الغد
سام كيلي* - (الإندبندنت) 2025/8/11
نتنياهو يقود إسرائيل نحو عزلة دولية واستبداد داخلي من خلال إعلان خطة لإعادة احتلال غزة، تعتمد على الدعم الأميركي وتؤدي إلى مفاقمة الأزمة الإنسانية. وتواجه الخطة رفضاً شعبياً وعسكرياً متزايداً، وتهدد بتقويض الديمقراطية وحل الدولتين. ومع تعليق ألمانيا مبيعات الأسلحة لتل أبيب، يواجه رئيس الوزراء عزلة دولية متزايدة، ولا يستطيع أحد إيقافه سوى واشنطن.
يعتقد بنيامين نتنياهو أنه وجد أخيراً حلاً لغزة: إعادة احتلال كامل للقطاع البالغة مساحته 365 كيلومتراً مربعاً (141 ميلاً مربعاً)، والقيم بإجلاء جماعي لسكانه في "استيلاء" يشوه الديمقراطية المحلية في إسرائيل، ويعرض الدولة إلى خطر إدراجها على رأس قائمة الدول المنبوذة.
هذه لحظة مفصلية يمكن أن تعمق الانقسام بين أوروبا وأميركا، حيث تتردد تقارير عن إطلاع دونالد ترامب مسبقاً على الخطة الإسرائيلية المقررة لغزة. وفي المقابل، تدرك المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية أنها تساق إلى فخ نصبته لها "حماس"، وإنما بأوامر صادرة عن نتنياهو.
تعارض "حماس" حل الدولتين الذي سيؤدي إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل لأنها تريد زوال الدولة اليهودية. كما أن الاحتلال الإسرائيلي الإضافي لغزة يضمن استحالة تطبيق حل الدولتين.
كما يبدو، لا يهتم رئيس وزراء إسرائيل إلا ببقائه التكتيكي قريب الأجل في منصبه. وهو مستعد، من أجل تحقيق هذا الغرض، للمخاطرة ببقاء إسرائيل نفسها في الأجل البعيد. لا يهمه انتفاء مزاعم إسرائيل بأنها دولة ديمقراطية مع دخول الدبابات الإسرائيلية إلى مدينة غزة -المقرر أن يكتمل بحلول السابع من تشرين الأول (أكتوبر) من العام الحالي. والأسوأ بالنسبة إلى إسرائيل، في ظل الإدانات الدولية التي تبعت قرار نتنياهو شن "حرب أبدية"، هو أن الدولة اليهودية ستواجه حتماً عقوبات بحلول نهاية العام.
من الصعب تصور كيف ستتجنب إسرائيل موجة الغضب التي ستولدها أعمال نتنياهو، بالنظر إلى انحسار الدعم العالمي الذي تمتعت به إجراءات إسرائيل في غزة حتى الآن.
وحتى ألمانيا التي دافعت طويلاً عن نتنياهو وسياسات إسرائيل، تحولت بالفعل إلى اتخاذ موقف يحظر بيع أي أسلحة يمكن أن تستخدم في غزة. وقد يؤثر ذلك في مصير تراخيص تجيز تصدير معدات عسكرية إلى إسرائيل بقيمة 485 مليون يورو (564 مليون دولار) كانت قد منحت بين السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 إلى 13 أيار (مايو) الماضي.
بالإضافة إلى ذلك، سوف تأتي العقوبات الاقتصادية الأوروبية والحظر الأوروبي على سفر الإسرائيليين -أو ينبغي أن تأتي- إذا استمر قتل الغزيين. وقد أدانت أستراليا قرار نتنياهو. وتتصدر جنوب أفريقيا الجهود الساعية إلى مقاضاة إسرائيليين بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب مزعومة.
ووفق "معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة"، قدمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل مساعدات عسكرية بقيمة 22.8 مليار دولار (16.8 مليار جنيه إسترليني) في السنة الأولى من حملة إسرائيل على غزة.
وجاء في تقرير أصدره "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024: "كانت إسرائيل أكبر متلق إجمالي للمساعدات الخارجية الأميركية منذ تأسيسها، إذ حصلت على مساعدات اقتصادية وعسكرية إجمالية بقيمة تساوي نحو 310 مليارات دولار (بعد احتساب أثر التضخم)".
بمعنى آخر، لا يمكن لإسرائيل المضي قدماً في خططها الجديدة الخاصة بغزة من دون المال والسلاح الأميركيين. وفي الوقت الحالي، تبدو الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة توفير المال والسلاح، لكن ذلك سيكون على حساب اضطراب سياسي داخلي. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" في تموز (يوليو) الماضي، أن 60 في المائة من الأميركيين يعارضون الآن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة -مع العلم بأن نتائج الاستطلاع صدرت قبل التصعيد العسكري الأخير.
بغض النظر عن مدى ذعر أوروبا وبقية العالم مما يفعله نتنياهو، تبدو إدارة ترامب حتى الآن مؤيدة له. وقد ظهرت تقارير عن تخطيطها للمساعدة في المرحلة التالية عبر جهود "إنسانية" تستهدف رعاية سكان غزة.
غير أن الجهود الأميركية الإسرائيلية المشتركة الحالية في هذا الصدد، من خلال ما يعرف بـ"مؤسسة غزة الإنسانية"، كانت كارثة كاملة أدانتها منظمة "أطباء بلا حدود"، وسط مزاعم عن "عمليات قتل مدبرة" نفذتها القوات الإسرائيلية ومرتزقة أميركيون.
وقالت المديرة العامة للمنظمة، راكيل أيورا: "هناك أطفال أطلق عليهم الرصاص في الصدر أثناء محاولتهم الوصول إلى الطعام. ثمة أناس سحقوا أو اختنقوا في حالات تدافع. وحشود كاملة وقعت في مرمى النيران في نقاط مخصصة لتوزيع المساعدات". وأضافت: "خلال ما يقرب من 54 عاماً من العمليات التي نفذتها ’أطباء بلا حدود‘، نادراً ما شهدنا هذا المستوى من العنف المنهجي ضد مدنيين عزل. لقد تحولت مواقع توزيع ’مؤسسة غزة الإنسانية‘ التي توفر في ظاهر الأمور ’مساعدات‘ إلى تجارب تنطوي على قسوة بالغة".
من جهتها، نفت المؤسسة مزاعم المنظمة كلها ووصفتها بأنها "كاذبة وشائنة -وتروج لحملة تضليل دبرتها وزارة الصحة في غزة المرتبطة بـ’حماس‘".
لكنّ من غير الممكن إنكار حجم المآسي في غزة، أو استبعاد أن يؤدي قرار إسرائيل زيادة جهودها العسكرية هناك إلى مزيد من إراقة الدماء وترسيخ الاحتلال الإسرائيلي.
ومع إجبار الناس على الانتقال إلى مخيمات أكثر اكتظاظاً، يتحول انجراف إسرائيل نحو الاستبداد إلى اندفاع. وقد قوض نتنياهو بالفعل استقلال السلطات القضائية في البلاد بتشريعات تضعها تحت سلطة السياسيين. وأخيراً أقال النائب العام الذي يتولى مقاضاته.
سوف تضطر إسرائيل إلى مواصلة حشد أعداد ضخمة من المجندين والجنود الاحتياطيين لمصلحة عملية عسكرية يراها كبار الضباط خطة غبية وخطرة. وتفيد التقارير بأن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، اضطر إلى الصراخ في اجتماع للحكومة الأمنية المصغرة، محذراً من أن خطة إعادة الاحتلال ستؤدي إلى مقتل الرهائن الذين تحتفظ بهم "حماس" جميعاً.
في المقابل، هناك أعداد متزايدة من الجنود الاحتياطيين الذين يرفضون القتال في غزة. وعلى الرغم من أن الإعلام الإسرائيلي يخفي الكثير من الحقائق حول ما يجري في القطاع عن معظم السكان، بدأت الوقائع تتسرب إليهم.
لقد أصبح الكثير من الجنود منهكين ببساطة مما بات الآن يبدو "حرب نتنياهو الأبدية". وسوف يستغرق الأمر أعواماً من القتال قبل أن تتمكن إسرائيل من فرض أي شكل من أشكال "السيطرة" على غزة. وسيتطلب ذلك عشرات الآلاف من الجنود لتشغيل نقاط التفتيش والسيطرة على ما تبقى من السكان.
ومع ذلك، وافقت حكومة نتنياهو الأمنية المصغرة على الخطة بعد جلسة استمرت طوال الليل، جادل فيها زامير أيضاً لمصلحة خطة تقضي بتطويق "حماس" وإطلاق سراح نحو 20 رهينة ما يزالون أحياء بعد أسرهم قبل 22 شهراً.
لكن نتنياهو انتصر بناء على خطة تستند إلى خمسة مبادئ.
الأهداف المعلنة للحرب هي نزع سلاح "حماس"؛ وإنقاذ الرهائن؛ ونزع السلاح في غزة بشكل كامل؛ وإبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على كامل القطاع؛ ثم فرض إدارة مدنية لا تتبع لـ"حماس" ولا للسلطة الفلسطينية (التي تدير بعض مناطق الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل).
في الحقيقة، تهدف هذه الخطة إلى إعادة احتلال غزة بشكل دائم، تماماً كما يستمر الاحتلال المؤقت للضفة الغربية منذ حرب الأيام الستة في العام 1967 وحتى اليوم.
الضفة الغربية، حيث تم تشجيع الفلسطينيين على الاعتقاد بأنهم سيقيمون دولة يوماً ما، قسمت إلى مناطق حضرية تحت إدارة السلطة الفلسطينية، ومنح غير اليهود فيها حكماً ذاتياً محدوداً، بينما تلتهم بقية الأراضي ببناء مستوطنات يهودية حصرية. وهذا نظام فصل عنصري أوسع نطاقًا مما كانت تطبقه حكومات جنوب أفريقيا البيضاء العنصرية بعد الحرب العالمية الثانية.
يريد أعضاء في حكومة نتنياهو تجديد الاستيطان الإسرائيلي في غزة بشكل دائم. وسيتم إجبار ما لا يقل عن مليون من سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة على الرحيل في المرحلة الأولى من حملة إعادة الاحتلال. وهؤلاء سكان تفيد الأمم المتحدة بأنهم وصلوا مسبقًا إلى حافة المجاعة. ويفترض نتنياهو أن دافعي الضرائب الأميركيين مستعدون لتمويل خطة تؤدي إلى هذه النتائج.
*سام كيلي Sam Kelly: كاتب وصحفي بريطاني ومحرر للشؤون الدولية في صحيفة "الإندبندنت". يتمتع بخبرة واسعة في تغطية الصراعات السياسية والقضايا الجيوسياسية حول العالم. اشتهر بتحقيقاته وتحليلاته العميقة التي تتناول العلاقات الدولية، خاصة في مناطق النزاع مثل الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. يعرف بأسلوبه الصحفي الدقيق والموضوعي. تنشر مقالاته أيضًا في "الغارديان" ووسائل إعلامية دولية مرموقة.