المدن -
في الوقت الذي كان يجول فيه الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، على الرؤساء الثلاثة، ويجتمع مع فاعليات سياسية وحزبية في مقر السفارة الإيرانية، ثم مع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، ويختم زيارته أمام ضريح السيد حسن نصرلله، كان رئيس أركان جيش الاحتلال الاسرائيلي، إيال زامير، يجول في الجنوب اللبناني في القرى المحتلة بذريعة تفقّد قواته، برفقة قائد المنطقة الشمالية الجديد رافي ميلو، وسلفه أوري غوردين.
زامير قال: "لم نعد نقبل باحتواء التهديد والانتظار. نحن نرصد التهديد ونقوم بتصفيته. دورنا أن نشكّل أمننا القوي كما نراه مناسباً ولن نعود الى الوراء".
غوردين أعلن: "خلال السنوات السابقة سمحنا لتنظيم إرهابي بأن يتعاظم ويتموضع على حدودنا الشمالية. هذا خطأ جسيم ارتكبته أنا وأسلافي ولا يجوز تكراره، وهزيمة حزب الله الدراماتيكية أدت الى سقوط نظام الأسد وانقطاع المحور الإيراني في المنطقة".
أما "القائد الجديد" ميلو فقال: "الوضع الأمني هش حالياً ويتطلب الاستمرار في الحفاظ على إنجازات الحرب وتعزيزها من أجل صياغة واقع أمني آمن لسكان الشمال".
سبق ذلك تصريحات لمسؤولين آخرين تؤكد: "الحرب الاسرائيلية دفعت الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قراراتها الأخيرة. لقد قتلنا بعد الحرب 243 إرهابياً ومستمرون في عملنا".
للأسف، لم يصدر أي موقف رسمي لبناني رداً على الجولة والمواقف المذكورة. وهذا خطأ جسيم ولا ينسجم مع الورقة الأميركية التي أقرتها الحكومة من جهة، ويتناقض من جهة ثانية مع المبدأ الأساس وهو: "إسرائيل عدو تمارس عدوانيتها" وتكرار الكلام: "إن لا استقرار وتعاف في لبنان مع بقاء الاحتلال الاسرائيلي على أرضنا".
السيد لاريجاني، في المقابل، الذي استبقت زيارته بتصريحات مسؤولين إيرانيين ترفض قرارات الحكومة، وتصرّ على "دعم المقاومة"، قوبلت بعاصفة من المواقف الرافضة، وبعضها دعا الى عدم استقباله. صحّح الموقف قبل الزيارة وصدر كلام عن الخارجية الإيرانية يؤكد على "دعم لبنان في حقه الدفاع عن نفسه والقرارات المتعلقة بذلك شأن داخلي لبناني". مما أدى إلى حصول الزيارة، التي قاطعها وزير الخارجية، لكنه أرسل موفداً عن الوزارة لاستقبال الضيف "المرفوضة زيارته"! تصرّف شعبوي لاسيما وأن الرؤساء الثلاثة سيستقبلونه. كان بالإمكان اللقاء به، وقول ما يجب أن يقال مباشرة من دون مواقف شعبوية!
المهم، جاء لاريجاني سمع كلاماً واضحاً حول حصرية السلاح في يد الدولة. ورفض التدخل في الشؤون الداخلية. وهو بدوره ركّز في تصريحاته على "الحرص على العلاقة مع لبنان" و"حزب الله لديه من النضج التي تؤكد عدم الحاجة الى إملاءات خارجية عليه"، ورمى إشارات في المقابل حول "ضرورة تشاور الدولة مع كل الفرقاء" و"المشورة مع المقاومة". وفي أحد اللقاءات قال لأحد المسؤولين: "نحترم موقفكم في رفض التدخل في شؤونكم الداخلية. لكن تذكروا هذا مستقبلاً فلا تأتوا إلينا لتطلبوا المساعدة مع حزب الله"!
كلام واضح ومؤشر الى دقة وصعوبة وتعقيد الأزمة القائمة الآن والذاهبة الى تصعيد مع الحزب ومن قبله وبالتالي "درجت العادة أن يكون الكلام معنا فإذا عدتم إلينا تذكروا رفضكم التدخل الخارجي في شؤونكم فلن نتدخل"!
الكلام موجّه إلى الداخل اللبناني وإلى الأميركيين وإلى بعض العرب الذين يندفعون بقوة وراء المواقف اللبنانية الأخيرة، بشكل خاص المملكة العربية السعودية، التي تعتبرها إيران صاحبة دور أساسي في هذا الموضوع، من دون أن تسميها علناً. فبشكل مفاجئ جاء موقفها من اليمن مع ما لذلك من دلالات، إذ خرج السيد عبد الملك الحوثي بمواقف تصعيدية لافتة ومعبّرة، غير مسبوقة في ما يخص الشأن اللبناني، فقال: "من الخير للبنان أن تحظى المقاومة بالاحتضان الرسمي والشعبي لا أن تحارب من قوى ومكونات موالية للعدو الاسرائيلي. التوجهات الرسمية في لبنان خاضعة للعدو الاسرائيلي وملبية لإملاءاته. وهذا شيئ مخز. إن بعض المسؤولين في الحكومة اللبنانية يظهرون لؤمهم حتى تجاه حزب الله والمقاومة وتجاه الشعب اللبناني، ومن اللؤم أن تتبنى المنطق الاسرائيلي وتخضع للإملاءات الاسرائيلية ثم تواجه أي مواقف للتضامن مع بلدكم وكأنك سيادي"!
هذا موقف موجه للحكومة ورئيسها ولبعض الخارج أيضاً لأننا لم نر مواقف "حوثية" سابقاً تتعلق بالشأن اللبناني. ويأتي في سياق حركة الآلة الإيرانية حالياً. بعده جاءت مواقف الشيخ نعيم قاسم، فشن هجوماً على الحكومة وقرارها، وذهب بعيداً في التعبير عن موقفه: "الحكومة تتحمل المسؤولية عن أي فتنة قد تحدث وأي انفجار داخلي" و"إما أن يبقى لبنان ونبقى معاً وإما على الدنيا السلام"، "الحكومة بقرارها تخدم المشروع الاسرائيلي" و"سنخوض معركة كربلائية في مواجهة المشروع الاسرائيلي والأميركي".
بعد ذلك، صدر موقف من السراي الحكومي، بعد اجتماع رئيس الحكومة ورئيسي الجمهورية السابقين أمين الجميل وميشال سليمان ورئيسي الحكومة السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة انتقد بوضوح وقوة الاعتداءات الاسرائيلية ودعا الدول الراعية والضامنة إلى ممارسة كل الضغوط لإلزام إسرائيل بوقف عدوانها، وعمليات القتل والاغتيال، واستمرار الاحتلال، وتنفيذ اتفاق وقف العمليات العدائية الموقّع معها. طبعاً هذا ممتاز، لكن لا يبرر عدم صدور موقف رسمي في لبنان يدين زيارة المسؤولين الاسرائيليين ويحمّل إسرائيل مسؤولية ما يجري. كما أكد المجتمعون رفض كلام الشيخ نعيم قاسم، ودعوا إلى تنفيذ القرار الحكومي المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة انسجاماً مع خطاب القسم والبيان الوزاري.
الأسئلة التي تطرح: لماذا لم يعلن الشيخ نعيم مواقفه فور صدور القرار الحكومي؟ لماذا اختار الاعلان عنه بالتزامن مع زيارة لاريجاني وكلام السيد عبد الملك الحوثي؟ ولماذا استخدم الإشارات التي تثير نعرات مذهبية والتهديدات حول مصير لبنان. وهذا أمر خطير جداً؟
نعم للحوار. نعم للنقاش الهادئ. نعم لآلية تنفيذ لا تشعر طائفة كبيرة في لبنان بأنها مستهدفة في ظل هذا الاحتقان والانقسام الداخليين. وكان بإمكان الشيخ نعيم أن يقول: "تبنيتم الورقة الأميركية ومطلوب فيها موافقة إسرائيل وسوريا. هذا جواب إسرائيل وردها عليكم، فماذا تقولون؟ ولماذا تهويل البعض ومحاولة الاستقواء بسوريا "الجديدة"؟
إن أي كلام في الداخل يخرج عن ثوابت التمسّك بعدم إثارة نقاشات وسجالات مذهبية وطائفية، وأي مواقف تنطلق من محاولة استقواء بهذا الخارج أو ذاك، ليفرض اللبنانيون على بعضهم شروطاً، ستكون نتيجتها سلبية، كي لا أقول أكثر من ذلك، لاسيما وأننا جربنا كل ذلك في كل مراحل خلافاتنا.
أما إيران، التي كرر لاريجاني أنها ستقف إلى جانب لبنان، فينبغي التذكير أن أحد كبار مسؤوليها قال أمام مسؤول لبناني بارز في إحدى زياراته إلى بيروت، وقبل اندلاع الحرب الكبرى على البلد: "إذا فعلتها إسرائيل سنتدخل إلى جانبكم". فعلتها إسرائيل ولم تتدخل إيران، ثم فعلتها إسرائيل لاحقاً على أرض إيران، ولسنا بحاجة إلى استخدام قضايانا أوراقاً في سياق التفاوض مع أميركا وغيرها، من العراق حيث أعلن حزب الله هناك دعمه لحزب الله اللبناني، في وجه الحكومة اللبنانية، واليمن، وصولاً إلى لبنان ...
كفى لبنان نزفاً وانقساماً وتهديدات متبادلة وصراعات على أرضه، وخلافات وتحديات داخلية، ولعبة الدول فوق رؤوسنا أكبر من الجميع. فليكن نقاشاً هادئاً حول تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة، وليكن انفتاح على الرئيس نبيه بري، الذي أبدى كل تعاون وإيجابية، ولم يبادل بمثلهما بعد الاتفاق معه، ورغم ذلك دعا بعد لقائه الموفد الأميركي توم باراّك إلى حوار "بشأن حصر السلاح بيد الدولة ولكن ليس بالطريقة المطروحة". لا مصلحة في القطيعة. لا مصلحة في انقطاع التواصل. الأمور لا تحلّ بالقوة والمكاسرة، وتجاربنا مريرة مكلفة في هذا الاتجاه، ولم تأت بإيجابية لصالح كل البلد. فهل نتعلّم؟