عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2026

عقيدة مونرو: عودة الجار السيئ

  الغد

جيفري سومرز* - (كاونتربنش) 3/1/2026
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
أعلن جون كوينسي آدامز، بصفته وزيرًا للخارجية في إدارة الرئيس جيمس مونرو في العام 1823، بجرأة، أن نصف الكرة الغربي ينتمي إلى مجال النفوذ الأميركي. وكانت السياسة الأميركية المتعلقة بذلك واضحة: بينما تواصل الولايات المتحدة الاضطلاع بمهمة "قدرها المتجلّي" المتمثل في غزو معظم دول أميركا الشمالية، يتعيّن على القوى الأخرى كبح طموحاتها في نصف الكرة الغربي.
 
 
أشار الرئيس ترامب إلى عودة الالتزام بـ"عقيدة مونرو" منذ الأيام الأولى لولايته الثانية. وكان ثمة مزيج متقلّب من الاعتبارات الجيوسياسية و"النصف-كروية" والمحلية قيد العمل. فقد دفعت أكبر احتياطيات العالم من "شاي تكساس" (1) بعين سورون الجائلة (2) في واشنطن إلى التوجّه نحو مهد الثورة البوليفارية. وتعتزم إدارة ترامب تنشيط النمو الاقتصادي الأميركي والعالمي من خلال خفض تكاليف الطاقة، كما رأينا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي حين انخفضت أسعار النفط. ويبقى الوقود الأحفوري خيار إدارة ترامب المفضّل من تنويعات "الطاقة القذرة" لتغذية طفرة الذكاء الاصطناعي التي تنوي الولايات المتحدة قيادتها. وليست ناقلات النفط المحمّلة التي تغادر فنزويلا في طريقها إلى الصين جزءًا من هذا البرنامج.
في الأثناء، تتعامل إدارة ترامب مع الرأي العام الأميركي كما لو كان الناس مجموعة من السُّذج الذين يسهل خداعهم. وبينما ينفث سحبًا من الكبريت والدخان من خلف الستار بشأن المخدّرات واعتقالات "إدارة مكافحة المخدرات"، يتوقع الرئيس وزمرته منّا أن نتجاهل أن جارة فنزويلا، كولومبيا، هي -وبفوارق مضاعفة- المصدّر الأكبر للمواد غير المشروعة إلى الولايات المتحدة. ومن حسن حظ كولومبيا أنها تمتلك الاحتياطي الرابع والثلاثين عالميًا من النفط، وليس الأول، وهي -على النقيض من فنزويلا- ليست دولة تتعامل مع الولايات المتحدة من موقع الاستعطاف؛ وعليه، لا يُتوقّع أن يقوم العم سام -أعني عملاء إدارة مكافحة المخدرات- باعتقال أيّ من قادتها وسوقهم بالأصفاد إلى نيويورك.
حظيت أميركا اللاتينية لنحو عقدين من تراجع الاهتمام من جارتها الشمالية الآخذة في الضعف، ولو أنها ظلّت قوية، خلال القرن الحادي والعشرين. حدث ذلك عندما انسحبت الولايات المتحدة جزئيًا من أميركا اللاتينية بسبب انشغالها بحرب ديك تشيني على العراق في العام 2003. في نهاية المطاف لا يمكن فعل كلّ شيء في آن واحد. وعندما لم يكن تشيني يطلق النار على رفقاء الصيد في الوجه ثم يطالبهم بالاعتذار لاحقًا (3)، كان تركيزه محصورًا أساسًا في مكانين: العراق وروسيا. وتحوّل كلٌّ من العراق وروسيا إلى هدفَين لـ"اتفاق مولوتوف-ريبنتروب" بين ديمقراطيين ليبراليين تدخّليين وجمهوريين من المحافظين الجدد (الفصيلين المهيمنين في الحزبين) للإبقاء على الهيمنة الأميركية في ما سمّاه المحافظون الجدد "مشروع القرن الأميركي الجديد". كانت حقيقة أن الشرق الأوسط يجثم فوق كميات مذهلة من النفط هي ما دفع وزيرة الخارجية السابقة، مادلين أولبرايت، إلى التصريح سيّئ الصيت بأن خسارة 500 ألف طفل كانت "ثمنًا يستحق الدفع" للإطاحة برئيس العراق. وكانت روسيا بمثابة خزينة ضخمة من الموارد الطبيعية، ولم تكن خواطر زبيغنيو بريجنسكي المنشورة في العام 1997 بشأن احتمال تفكيك روسيا إلى ثلاث دول موضع ترحيب فحسب، بل إنها لقيت بلا ريب اهتمامًا في الكرملين.
أفرز شعار "المهمة أُنجزت" وتطويق روسيا بحلف شمال الأطلسي (نعم، تلك الدول المحاذية لروسيا -والتي، بالنظر إلى تاريخها تحت وطأة الهيمنة الروسية- كانت ترغب بالانضمام إلى الحلف) فائزين اثنين: المتقاعدين الأميركيين؛ وأميركا اللاتينية. كان المتقاعدون على وشك أن يشهدوا قيام جورج بوش الابن بخصخصة الضمان الاجتماعي كليًا أو جزئيًا، قبل أن تستدعي مغامرة العراق انتباه إدارته. أمّا الأخيرون، فرأوا "عين سورون الجائلة" وهي تُزيح تركيزها التاريخي عن أميركا اللاتينية. وللمرة الأولى منذ "سياسة الجار الصالح" التي وضعها فرانكلين ديلانو روزفلت، مارست أميركا اللاتينية قدرًا من الاستقلالية في القرن الحادي والعشرين. وفي هذا المناخ، بدأ المنعطف اليساري المتجدّد في أميركا اللاتينية انطلاقته مع انتخاب هوغو تشافيز في العام 1998 في فنزويلا، ويمكن قول إنه لم يصمد بعد ذلك إلا بفضل انشغالات الولايات المتحدة في أماكن أخرى. وينطبق الأمر نفسه على لولا دا سيلفا في البرازيل بعد فوزه بمنصب الرئاسة في العام 2002. ثم انتُخب قادة آخرون لاحقًا بطريقة لافتة، مثل إيفو موراليس في بوليفيا، ورافاييل كورّيا في الإكوادور، وغيرهما. وحتى في كوبا -الهدف التاريخي لغزوات برعاية الولايات المتحدة مثل "خليج الخنازير" في العام 1961، ومع تأكيد وكالة الاستخبارات المركزية وقوع محاولات عدة لاغتيال فيدل كاسترو- شهدت الدولة الجزيرية الأكبر في نصف الكرة هدنة قصيرة حين فتحت الولايات المتحدة باب السفر إليها في العام 2016 -ولو أن الحرب الاقتصادية الأميركية على "لؤلؤة الأنتيل" ظلّت مستمرّة.
تشكل "عقيدة مونرو" امتدادًا لحركتين توأمين: الغزو، والتمرّد على الإمبراطورية، واللتين كانتا حاضرتين منذ ولادة الولايات المتحدة. فقد سئم الأميركيون الحكم القادم من الخارج في العام 1776، وكان حكمًا يشمل أيضًا معارضة مطالبتهم المتزايدة بالاستيلاء على مزيد من أراضي الشعوب الأصلية. ولم يكن التاج البريطاني راضيًا عن ذلك، حيث كان الغزو الاستيطاني يفضي إلى عدد لا يُحصى من "حروب الهنود" التي كانت كلفتها تقع على عاتقه. ويعرف القرّاء بقية القصة، لكنها باختصار: أعلن جون كوينسي آدامز، بصفته وزيرًا للخارجية في إدارة الرئيس جيمس مونرو في العام 1823، بجرأة، أن نصف الكرة الغربي ينتمي إلى مجال النفوذ الأميركي. وكانت السياسة واضحة: بينما تواصل الولايات المتحدة الاضطلاع بمهمة "قدرها المتجلّي" المتمثل في غزو معظم أنحاء أميركا الشمالية، يتعيّن على القوى الأخرى كبح طموحاتها في نصف الكرة الغربي. وتلت ذلك عشرات التدخلات، الكبيرة منها والصغيرة، خلال القرن التالي. وعلى الجانب "الأكبر" من السجل، كان استيلاء الرئيس "جيمي" بولك في العام 1848 على 55 في المائة من أراضي المكسيك.
ومن المحطات البارزة الأخرى في الجانب الأوسع من تطبيقات "عقيدة مونرو" الأميركية كان احتلال الولايات المتحدة لهاييتي في العام 1915، الذي استمر حتى العام 1934 وأسفر عن مصرع نحو 50 ألفًا من "السكان الأصليين" نتيجة لتبعات الحرب في هاييتي. ولم تكن الولايات المتحدة تطمع بموارد هاييتي بقدر ما كانت تسعى إلى إبعاد المنافسين -وألمانيا بشكل خاص- عن هذا البلد الذي تمر عبر مياهه السفن المتجهة إلى قناة بنما. ومع ذلك، ظلّ المال عاملًا مهمًا. فقد أُدير جزء كبير من الاحتلال الأميركي لهاييتي بتوجيه من روجر بي. فارنهام، نائب رئيس المؤسسة التي سبقت "سيتي بنك" الحالي، والذي كانت استثماراته الشخصية واستثمارات مصرفه مرتبطة بقروض البنية التحتية الهاييتية.
طوى فرانكلين ديلانو روزفلت صفحة من هذا المسار بإنهاء الاحتلال الأميركي لهاييتي وإعلانه عن انتهاج "سياسة الجار الصالح". وكان العنوان بحد ذاته إقرارًا بأن الولايات المتحدة كانت، حتى ذلك الحين، جارًا سيئًا. لكن وفاة روزفلت جلبت معها عودة الولايات المتحدة إلى دور الجار السيئ، إلى أن جاءت فسحة القرن الحادي والعشرين المشار إليها أعلاه، والمستندة إلى انشغالات أميركية أخرى. وها نحن نعود اليوم مع اقتياد الولايات المتحدة لمادورو مأسورًا في الثالث من كانون الثاني (يناير) 2026.
ما الذي يمكن أن نتوقّعه من عودة "عقيدة مونرو"؟
• يمكننا أن نعزف لحن الوداع الأخير على روح القانون الدولي، الذي كان عليلًا من الأساس.
• من المرجّح ألا تتمكن حكومة كوبا من الصمود. إنها مصابة بجرح قاتل، وقد أُضيفت إلى فقرها اعتلالات اجتماعية (مثل الجريمة في الشوارع التي كانت غائبة رسميًا)، مما يجعل سقوطها مرجّحًا. وفي الأثناء، يطوف ماركو روبيو وترامب في جولة نصر مع الجالية الكوبية الكبيرة من المهاجرين في فلوريدا.
• وُضع قادة أميركا اللاتينية أمام إنذار واضح. لقد عاد العم سام إلى قاعدته التاريخية المتمثلة في فرض الهيمنة على نصف الكرة الغربي. وسوف يُبدي القادة في أميركا اللاتينية قدرًا كبيرًا من الحذر في تعاملهم مع مجموعة "بريكس" أو خيار الانضمام إليها. وفي المقابل، ستتجه أجزاء واسعة من بقية العالم خارج الأميركتين وأوروبا نحو الاندماج في "بريكس".
• سوف تنظر الصين إلى الولايات المتحدة على نحو متزايد كقوة عدوانية، إن لم تكن مختلّة. ومن المرجّح أن تواصل "المملكة الوسطى" تطوير قدراتها الدفاعية الكبيرة أصلًا. وإذا قرّرت الولايات المتحدة فرض أمر واقع بشأن مستقبل وضع تايوان، فقد تردّ الصين بفرض حصار على الجزيرة.
• سوف تتوقّع روسيا مقابلًا من واشنطن على صعيد مناطق النفوذ. لكنّ نجاح ترامب في إزاحة مادورو سيجعل بعض الأوساط في روسيا تتساءل عمّا إذا كان بلدهم قد تحمّل -عبثًا- عبء حرب عدوانية استمرّت أربع سنوات ضد أوكرانيا (نعم، كان الكرملين يتعرّض لاستفزازات لا تنتهي، لكنه كان، مع ذلك، الطرف المعتدي).
 
*جيفري سومرز Jeffrey Sommers: أستاذ الاقتصاد السياسي والسياسات العامة في قسم الدراسات الإفريقية ودراسات الشتات الإفريقي، وزميل أول في معهد الشؤون العالمية بجامعة ويسكونسن-ميلووكي. ومن كتبه عن دول البلطيق (بالاشتراك مع تشارلز وولفسون): تناقضات التقشّف: التكاليف الاجتماعية-الاقتصادية للنموذج النيوليبرالي في البلطيق.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Monroe Doctrine: the Bad Neighbor Returns
هوامش المترجم:
(1) يُقصد بتعبير "شاي تكساس" مجازًا النفط، لأن لونه داكن ويُضخ بكثرة في تكساس. ويُستخدم للتلميح إلى الثروة النفطية الأميركية وما يرتبط بها من نفوذ اقتصادي وسياسي.
(2) "عين ساورون الجائلة" the wandering Eye of Sauron هو تعبير مجازي مستمدّ من عالم روايات "سيد الخواتم" (The Lord of the Rings) لـلكاتب ج. ر. ر. تولكين. ويرمز إلى المراقبة الدائمة، والسلطة المطلقة، والهوس بالسيطرة والكشف.
(3) إحالة ساخرة إلى حادثة ديك تشيني في العام 2006 حين أطلق النار خطأً على رفيق صيد. وتعني مجازًا سلطة تؤذي أقرب المقرّبين إليها، ثم تفلت من المسؤولية -وقد تجبر الضحية على الاعتذار.