الكوميديا... الحرارية والتضامن المزاجي * رنا حداد
الدستور -
في الوقت الذي تتصبب فيه الشوارع عرقًا، وتتحول الأرصفة إلى ألواح طاقة شمسية، يخرج الأردنيون من جيوبهم سلاحهم الأقدم والأكثر فعالية: النكتة لمجابهة هذا «الحر» غير المسبوق.
لا مبردات هواء، ولا أجهزة تكييف مركزية، بل «كوميديا حرارية» تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والشمس، وتحوّل موجة الحر، إلى مهرجان ضحك جماعي.
على صفحات «فيسبوك» و»إنستغرام» و»تويتر»، تناقل الأردنيون تعليقات طريفة وكأنهم في مسابقة وطنية لإختيار أذكى تشبيه، وأطرف تعليق. من: «الجو خليجي والراتب أردني»، إلى «اليوم أدفى من مبارح»، ونشر صورة لمجموعة شمسية كُتب عليها: «الأردن كوكب تابع للشمس مباشرة». حتى المقاطع المصورة لم تسلم من السخرية، فهناك من خرج للشارع يحمل مقلاة فوق سيارة ظهرًا، يختبر فيها مدى سرعة نضج البيض في حرارة آب.
وفي البيوت والمقاهي، تتداخل الأحاديث الجادة مع النكات الحرارية. هذه الروح الساخرة ليست وليدة اليوم. فقد اعتاد الاردنيون السخرية في مواجهة الظروف القاسية وباتت السخرية من الواقع، جزءًا من الهوية الأردنية، و»آلية دفاع نفسي» تعزز الترابط الاجتماعي.
فحين يجتمع الناس حول مزحة عن الحر، فإنهم في الحقيقة يخففون من شعورهم بالضغط، ويحافظون على نوع من «التضامن المزاجي» الذي يجعل الجو، ولو لدقائق، أقل قسوة.
لكن «الكوميديا الحرارية»، ليست هروبًا من الواقع بقدر ما هي إعادة صياغته. في بلد يعيش تقلبات اقتصادية ومعيشية، يختار الناس أن يواجهوا قسوة الطقس بنفس الطريقة التي يواجهون بها أي تحدٍّ آخر: بإبتسامة لاذعة ونكتة سريعة الإنتشار. وربما لهذا السبب.
وسط حرارة تلامس الخمسين في بعض المناطق، لا يزال بإمكانك أن تسمع ضحكة صافية قادمة من محل بقالة أو مكتب صغير، جمع الأصدقاء بلا تكييف وكأنها مكيف هواء شعبي.
ستخفّ الموجة الحارة وتنحسر ذروتها مع غروب الشمس، لكن إرث النكات والصور والعبارات سيظل حاضرًا في الذاكرة لأسابيع، يذكّرنا أن في الأردن، الضحك لا يتبخر حتى في أقسى الأجواء.