الاقتراع يعيد رسم خريطة النواب.. توافقات متعثرة وكتل مهلهلة
الغد-جهاد المنسي
أفرزت انتخابات المكتب الدائم لمجلس النواب العشرين في دورته الثالثة مشهدا نيابيا مختلفا عما رسمته التفاهمات المسبقة بين الكتل، بعدما أخفق الاتفاق الذي جمع أربع كتل حزبية في تمرير معظم مرشحيه، باستثناء مرشحها لموقع رئاسة المجلس د.إبراهيم الطراونة، فيما تمكنت كتلة حزب الأمة من فرض حضورها في المكتب الدائم، عبر فوز مرشحها مالك الطهراوي بأحد موقعي مساعدي الرئيس.
واللافت في الانتخابات أن المواقع الخمسة في المكتب الدائم ذهبت إلى نواب جدد لم يسبق لهم شغل هذه المواقع، ما يعني أن المجلس يدخل دورته العادية الثالثة بقيادة جديدة بالكامل، تضم إبراهيم الطراونة رئيساً، وآية الله فريحات نائباً أول، ومحمد سلامة الغويري نائباً ثانياً، ومالك الطهراوي ورانيا أبو رمان مساعدين للرئيس.
لكن أهمية النتائج لا تقف عند حدود تغيير الوجوه، بل تتجاوزها إلى ما كشفته من اختلال في حسابات الكتل، وتراجع قدرة التفاهمات الحزبية على فرض خياراتها داخل صندوق الاقتراع، رغم الاتفاق المسبق على توزيع المواقع وتحديد مرشحيها.
فالتفاهم الذي جمع كتل الميثاق ومبادرة وعزم والأحزاب الوسطية والإصلاح، ووزع مواقع المكتب الدائم على أساس الحصص الكتلوية، بدا وكأنه اتفاق مكتمل قبل الوصول إلى قبة المجلس.
فقد خُصصت الرئاسة للميثاق، والنائب الأول لمبادرة، والنائب الثاني لعزم، وموقعا المساعدين للأحزاب الوسطية والإصلاح، غير أن الاقتراع أظهر أن الاتفاق السياسي بين قيادات الكتل لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على ضمان أصوات النواب.
وكان الطراونة الاستثناء الأبرز في هذه المعادلة، إذ تمكن من الفوز برئاسة المجلس، عبر انتخابات صعبة كانت قاب قوسين أو أدنى من الدخول في جولة ثانية، فيما جاءت نتيجة انتخاب النائب الأول مخالفة للتفاهمات بصورة واضحة، بفوز النائب آية الله فريحات بـ88 صوتاً مقابل 46 للنائب أحمد الهميسات، مرشح كتلة مبادرة، وهي نتيجة يصعب قراءتها باعتبارها اختلافاً محدوداً في الخيارات، بالنظر إلى الفارق الكبير بين المرشحين، وما رافقها من انسحابات وخلافات داخلية واستقالات نيابية معلنة.
وفي موقع النائب الثاني، لم تكن الأمور أكثر سهولة، إذ احتاج المجلس إلى جولتين لحسم المنافسة بين النائب محمد سلامة الغويري والنائب وصفي حداد، بعد أن أظهرت الجولة الأولى تشتت الأصوات بين ثلاثة مرشحين. وفي الجولة الثانية فاز الغويري بـ85 صوتاً مقابل 48 لحداد، في نتيجة عكست مجدداً أن التفاهمات المسبقة لم تكن كافية لحسم الموقع وفق التوزيع الذي اتفقت عليه الكتل.
أما انتخابات مساعدي الرئيس، فقد حملت تطوراً سياسياً مهماً تمثل في وصول مرشح كتلة حزب الأمة مالك الطهراوي إلى المكتب الدائم، بعد حصوله على 84 صوتاً، إلى جانب فوز رانيا أبو رمان بـ70 صوتاً، فيما حصلت نجمة الهواوشة على 44 صوتاً وآيات بني عيسى على 26 صوتاً.
ويكتسب فوز الطهراوي أهمية خاصة بالنظر إلى أن كتلة حزب الأمة لم تكن طرفاً في تفاهمات توزيع المواقع التي أعلنتها الكتل الأربع، بل كانت قد أعلنت مبكراً ترشيحه لموقع مساعد الرئيس، وطالبت بأن تكون التفاهمات أكثر شمولاً وتمثيلاً لمكونات المجلس. وبذلك استطاعت الكتلة أن تنتقل من الاعتراض على استبعادها من التفاهمات إلى تحقيق حضور فعلي في المكتب الدائم عبر الانتخابات.
وهنا تبرز إحدى أهم نتائج الانتخابات، وهي أن مجلس النواب بات يضم محورين نيابيين متوازيين في الحضور والتأثير السياسي؛ الأول تمثله الكتل الأربع التي دخلت في تفاهمات توزيع مواقع المكتب الدائم، والثاني تمثله كتلة حزب الأمة ونواب مستقلين ونواب من الكتل الاربعة رافضين فكرة المحاصصة..
وهذه المعادلة لا تعني بالضرورة انقسام المجلس إلى جبهتين متقابلتين في كل الملفات، لكنها تعكس وجود مركزين سياسيين سيكون لكل منهما وزنه في النقاشات والاستحقاقات المقبلة.
وفي المقابل، أظهرت نتائج الانتخابات تهلهلاً في قدرة الكتل الحزبية على إدارة استحقاقاتها الداخلية، فالاتفاقات التي صيغت على مستوى رؤساء الكتل ولجان التفاوض لم تنعكس بالقدر المتوقع على سلوك النواب تحت القبة، وهذا يطرح سؤالاً يتجاوز انتخابات المكتب الدائم إلى جوهر تجربة التحديث السياسي: ما قيمة الكتلة الحزبية إذا لم تكن قادرة على بناء موقف مشترك، أو إقناع أعضائها بقراراتها، أو إدارة الاختلاف داخلها؟
فالتوافق السياسي ليس مشكلة بحد ذاته، بل هو أحد أدوات العمل البرلماني، لكن تحويله إلى صيغة لتوزيع المواقع دون امتلاك قاعدة تنظيمية قادرة على حمايته يجعل الاتفاقات عرضة للاهتزاز عند أول اختبار انتخابي. وما جرى يبين أن القرار النيابي لا يمكن اختزاله في تفاهمات القيادات، وأن النائب يحتفظ بخياراته داخل صندوق الاقتراع السري، وهو ما يتطلب من الأحزاب تطوير أدواتها في الإقناع والعمل الجماعي، بدلاً من الاكتفاء بالتفاهمات المسبقة.
كما أن وصول خمسة نواب جدد إلى مواقع المكتب الدائم يضع المجلس أمام فرصة لإعادة تشكيل أسلوب إدارته، لكنه يفرض في الوقت ذاته مسؤولية أكبر على أعضائه لإثبات قدرتهم على العمل كفريق مؤسسي، بعيداً عن الحسابات التي رافقت الانتخابات. فالمكتب الدائم ليس توزيعاً للمكاسب بين الكتل، وإنما قيادة مسؤولة عن انتظام العمل النيابي وإدارة الجلسات وتنظيم الأولويات التشريعية والرقابية.
وتزداد أهمية ذلك مع دخول المجلس دورته العادية الثالثة، التي تنتظره فيها ملفات ثقيلة، أبرزها الموازنة العامة، وقانون الضمان الاجتماعي، وقانون العمل، إلى جانب استحقاقات تشريعية ورقابية واقتصادية تتطلب قدراً عالياً من التنسيق والتعاون.
وسيكون رئيس المجلس إبراهيم الطراونة أمام مهمة جمع مكتب تشكل عبر منافسة انتخابية لم تنجح التفاهمات في ضبطها بالكامل، والعمل على منع انتقال الخلافات الكتلوية إلى إدارة المجلس، خصوصاً أن نتائج الانتخابات أظهرت أن التوازنات السياسية لا يمكن إدارتها بمنطق الحصص وحده.
في المحصلة، كشفت انتخابات المكتب الدائم عن ثلاثة تحولات متداخلة: قيادة نيابية جديدة بالكامل، وتراجع قدرة التفاهمات الحزبية على فرض مرشحيها، ونجاح حزب الأمة في انتزاع موقع داخل المكتب الدائم .
والرسالة الأوضح أن صندوق الاقتراع أعاد رسم خريطة النفوذ داخل المجلس، وأن الكتل التي تفاوضت على توزيع المواقع لم تعد وحدها صاحبة القدرة على تحديد مخرجات العملية النيابية.
أما الاختبار الحقيقي فيبدأ الآن: هل يستطيع المكتب الجديد تحويل هذا التعدد إلى شراكة منتجة، أم أن خلافات الانتخابات ستبقى حاضرة في كل استحقاق نيابي مقبل؟