الغد-عزيزة علي
يسلط كتاب "الحياة القديمة في تراث أجدادنا الشعبي في الأردن وفلسطين"، للباحث سامر محيي الدين حشيمة، الضوء على أهمية الإرث الشعبي المشترك بين الشعبين الأردني والفلسطيني، باعتباره امتداداً لحياة الأجداد والآباء، وما تحمله من رموز ومعانٍ عميقة تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، من مأكل وملبس وعادات اجتماعية وأمثال وحكايات شعبية.
وينطلق الكتاب الصادر بدعمٍ من وزارة الثقافة، من فكرة محورية تؤكد أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو حاضر متجدد يشكّل أساس الهوية ومرجعيتها، كما يدعو إلى ضرورة الحفاظ عليه في ظل التغيرات المتسارعة التي فرضتها العولمة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية.
ويبرز المؤلف أهمية توثيق هذا الموروث وإحيائه عبر الأجيال، من خلال التربية والتوعية والمناهج التعليمية، إلى جانب دور الأسرة والدولة والمؤسسات الثقافية في صونه وحمايته من الاندثار.
يأتي التراث بوصفه أحد أهم ركائز الهوية الثقافية لأي شعب، فهو الوعاء الذي يحفظ الذاكرة الجمعية، ويجسد ملامح الحياة الاجتماعية والفكرية التي عاشها الأجداد عبر أجيال متعاقبة. ومن خلاله تتجلى قيم الأصالة والانتماء، وتتضح الصورة الحقيقية لتاريخ الأمم ومسيرتها الحضارية، بما تحمله من عادات وتقاليد وفنون وممارسات شكلت في مجموعها شخصية المجتمع وخصوصيته.
ويقول المؤلف سامر حشيمة في مقدمته: "من فات قديمه تاه"، مؤكداً أن من لا يستند إلى ماضيه لا يستطيع أن يبني مستقبله. فالتراث يحمل قيمة كبيرة في حياة الأفراد والشعوب، ولا يقتصر على شعب بعينه، بل تحرص جميع الشعوب على الاهتمام بتراثها لتكون قادرة على بناء حضارة متجددة. ويشمل التراث التقاليد والفنون والآداب بمختلف أشكالها، وهي امتداد لما خلّفه السابقون.
وللتراث فروع متعددة، منها الإنساني والأدبي والشعبي، ولكل شعب تراثه الخاص الذي يميّزه. ويُعرَّف التراث الشعبي بأنه كل ما ورثه الشعب من عادات وتقاليد وفنون ومقتنيات مادية وغيرها عن أسلافه؛ إذ يُعد علامة فارقة تميّز الشعوب وتُشكّل هويتها الخاصة. أما التراث الإنساني فهو أوسع نطاقاً، إذ يضم كل ما توارثته البشرية عبر الأجيال والحضارات، حتى أصبح اليوم ثرياً بمكوناته وعناصره.
ويوضح المؤلف أن التراث يُعد الحاضنة التاريخية للشعوب، ومن هنا فإن الحفاظ عليه يُعد من الأولويات القصوى. إلا أن العولمة وتسارع نمط الحياة قد جعلا هذه المهمة أكثر صعوبة أمام المهتمين بصون التراث ونقله إلى الأجيال القادمة.
ويرى حشيمة أن التراث في الوقت الراهن يتعرض للعديد من التهديدات والتحديات التي تؤدي إلى تآكله واضمحلاله، وهو ما يشكّل ضرراً يمس مختلف الشعوب نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. ولذلك، تبرز الحاجة إلى بذل جهود كبيرة للحفاظ على التراث وصونه من الضياع، سواء على الصعيد الوطني أو على المستوى العالمي.
كما يؤكد المؤلف أن من أهم وسائل الحفاظ على التراث تعريف الأجيال الناشئة به منذ الصغر، باستخدام أساليب تربوية مناسبة تتوافق مع مختلف المراحل العمرية. وإلى جانب ذلك، تقع مسؤولية الحفاظ على التراث أيضاً على عاتق الأسرة، باعتبارها النواة الأولى للتنشئة.
غير أن بعض الأسر قد تنحرف عن هذا الدور، من خلال تعريض الأطفال لأفكار وثقافات دخيلة لا تتناسب مع قيم المجتمع، مما قد يؤدي إلى استبدال التراث بما يحمله من قيم ومكوّنات أصيلة بأفكار هدامة، وهو ما يهدد في نهاية المطاف بطمس الهويات الثقافية للشعوب المختلفة.
بالإضافة إلى ما سبق، يرى المؤلف أن مسؤولية الحفاظ على التراث لا تقع على الأفراد والأسر فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الدولة نفسها. فمساعي التطور والتحديث لا ينبغي أن تكون على حساب التراث والأصالة والعادات والتقاليد، إذ إن هناك العديد من التجارب الناجحة التي أثبتت إمكانية تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
ودعا حشيمة إلى التمسك بتراث الآباء والأجداد، واصفاً إياهم بأنهم "الأصل، وهم من وضعوا لنا أسلوباً ومنهجاً في التعامل مع مختلف جوانب الحياة، لا سيما في ما يتعلق بالأكل السليم، وإكرام الضيف، وغيرها من القيم الاجتماعية الأصيلة".
كما يوضح المؤلف أن أهمية الفلكلور تكمن في كونه وسيلة لنقل المعرفة والثقافة من جيل إلى آخر، إضافة إلى كونه جسراً يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، بما يضمن الحفاظ على هذا الإرث الإنساني. ويُعد الفلكلور عنصراً أساسياً في ترسيخ الاستمرارية وتعزيز الهوية، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات الإنسانية جمعاء.
ويضيف حشيمة أن أبسط ما يمكن فعله للحفاظ على التراث الأردني والفلسطيني، "على أقل تقدير الرجوع جيلًا أو جيلين" من التغيير والتبديل والتزوير والسرقة، هو العمل على صونه وإحيائه قدر الإمكان، وعدم السماح باستبداله بالكامل بالحديث، إلا في حدود المعقول. كما يؤكد ضرورة تعريف الأجيال الجديدة بجميع عناصر هذا التراث، بدءاً من اللهجة واللباس والعادات والتقاليد، مروراً بالأمثال والحكايات والمأكولات، وصولاً إلى مختلف المكونات الثقافية المرتبطة به.
ويدعو المؤلف أيضاً إلى إنشاء المتاحف والمعارض التي تُعنى بنشر الثقافة التراثية، مؤكداً أن هذا التراث عميق وزاخر ورفيع المستوى، ويشكّل مصدر فخر، وشاهداً على عراقة الشعبين الأردني والفلسطيني، وتمسكهما بعاداتهما ولهجتهما ولغتهما ودينهما وأسلوبهما المميز عن غيرهما من الشعوب.
ويشدد حشيمة على ضرورة أن تعي الشعوب أهمية الحفاظ على تراثها، لما له من دور في تجسيد تاريخها، والتعبير عن حاضرها، وصياغة مستقبلها. كما يؤكد أهمية تفعيل دور جميع الجهات المعنية بصون التراث، سواء على مستوى الأفراد أو الحكومات أو المؤسسات التعليمية أو مؤسسات المجتمع المدني.
وفي هذا السياق، يدعو إلى نشر الوعي التراثي في المدارس، وتعريف الطلبة بأهم الموروثات الثقافية وامتدادها التاريخي، إضافة إلى تنظيم معارض متخصصة في التراث الشعبي تعرض المكونات التراثية القديمة، وتعكس جانباً مهماً من الهوية الثقافية للشعوب. كما يشدد على ضرورة وضع استراتيجيات وطنية تهدف إلى تعزيز الوعي بالتراث، وترسيخ الحرص على الحفاظ على المكتسبات التاريخية والحضارية.
وفي خاتمة الكتاب، يوضح حشيمة أن التراث الشعبي الأردني والفلسطيني يعبر عن مجموعة من الفنون القديمة المرتبطة بعادات وتقاليد الشعبين، وقد انتقلت المعارف المتعلقة بهذا التراث عبر الأجيال من خلال الروايات الشفهية والمكتوبة على حد سواء.
ويجسد هذا التراث ملامح الأصالة وعبق الماضي وذكريات الأجيال السابقة، حاملاً قيم الكرم والشهامة والنخوة والعزيمة.
ويؤكد المؤلف أن التراث يُعد الركيزة الأساسية لكل الحضارات، إذ يحفظ للأمة هويتها ويضمن استمرارها عبر العصور. وفي إطار إحياء هذا الإرث الثقافي، يسعى الإنسان إلى استحضار الماضي لفهم الحاضر وبناء المستقبل على أسس أكثر رسوخاً.
ويوضح المؤلف أن الكتاب يتضمن عرضاً للتراث الأردني والفلسطيني في حياة الأجداد والآباء، بما يحمله من رموز ودلالات عميقة، مع تسليط الضوء على بعض أشهر الأطباق الشعبية الأردنية والفلسطينية، والتطرق إلى أبرز العادات والتقاليد المتوارثة.
ويضم التراث الشعبي الأردني والفلسطيني مجموعة متنوعة من العناصر التي تعكس غناه وعمقه التاريخي. ومن أبرز هذه العناصر الأزياء التقليدية المزخرفة والمطرزة بدقة، والفنون الشعبية مثل الدبكة والسامر والأغاني التراثية. كما يشمل أدوات ومقتنيات منزلية مثل بيت الشعر والمنسوجات اليدوية المميزة، إلى جانب الأطعمة الشعبية الشهيرة كالمسخن والمنسف والرشوف والمكمورة وغيرها.
ولا يكتمل هذا التراث دون العادات والتقاليد الاجتماعية التي تتجلى في مظاهر متعددة، مثل إكرام الضيف، وتقاليد تقديم القهوة العربية الأصيلة، وغيرها من القيم التي تعكس أصالة المجتمع وكرم ضيافته.