عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Aug-2026

إيران تشدد الضغط وتوسع الساحة لكنها لم تهجر الدبلوماسية

 الغد

هآرتس
 
تسفي برئيل   31/7/2026
 
من بين مئات الأهداف التي هاجمتها القوات الأميركية في إيران في الأسبوعين الأخيرين، قواعد صواريخ وسفن على طول الشاطئ الغربي لإيران، ومحطات تقوية الإشارة وجسور ومستودعات صواريخ ومصانع طائرات بدون طيار وقواعد للحرس الثوري والجيش، إضافة إلى جسور ومحطات ثانوية لتوليد الطاقة. وحتى الآن ما زالت البنى التحتية المدنية الرئيسية والمباني العامة والمؤسسات الحكومية خالية من الأضرار الكبيرة. ولكن التقارير التي تأتي من إيران تشير إلى صعوبة زائدة في ممارسة حياة طبيعية.
 
 
تضررت طرق امداد الغذاء والدواء، وتفاقمت أزمة الكهرباء، التي حتى في الأيام العادية، في أشهر الصيف، تعاني من نقص شديد – أصبحت المشكلة الرئيسية الآن هي صعوبة توفير البنزين والسولار. تنتج إيران حوالي 110 ملايين لتر من البنزين كل يوم، وتستهلك حوالي 130 مليون لتر. في السابق كانت الحكومة تسد هذه الفجوة من خلال الاستيراد، ولكن بسبب نقص الدولارات والأضرار المادية التي لحقت بقنوات الاستيراد، فإنها تفحص الآن رفع أسعار البنزين وخفض حصة الوقود مخفض السعر للمستهلك، والحد من استخدام "بطاقات الوقود" – التي تستخدم كوسيلة لشراء الوقود المدعوم.
في جلسة لمجلس الوزراء في يوم الأربعاء الماضي، أشاد الرئيس مسعود بزشكيان بـ"الموقف الثابت" للشعب وقوة المقاومة وسياسة المرشد الأعلى (المختفي) مجتبى خامنئي. ولكنه أضاف أيضا تصريح صارخ يوضح جوهر الخلاف بين أصحاب التوجهات البراغماتية وأصحاب التوجهات الراديكالية. وحذر بزشكيان بقوله: "نحن نقاتل ونعارض الأعداء حتى لا نستسلم للقوة والظلم. وبالمثل، لا يمكننا إجبار الشعب أو قمعه بأنفسنا، لان هذين النهجين متناقضان". هذه ليست المرة الأولى التي يصرح فيها ذلك. بالمناسبة، وافقت الحكومة في نفس الجلسة على دفع حوالي 280 مليون دولار لتسديد ديونها لمحلات بيع المواد الغذائية التي توفر السلع الأساسية المدعومة، وهذا مبلغ قليل مقارنة مع الدين الكبير الذي تراكم على الحكومة خلال فترة الحرب.
بزشكيان لا يوضح سياسة النظام أو إستراتيجيته الحربية، لكنه من بين القلائل في النظام الذين يطالبون باستمرار وبشكل علني باتخاذ خطوات دبلوماسية لمنع انهيار البلاد. محلل إيراني يقيم في الخارج قال لـ"هآرتس": "تكمن المشكلة في أن اشخاص مثل بزشكيان، وحتى قاليباف (محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان ورئيس طاقم التفاوض)، مطالبون بالتعامل مع أجواء النصر، بل والنشوة، التي تسود الآن بين الصقور الذين يقودون الخط المتشدد".
وحسب قوله فإنه "في النقاشات الأخيرة حول تصميم الإستراتيجية، سواء في المجلس الأعلى للأمن القومي أو في لقاءات رؤساء المؤسسة الأمنية، يجري خلق ديناميكية، يظهر فيها من يؤيدون تصعيد الحرب إنجازات ظاهرية، ويخلقون أجواء من النصر القريب. بهذه الطريقة هم يصورون من يطمحون إلى تعزيز التحركات الدبلوماسية بالمتخاذلين، وكأنهم لا يقرأون الخريطة الإستراتيجية بشكل صحيح".
 لقد حقق قاليباف انتصار سياسي في شهر أيار (مايو) الماضي، عندما انتخب كرئيس للبرلمان للمرة السابعة، رغم الانتقادات الشديدة من قبل المتشددين. وفي الشهر الحالي مني اثنان من أشد منافسيه، محمود نابويان وإبراهيم رضائي، بهزيمة مخزية، إذ خسرا منصبيهما – نابويان كنائب أول ورضائي كرئيس – في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية المهمة. لا تؤثر هذه التغييرات كثيرا في رسم ملامح سياسة النظام، لكنها تشير إلى مزاج سياسي، وقد تكون مهمة عندما يطلب من البرلمان مناقشة إجراءات عسكرية أو دبلوماسية، حتى لو كانت هذه القرارات، من ناحية رسمية، لا تتطلب موافقته.
من المهم الإشارة إلى أن المرشد الأعلى في العادة يحرص على الحصول على موافقة البرلمان على أي خطوات مهمة للإظهار بأن النظام يأخذ رأي الشعب في الحسبان من خلال ممثليه في البرلمان. ويملك البرلمان أيضا صلاحية إقالة الوزراء، بل وحتى الرئيس، وبناء توافق في المواقف. فالبرلمان الذي يدعم الرئيس والحركة التي يمثلها، يعزز موقفه في النقاشات مع خصومه في القيادة غير المنتخبة، مثل قائد الحرس الثوري والجيش والهيئات الدينية.
قبل أسبوعين تقريبا وقع 180 عضوا في البرلمان على بيان يطالب بإلغاء مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة في شهر حزيران (يونيو) الماضي، وإلى الانتقام لدم علي خامنئي، وتشكيل لجنة تحقيق في كيفية سير المفاوضات حول مضيق هرمز. هذه الدعوة تشير إلى دعوة مختلفة وهي تبني سياسة هجومية استباقية، بدلا من السياسة الدفاعية التي ميزت معظم النشاط العسكري الإيراني.
لقد تبنى الحرس الثوري بالفعل سياسة مشابهة، ومثلما أوضح مهدي محمدي، مستشار قاليباف للشؤون السياسية والأمنية: "لقد تغير نموذج الدفاع السابق الذي كان يقوم على انتظار هجوم العدو والرد عليه. من الآن فصاعدا لن يسمح للأميركيين بالبقاء في قواعدهم وأماكن اختبائهم الآمنة والتخطيط لأشهر لمهاجمة إيران، بل سيصبحون هدفا في غرف العمليات، وسيتعين عليهم الدفاع عن أنفسهم قبل التفكير في الهجوم". وفي صفحته في التلغرام، التي نقل عنها موقع "حوار أون لاين" الإيراني، أوضح محمدي أن هناك هدفا سياسيا وراء هذا التغيير في طبيعة القتال، وأن هذه ليست حرب من أجل الحرب فقط.
في ذلك الحين كان العدو وحده يستخدم أساليب الضغط لانتزاع تنازلات في المفاوضات، أما الآن فان إيران تتفاوض بالاعتماد على ممارسة الضغط على الأرض وانتزاع التنازلات. وإذا لم يقم الطرف الآخر بالوفاء بالتزاماته فإن إيران ستسترد ثمن ذلك من خلال تصعيد الضغط على الأرض. لذلك، لا حاجة إلى إغلاق باب الحوار لأن المفاوضات تجري من موقع قوة.
يكتسب هذا التفسير أهمية خاصة عند سماعه من مستشار قاليباف، حيث يوضح ليس فقط شعور القيادة بـ"موقع القوة"، بل يوضح أيضا مبررها السياسي لمواصلة القتال، وطبيعة القتال كأداة في الدبلوماسية الإيرانية.
وأشار محمدي في تصريحاته إلى جوانب إضافية وجديدة للإستراتيجية التي ستتبناها إيران، والتي بدأت بعض جوانبها تظهر بالفعل على أرض الواقع. فمثلا، يوضح أن "معركة اليمن (الحوثيين)، والعراق (المليشيات التابعة لإيران) ضد السعودية، وتحركات حزب الله ضد الكيان الصهيوني، والمواجهة المحتملة بين المقاومة العراقية والسورية مع الجولاني (الرئيس السوري أحمد الشرع)، لن تخضع بالضرورة لتوقيت وقواعد الجبهات الأخرى. ففي الأشهر الأخيرة تم بناء جزء كبير من بنية هذا المحور الجديد للمقاومة من أجل أن يعمل حسب قواعد اشتباك أخرى". هنا يتجلى التغيير التكتيكي في عمل وكلاء إيران وتحديد دورها. فهي لم تعد فقط "حلقة نار" تهدف إلى إبعاد النيران عن إيران أو حمايتها، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من سياسة المبادرة العسكرية، التي حسب محمدي، تهدف إلى شن "حرب عسكرية واقتصادية مشتركة من أجل هزيمة العدو". في هذا السياق يقدم محمدي تفسير مبتكر للهجمات التي نفذتها إيران بالتحديد قريبا من موعد المفاوضات أو أثناء المحادثات مع سلطنة عمان حول ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
ويقول: "كانت هذه المحادثات ضرورية من أجل الوفاء ببنود الاتفاق (مذكرة التفاهم التي تنص، ضمن أمور أخرى، على إجراء مفاوضات بين إيران وسلطنة عمان ودول الخليج بشأن ترتيبات الملاحة). وكان انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية مثير للقلق". بكلمات أخرى، الخطوة الدبلوماسية التي زادت الأمل في التوصل إلى اتفاق والتي أدت إلى خفض أسعار النفط، كان يمكن أن تضر بهدف آخر من أهداف الإستراتيجية الإيرانية، وهو إلحاق الضرر بالأسواق الاقتصادية من خلال رفع أسعار النفط، الأمر الذي يجبر ترامب على تقديم المزيد من التنازلات. هنا، حسب محمدي، "تم اعتماد تفكير إستراتيجي مفاده أن الهجوم على الأردن، إضافة إلى الأهداف الأخرى، سيحدث صدمة ثورية في السوق الأردنية ويعوض انخفاض أسعار الطاقة. وفي نفس الوقت فإن الاستهلاك المتهور لاحتياطي النفط الإستراتيجي والذخائر الاعتراضية من قبل الولايات المتحدة خلال حرب الـ40 يوما، وعدم القدرة على تجديدها خلال فترة وقف إطلاق النار، قلص قدرة واشنطن على توسيع نطاق العملية اليوم".
لا تتم معرفة إذا كانت تفسيراته قد آثرت أيضا على متخذي القرارات على المستوى العسكري، لكنها تعكس افتراض القيادة بأن ايران، من حيث القدرة على الاستيعاب، ما زالت اكثر قدرة على المواجهة من الولايات المتحدة ودول الخليج. مع ذلك، اذا كان "الصمود" والبقاء وحدهما يعتبران نصر في بداية الحرب، فان إيران الآن في وضع مختلف. فمن المؤكد ان لديها القدرة على فرض تحركاتها السياسية والحصول على المزيد من التنازلات، وهي تختبر قوتها باستمرار من خلال المحادثات التي تجريها مباشرة مع السعودية ودولة الإمارات، أو عبر باكستان.
في اليوم الذي شن فيه الحوثيون الهجوم على السعودية من الأراضي العراقية مثلا، تحدث وزير الخارجية عباس عراقجي مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان حول "ترتيبات لتهدئة الأوضاع". وفي نهاية شهر حزيران (يونيو) التقى مسؤولون رفيعون من الامارات، بمن فيهم نائب الرئيس الشيخ منصور بن زايد، لإجراء محادثات مباشرة مع قاليباف، وسمحت أبو ظبي بعد ذلك، التي تعرضت للعدد الأكبر من الهجمات بالصواريخ والمسيرات، باستئناف رحلاتها الجوية المدنية بين إيران ودولة الإمارات. هذا إضافة إلى تبادل الاقتراحات حول ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز مع سلطنة عمان في هذا الأسبوع، حتى بعد رفض إيران للاقتراح السابق. يجب الذكر أن السعودية، رغم الهجمات التي تعرضت لها والقصف الذي نفذته بالتعاون مع سلاح الجو الأميركي على قواعد المليشيات في العراق، التزمت بسياسة عدم التصعيد ومنع اندلاع حرب شاملة. وقد أعلنت في هذا الأسبوع عن نيتها تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر وليس في الخليج الفارسي.
يحتمل أن إيران تسعى الآن إلى التوقيع على اتفاقيات "خاصة" مع دول الخليج، بعد أن نفد صبرها إزاء تردد دونالد ترامب والخسائر المالية الكبيرة التي تتكبدها. ويحتمل أيضا أنها تسعى إلى التوقيع على اتفاقيات معها بحيث يتم عرضها على إدارة ترامب كأمر واقع، الأمر الذي سيسمح لها بالعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة بدعم عربي.