"يافا وزهرة الأقحوان".. رحلة في أعماق الذات من الرمز إلى الوعي
الغد-عزيزة علي
تتخذ الكاتبة أروى زيدان اللالا من "الحديقة الداخلية" فضاءً رمزيًا لاستكشاف أعماق الإنسان ورحلته في البحث عن ذاته، وذلك في كتابها "يافا وزهرة الأقحوان: رحلة الوعي من الرمز إلى الحياة"، الصادر عن دار الخليج للنشر والتوزيع، حيث تلتقي الحكاية بالتأمل الفلسفي والتحليل النفسي في محاولة لفهم علاقة الإنسان بمشاعره وذاكرته ومخاوفه والبحث عن المعنى.
ويقدم الكتاب شخصية "يافا"، بوصفها نموذجًا للإنسان الذي يجد نفسه وسط ضجيج الحياة وأعبائها منفصلًا تدريجيًا عن ذاته، فتتحول الحديقة إلى مساحة للتأمل واستعادة الحضور الداخلي، ومن خلالها تبدأ رحلة وعي تتدرج من مواجهة المشاعر وفهمها إلى اكتشاف الاتجاه والغاية.
وتبني اللالا هذه الرحلة على ثلاثة رموز رئيسة هي الأقحوان واللافندر ودوار الشمس؛ إذ يمثل الأول الحضور والقدرة على العيش في اللحظة الراهنة، فيما يجسد الثاني السكينة وتنظيم الانفعال، بينما يرمز الثالث إلى الاتجاه والغاية. ومن خلال تفاعل هذه الرموز، يناقش الكتاب فكرة أن الوعي لا يكتمل بمجرد معرفة الذات، وإنما يتحول إلى ممارسة داخلية تساعد الإنسان على التعامل مع الألم والغموض والخوف دون أن يصبح أسيرًا لها.
ولا تقدم "يافا وزهرة الأقحوان"، الحديقة بوصفها ملاذًا دائمًا من الواقع، بل محطة مؤقتة في طريق النضج؛ فالرموز، وفق رؤية المؤلفة، تؤدي دورها عندما تتحول من عناصر خارجية إلى معانٍ وقدرات مستقرة في داخل الإنسان.
ومن هنا تصبح مغادرة الحديقة جزءًا من الرحلة، لا نهايتها، إذ تخرج يافا وهي أكثر قدرة على مواجهة حياتها وفهم مشاعرها واختيار اتجاهها بعيدًا عن الخوف والعادة وتوقعات الآخرين.
تشير اللالا في مقدمة الكتاب إلى أن "الحدائق الداخلية" تعبر رمزيًا عن حاجة الإنسان إلى فهم ذاته والعالم المحيط به؛ فالإنسان، بخلاف الأشياء التي توجد في العالم دون أن تتساءل عن وجودها، لا يكتفي بالحياة، بل يسعى باستمرار إلى منح ما يعيشه معنى.
ولا يستقبل الإنسان الواقع بصورة مباشرة، وإنما يمرره عبر الذاكرة والخوف والأمل والخيال والرموز، فيتحول الواقع في وعيه إلى صور وتأويلات وحكايات. ومن هنا يصبح الرمز وسيلة أساسية لفهم التجارب التي يصعب التعبير عنها بالكلام المباشر.
ومن هذا المنطلق، تنشأ "الحديقة الداخلية"، بحسب المؤلفة، بوصفها مساحة نفسية لا تمثل هروبًا من الواقع أو رفضًا له، وإنما ملاذ يلجأ إليه الإنسان عندما تصبح الحياة الخارجية قاسية أو صاخبة، أو عاجزة عن تفسير ما يشعر به. فحين يكون الألم بلا لغة يصبح أكثر قسوة، وحين يكون الفقد بلا معنى قد يتحول إلى فراغ داخلي مخيف.
لذلك يصنع الإنسان رموزه الخاصة؛ ذكرى أو صورة أو أسطورة أو صلاة أو فكرة أو مكانًا متخيلًا، بما يجعل تجربته أكثر قابلية للفهم والاحتمال. فالرمز، في بدايته، ليس قناعًا يخفي الحقيقة، بل جسر يصل الإنسان بما يعجز عن مواجهته بصورة مباشرة.
ومن خلال هذه الفكرة تظهر شخصية "يافا"، التي لا تقدمها اللالا بوصفها امرأة ذات قصة فردية فحسب، وإنما باعتبارها رمزًا للوعي الإنساني حين يبدأ رحلة البحث عن الذات.
وتدخل يافا الحديقة بعدما أنهكها الضجيج الخارجي وسرعة الحياة والشعور بأنها تؤدي أدوارًا كثيرة من دون أن تكون حاضرة فعلًا في حياتها. إنها تعاني ما يمكن تسميته "إنهاك المعنى"؛ فالأيام تستمر، والواجبات تُنجز، والعلاقات تمضي، لكن مسافة متزايدة تنشأ بينها وبين ذاتها.
وتتحول الحديقة إلى محاولة للعودة إلى الذات، ومكان لا تحتاج فيه يافا إلى التظاهر بالقوة أو النجاح أو التماسك، بل تستطيع أن تكون كما هي. وهنا يوضح النص أن الإنسان قد يتعب ليس فقط من الألم الذي يعيشه، وإنما أيضًا من اضطراره المستمر إلى إخفاء هذا الألم وتمثيل صورة معينة أمام الآخرين. فالحديقة تمنحه مساحة يخلع فيها هذه الأقنعة ويستعيد علاقته بنفسه.
ولا تظهر الحديقة فجأة بصورة مكتملة، بل تتشكل تدريجيًا من خلال ثلاثة رموز أساسية هي: الأقحوان، واللافندر، ودوار الشمس. وهذه الأزهار ليست مجرد عناصر جمالية، وإنما تمثل وظائف أساسية في بناء الوعي.
ويمثل الأقحوان الحضور؛ فهو يعلّم يافا العودة إلى اللحظة الراهنة، وألا تظل أسيرة الماضي أو المستقبل. فالإنسان كثيرًا ما يعيش في الندم أو القلق، فيفقد قدرته على الحضور الحقيقي في اللحظة التي يعيشها.
والحضور لا يعني إلغاء الذاكرة أو القضاء على الخوف، وإنما القدرة على رؤيتهما دون أن يسيطرا على الإنسان بالكامل. فعندما تحزن يافا، لا ينبغي أن تتحول إلى الحزن كله، وعندما تخاف لا تصبح هي الخوف. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الشعور والهوية؛ إذ يمكن للإنسان أن يشعر بالخوف دون أن يكون الخوف، وأن يحمل ذكرى دون أن يعيش داخلها.
أما اللافندر فيمثل السكينة وتنظيم الانفعال. والسكينة، في النص، لا تعني غياب الحزن أو الخوف أو الغضب، ولا قمع المشاعر، وإنما القدرة على مرافقتها دون الوقوع في أسرها. فالمشاعر ليست عدوًا للإنسان، بل إشارات تساعده على فهم علاقته بما يحدث حوله.
وتبدأ المشكلة، بحسب الكتاب، عندما يتحول الخوف إلى حاكم، أو الحزن إلى هوية، أو الغضب إلى أسلوب دائم في رؤية العالم. لذلك يعلّم اللافندر يافا أن تشعر دون أن تنهار، وأن تتألم دون أن تفقد قدرتها على التفكير.
ويرمز دوار الشمس إلى الاتجاه والغاية. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يكون حاضرًا وهادئًا، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة إلى أين يتجه ولماذا يتحرك. فقد ينشغل الإنسان كثيرًا ويحقق إنجازات عديدة، لكنه يظل بلا اتجاه حقيقي. ومن هنا يصبح دوار الشمس صورة لحاجة الإنسان إلى غاية أو معنى ينظم اختياراته ويمنح حركته قيمة.
وتؤكد اللالا أن هذه الرموز الثلاثة مترابطة: الحضور، ثم السكينة، ثم الاتجاه. فلا يستطيع الإنسان تنظيم مشاعره إذا كان غائبًا عن ذاته، ولا يستطيع اختيار طريقه إذا كان غارقًا في الفوضى الداخلية. ومع ذلك، فإن معرفة هذه المبادئ نظريًا لا تكفي؛ إذ يحتاج الوعي إلى ممارسة وتدريب حتى تتحول المعرفة إلى قدرة داخلية حقيقية.
وترى المؤلفة أن الخروج من الحديقة يمثل جزءًا أساسيًا من النضج؛ فالنضج لا يعني التخلص من الرموز أو احتقار الماضي، وإنما فهم حدود كل مرحلة. فالأقحوان يجب أن يعلم يافا الحضور حتى تصبح قادرة على الحضور دون الحاجة إليه، واللافندر عليها أن تتعلم منه السكينة حتى تصبح هذه السكينة قدرة داخلية لا تعتمد على رمز خارجي، فيما ينبغي لدوار الشمس أن يعلمها الاتجاه حتى تستطيع متابعة طريقها حتى عندما لا يكون الضوء واضحًا.
ويعني ذلك أن الرمز الحقيقي يؤدي وظيفته عندما يصبح الإنسان قادرًا على تجاوزه؛ فلا ينبغي أن يتحول إلى سلطة دائمة، وإنما إلى درس يستقر في الشخصية. لذلك لا تموت الحديقة عندما تخرج منها يافا، بل تتغير طبيعتها؛ فتتحول من مكان تلجأ إليه إلى أثر داخلي يظهر في طريقة نظرها إلى الحياة وتعاملها مع الألم والغموض.
ويجمع الكتاب بين الأدب والفلسفة والتحليل النفسي، فلا تبدو الحكاية مجرد قصة عن امرأة وحديقة، بل محاولة لفهم آليات الوعي الإنساني. فالحديقة تمثل خريطة نفسية: الأقحوان للانتباه والحضور، واللافندر لتنظيم الانفعال، ودوار الشمس للهدف والاتجاه.
ومن خلال هذه الرموز، يدعو الكتاب القارئ إلى مساءلة ذاته: أين يغيب انتباهي؟ وكيف أتعامل مع مشاعري؟ وما الاتجاه الذي اخترته فعلًا؟ وهل هو نابع مني أم من الخوف والعادة وتوقعات الآخرين؟ وتبين اللالا أن الحرية الداخلية تبدأ من فهم الذات؛ فقد يمتلك الإنسان خيارات كثيرة في الخارج، لكنه يظل أسيرًا لخوف أو نمط أو تعلق لا يدركه. وكلما استطاع أن يميز بين حاجاته الحقيقية ومخاوفه، وبين مشاعره وهويته، وبين المعنى الذي يساعده والمعنى الذي يقيده، أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات حرة.
وتخلص المؤلفة إلى أن رحلة يافا لا تقدم خلاصًا نهائيًا أو إجابات كاملة؛ فهي لا تهزم الغموض، ولا تتخلص من الألم، ولا تصبح إنسانة مكتملة، وإنما تتعلم كيف تعيش رغم الغموض، وكيف تواجه هشاشتها دون أن تهرب منها، وكيف تستخدم الرموز دون أن تصبح أسيرة لها.