينيًا و172,468 مصابًا، منذ بدء حرب الإبادة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وفق وزارة الصحة الفلسطينية بغزة.
وأوضحت "الصحة الفلسطينية"، في تصريح لها أمس، أنّ مستشفيات قطاع غزة استقبلت خلال الساعات الـ24 الماضية 3 شهداء، و11 مصابًا.
وأفادت بأنّ إجمالي الشهداء الفلسطينيين منذ وقف إطلاق النار، في 11 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ارتفع إلى 834 شهيدًا، و2,365 جريحًا، فيما جرى انتشال 768 جثمانًا من تحت الأنقاض، حيث لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم نتيجة عدوان الاحتلال المتواصل.