عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-May-2026

تطهير إسرائيل العرقي البطيء للمسيحيين في الأرض المقدسة (3/3)

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوناثان كوك* - (سبستاك) 22/4/2026
عقبة أمام "نهاية الزمان"
يمكن كتابة مقال مستقل عن دور الحركات الإنجيلية المسيحية في الخارج في الإضرار بوضع المسيحيين الفلسطينيين. وتكفي الإشارة إلى أنّ معظم المسيحيين الإنجيليين لا يولون اهتماماً كبيراً لمحنة السكان المسيحيين المحليين في المنطقة.
 
 
في الواقع، تستند الصهيونية، وهي الأيديولوجيا الرسمية لدولة إسرائيل، إلى تيار "الصهيونية المسيحية" الذي انتشر بين البروتستانت البريطانيين قبل أكثر من 150 عاماً. واليوم، تشكل الولايات المتحدة معقل هذا التيار، حيث تبنّى عشرات الملايين من المؤمنين رؤية لاهوتية، مدعومة بنبوءات سفر الرؤيا، ترى في "عودة" اليهود إلى "الأرض الموعودة" تمهيداً لنهاية زمان مروعة، يُفترض فيها أن المسيحيين -وبعض اليهود الذين يقبلون بيسوع مخلّصاً لهم- سيُخلَّصون ويُنجَون من الهلاك ويُرفعون إلى السماء.
وبطبيعة الحال، عندما توضع كفة الخلاص الأبدي في مقابل الحفاظ على تراث مسيحي فلسطيني عمره ألفا عام، فإنّ هذا التراث لا يعني الكثير لمعظم الصهاينة المسيحيين في الولايات المتحدة. ويعبّر المسيحيون المحليون، باستمرار، عن مخاوفهم من أن أماكنهم المقدسة وأسلوب حياتهم يتعرضان للتهديد من دولة تعلن نفسها يهودية، وهدفها المركزي هو تطبيق سياسة "تهويد" تقوم على منطق صفري. لكن المسيحيين الفلسطينيين بالنسبة للصهاينة المسيحيين ليسوا ببساطة سوى عائق أمام تحقيق هدف إلهي أكثر إلحاحاً.
لذلك، ضخّ الإنجيليون الأميركيون أموالاً كبيرة في مشاريع تشجّع اليهود على الهجرة إلى "أرض إسرائيل"، بما في ذلك المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين. كما يرتبط قادتهم بعلاقات وثيقة مع أكثر السياسيين تشدداً في إسرائيل، مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
لم يسبق أن كانت القوة السياسية للحركات الإنجيلية في الولايات المتحدة -الحليف الأول لإسرائيل وأقوى دولة في العالم- أكثر وضوحاً مما هي عليه اليوم (العام 2020). النائب الأول للرئيس، مايك بنس، ينتمي إلى هذا التيار. كما اعتمد الرئيس دونالد ترامب على أصوات الإنجيليين للوصول إلى الحكم. ولهذا السبب، افترق ترامب عن سياسات الإدارات السابقة ووافق على أن تكون الولايات المتحدة أول دولة في العصر الحديث تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، في ما قضى عملياً على أي أمل للفلسطينيين في جعل القدس الشرقية عاصمة لدولتهم.
في ظل هذا المناخ الدولي، تكاد تكون عزلة المسيحيين الفلسطينيين وقادتهم مطلقة. إنهم مهمَّشون داخل كنائسهم، ويتعرضون للتجاهل الكامل من الحركات الإنجيلية في الخارج، وتعاملهم إسرائيل كخصوم. ولذلك حاولوا كسر هذه العزلة عن طريق تعزيز وحدتهم الداخلية، ووضع رؤية أوضح لتعزيز علاقاتهم بالمسيحيين خارج الأرض المقدسة.
كانت إحدى المحطات المهمة في هذا المسار نشر وثيقة "كايـروس فلسطين" في كانون الأول (ديسمبر) 2009، المستلهمة من وثيقة مماثلة كان قد صاغها لاهوتيون سود في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري في الثمانينيات. وتعرِّف هذه الوثيقة نفسها بأنها "كلمة المسيحيين الفلسطينيين إلى العالم حول ما يحدث في فلسطين"، وقد وقّعها أكثر من 3.000 شخصية مسيحية فلسطينية بارزة، من بينهم المطران عطا الله حنّا، رئيس أساقفة سبسطية الأرثوذكسي، والقس الأنجليكاني نعيم عتيق، والقس اللوثري متري الراهب، وجمال خضر، الشخصية الرفيعة من البطريركية اللاتينية.
وتدعو الوثيقة بشكل صريح وواضح "جميع الكنائس والمسيحيين في العالم... إلى الوقوف ضد الظلم والفصل العنصري"، وتحذّر من أنّ "أي لاهوت، يبدو أنه يستند إلى الكتاب المقدس أو الإيمان أو التاريخ بينما يبرّر الاحتلال، هو بعيد كل البعد عن التعاليم المسيحية". كما تطلب من المسيحيين في الخارج "إعادة النظر في اللاهوتيات التي تبرّر الجرائم المرتكبة بحق شعبنا واغتصاب أرضنا". وبالإضافة إلى ذلك، تؤيد الوثيقة نداء "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS) على إسرائيل ومن يتواطأ مع قمع الفلسطينيين. كما تعتبر المقاومة السلمية "واجباً" على جميع الفلسطينيين، وتؤكد أن هذه المقاومة يجب أن تستمر حتى تنتهي الانتهاكات الإسرائيلية، وليس قبل ذلك.
ولكن، أمام الاتهامات المتوقعة بمعاداة السامية من أنصار إسرائيل في الغرب، لم تستجب معظم الكنائس في الخارج -بما في ذلك، في ما ينطوي على أهمية خاصة، "مجلس الكنائس العالمي"- لهذا النداء الفلسطيني المسيحي. ولم يؤيد الوثيقة سوى "الكنيسة المشيخية" في الولايات المتحدة، بينما أشادت بها "كنيسة المسيح المتحدة". وكما هو متوقع، حاول اللوبي الإسرائيلي التقليل من أهمية الوثيقة من خلال الإشارة -بدقة- إلى أن القيادات الكنسية الأجنبية في فلسطين، مثل بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، رفضت دعمها. لكن هذه القيادات الكنسية لم تكن في الغالب تولي مصالح رعاياها الفلسطينيين الأولوية.
ومع ذلك، تشعر إسرائيل بقلق بالغ من هذه الوثيقة. فلو تم تبنيها على نطاق واسع، فإنها ستدفع الكنائس الدولية إلى الانضمام إلى حركة المقاطعة الفلسطينية الأوسع (BDS)، التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. ويخشى القادة الإسرائيليون بشدة من تكرار النموذج الذي انتهى بإسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
من بين الركائز الثلاث لحملة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات"، فإن أكثر ما يثير قلق إسرائيل ليس جانب المقاطعة أو العقوبات، وإنما تهديد سحب الاستثمارات -سحب الأموال والاستثمارات من إسرائيل من قبل الكنائس ومنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية وصناديق التقاعد. فلو تبنّت الكنائس هذا النهج، فإن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تكتسب بسرعة شرعية أخلاقية وتنتشر على نطاق واسع. ولذلك يُنظر إلى وثيقة "كايـروس" باعتبارها بداية شقّ خطير جداً يمكن أن يتسع تدريجياً.
بوصفه أبرز رجل دين وقّع على الوثيقة، وجد المطران عطا الله حنّا نفسه في مرمى الاستهداف الإسرائيلي بشكل خاص. في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، (2019)، انتهى به الأمر في مستشفى بالأردن، حيث تلقّى علاجاً من "تسمم بمادة كيميائية"، بعد أن أُلقيت قنبلة غاز مسيّل للدموع داخل باحة كنيسته في القدس، بحسب ما نُقل. وفي هذا السياق، لقي ادعاؤه بأن إسرائيل حاولت "اغتياله"، أو على الأقل شلّ حركته، صدى واسعاً لدى كثير من الفلسطينيين.
من المؤكد أنّ حنّا واجه مراراً مشاكل مع السلطات الإسرائيلية بسبب نشاطه السياسي الفلسطيني. في العام 2002، خلال الانتفاضة الثانية، على سبيل المثال، تم اعتقاله من منزله في البلدة القديمة بالقدس، ووُجهت إليه تهمة "الاشتباه بعلاقات مع منظمات إرهابية"، وهي تهمة مفبركة تتعلق بمجرد أنه تحدث تأييداً للانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وفي لقاء مع وفد أجنبي في العام الماضي، (2019)، حذّر حنّا من أن إسرائيل، بدعم من المجتمع الدولي، تُترك لتقوم بتحويل القدس تدريجياً، وقال: "إنّ المواقع والأوقاف الإسلامية والمسيحية تُستهدف من أجل تغيير مدينتنا، ومحو هويتها، وتهميش وجودنا العربي والفلسطيني".
مواطنون إسرائيليون غير مرحّب بهم
أما الفئة الأخيرة من المسيحيين الفلسطينيين فهي الأكبر، والأكثر تعرضًا للتجاهل والإهمال في الوقت نفسه: ثمة نحو 120 ألف مسيحي يعيشون داخل إسرائيل كمواطنين ذوي "مواطنة منقوصة". وقد ظل هؤلاء الفلسطينيون يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي وحده لأكثر من سبعين عاماً. وتروّج إسرائيل -زوراً- لادعاء أن الأقلية الفلسطينية فيها تتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطنون اليهود. ومع ذلك، يعكس تراجع أعداد المسيحيين الفلسطينيين داخل إسرائيل إلى حد كبير الوضع الذي يعيشه الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
خرجت الأقلية المسيحية الفلسطينية من أحداث العام 1948 في وضع أفضل نسبياً من نظرائها المسلمين داخل ما أصبح يُعرف بإسرائيل. وبحكم إدراك إسرائيل لأولويات الدول الغربية، فإنها كانت أكثر حذراً في تعاملها مع مسألة التطهير العرقي للمجتمعات التي تضم أعداداً كبيرة من المسيحيين. ونتيجة لذلك، شكل نحو 40 ألف مسيحي كانوا في إسرائيل مع نهاية النكبة نحو 22 في المائة من الأقلية الفلسطينية الجديدة في الدولة. وبعد سنوات قليلة، حصل أفراد هذه الأقلية على شكل متدنٍ جداً من المواطنة الإسرائيلية.
كان هذا الحذر الإسرائيلي المبكر تجاه المسيحيين مفهوماً. فقد خشيت إسرائيل من إغضاب الدول الغربية، ذات الأغلبية المسيحية، التي كانت تحتاج إلى دعمها بشكل حاسم. وتجسدت هذه السياسة بوضوح في التعامل مع مدينة الناصرة التي تم استثناؤها إلى حد كبير من سياسة الطرد العامة. لكنّ الأغلبية المسيحية في الناصرة بدأت هي الأخرى بالانحسار خلال العام 1948، مع تدفق المسلمين من القرى المجاورة التي كانت تتعرض للهجوم بحثاً عن ملاذ في المدينة. واليوم، أصبحت الناصرة ذات أغلبية مسلمة تصل إلى 70 في المائة.
كما انخفضت أيضاً نسبة المسيحيين ضمن السكان الفلسطينيين في إسرائيل بشكل عام، من نحو ربع السكان في أوائل خمسينيات القرن الماضي إلى حوالي 9 في المائة اليوم. ويوازيهم تقريباً عدد الدروز، وهم طائفة دينية صغيرة وهشّة كانت قد انفصلت عن الإسلام قبل نحو ألف عام. أما بقية السكان الفلسطينيين في إسرائيل -أي أكثر من 80 في المائة- فهم من المسلمين السنّة.
دفعت المسيحيين في إسرائيل إلى الهجرة عوامل مشابهة لتلك التي ذكرها الفلسطينيون في الضفة الغربية. في داخل دولة تُعرّف نفسها بأنها يهودية، واجه المسيحيون فرصاً تعليمية ووظيفية محدودة؛ وتعرضوا لتمييز مؤسسي واسع النطاق؛ وبعد موجات من مصادرة الأراضي لتهويد المناطق التي يعيشون فيها، أصبح من الصعب إيجاد حلول سكنية للأجيال المقبلة. وقد أسهمت إسرائيل في ترسيخ شعور عام باليأس والإحباط لدى المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
وكان من الأمور الإشكالية بشكل خاص لإسرائيل أنّ المسيحيين الفلسطينيين لعبوا دوراً محورياً في تطوير القومية الفلسطينية العلمانية، سواء في الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل. ولأسباب واضحة كانوا حريصين على ألا تتحول الهوية الوطنية الفلسطينية إلى هوية دينية إسلامية مثيرة للانقسام، تعكس القومية الإسرائيلية الهجينة نفسها ذات الطابع الديني-العرقي.
بالنظر إلى صعوبة ممارسة النشاط السياسي للفلسطينيين داخل إسرائيل -حيث يمكن أن يؤدي إلى عقود من السجن، أو حتى الترحيل- انضم كثيرون، وخاصة من المسيحيين، إلى الحزب الشيوعي اليهودي-الفلسطيني المشترك، على أمل أن يوفر لهم جناحه اليهودي نوعاً من الحماية. وكانت أبرز امتيازات العضوية في هذا الحزب هي المنح الدراسية إلى جامعات في الكتلة السوفياتية السابقة، في وقت كان نظام التعليم الإسرائيلي يتميز فيه بالفصل ولم يكن فعّالًا بالنسبة للفلسطينيين، بطريقة جعلت التعليم العالي داخل إسرائيل بعيداً عن متناول أيديهم.
كانت هذه المنح الدراسية نعمةً على المسيحيين، حيث أتاحت لهم الالتحاق بالمدارس الخاصة التابعة للكنيسة التي بقيت قائمة في مدن مثل الناصرة وحيفا ويافا، وكانت توفر تعليماً أفضل. لكنّ أمل إسرائيل كان أن كثيرين منهم، بعد خروجهم من المنطقة، لن يعودوا إليها أبداً. وقد أصبح ذلك بالفعل عاملاً إضافياً في تراجع عدد المسيحيين الفلسطينيين داخل إسرائيل.
إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون
لكنّ المزايا التي تمتع بها المسيحيون الفلسطينيون سرعان ما بدأ يُنظر إليها في إسرائيل على أنها عبء. كان معظمهم يقيمون في المدن، وحظي كثير منهم بفرص الوصول إلى مدارس جيدة وتعليم عالٍ. وانفتح بعضهم على العالم الأوسع من خلال الدراسة في جامعات خارج البلاد. كما تمتع المسيحيون بروابط مع مجتمعات متعاطفة في الخارج. وقد أسهم وجودهم المستمر في الأرض المقدسة، إلى جانب قدرتهم على التعبير عن القومية الفلسطينية أمام الخارج، في تقويض مزاعم إسرائيل بوجود صراع حضاري بسيط بين اليهودية والمسيحية من جهة، والإسلام من جهة أخرى.
كان في هذا السياق حين أعادت إسرائيل في أواخر العام 2012، وبشكل سري، إحياء خطط كانت قد طُرحت لأول مرة في أعقاب النكبة لتجنيد الشباب المسيحيين في الجيش الإسرائيلي. وقد تركزت هذه البرامج على مدينة الناصرة ومحيطها، واستهدفت مجموعات الكشافة المسيحية. وعلى خلاف الشباب اليهود والدروز، لا يُستدعى المسلمون ولا المسيحيون في إسرائيل إلى الخدمة العسكرية الإلزامية بعد إنهاء الدراسة. ومع ذلك، يُسمح لهم بالتطوّع، ولو أن عدد الذين يفعلون ذلك في الواقع ضئيل للغاية. وتشير المعطيات إلى وجود بضع عشرات من العائلات المسيحية، غالباً من الفئات الأكثر فقراً، التي يلتحق أبناؤها بالجيش. لكن حكومة نتنياهو عملت بجدّ، ابتداءً من العام 2012، على طرح تجنيد المسيحيين، أملاً في إحداث شرخ بين المسيحيين والمسلمين داخل إسرائيل.
في إطار هذا الجهد، تحرّك نتنياهو على مسارات عدة في الوقت نفسه. من جهة، روّج بشكل مكثف للحالات القليلة من العائلات المسيحية التي لديها أبناء في الجيش بهدف الإيحاء بأنها تمثل المجتمع المسيحي الأوسع. ومن جهة أخرى، ادعى أن الغالبية الساحقة من المسيحيين الذين عارضوا خطته علناً إنما فعلوا ذلك فقط لأنهم تعرضوا للترهيب من جيرانهم المسلمين.
كما روجت وسائل الإعلام الإسرائيلية أيضاً لمسألة أن نتنياهو جنّد "زعيماً دينياً" -جبرائيل ندّاف، وهو أسقف أرثوذكسي يوناني في الناصرة- لدعم تجنيد المسيحيين. لكن الإشاعات كانت منتشرة في الواقع في الناصرة آنذاك بأن ندّاف كان يتعرض لضغوط من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) لإبداء دعمه. ولم يتضح إلا بعد سنوات لاحقاً أن ندّاف خضع لتحقيقات تتعلق باعتداءات جنسية على شبان، وأن الشاباك قام بالتكتم على قضيته.
وفي الفترة نفسها تقريباً، طرحت إسرائيل خيار تسجيل قومية جديدة على بطاقات الهوية الإسرائيلية تحت اسم "الآرامية". وقد امتنعت إسرائيل دائماً عن الاعتراف بقومية "إسرائيلية" واحدة، لأن ذلك كان سيمنح حقوقاً متساوية لجميع المواطنين، يهوداً وفلسطينيين على حد سواء. وبدلاً من ذلك، تُمنح الحقوق في إسرائيل على أساس الانتماء القومي المصنّف، حيث تشمل الفئات الرئيسية "يهودي"، و"عربي"، و"درزي". ويحصل المواطنون اليهود على امتيازات إضافية في مجالات الهجرة والأراضي والإسكان واللغة، والتي لا تُمنح للمواطنين الفلسطينيين. وقد أريد لفئة "الآرامية" الجديدة أن تمنح المسيحيين هوية قومية منفصلة على غرار ما هو معمول به مع الدروز.
تم اختيار هوية "الآرامية" الغامضة لسببين. أولاً، لأنها تشير إلى حقبة عمرها نحو 2.000 عام، حين كان اليهود، مثل يسوع، يتحدثون اللغة الآرامية، وهي اليوم لغة شبه منقرضة. وبذلك تدمج هذه الهوية بين اليهودية والمسيحية، بما يعيد إنتاج فكرة "روابط الدم" التي روّجتها إسرائيل مع الطائفة الدرزية. وثانياً، لأن الهوية الآرامية كانت قد بدأت بالتبلور مُسبقًا لدى عدد محدود من العائلات المسيحية الفلسطينية التي تطوّعت للخدمة في الجيش. وقد رأت هذه الفئة أن الآرامية تمثل الجوهر لهوية مسيحية قومية "نقية" و"أصلية" مُفترضة. وذهبوا إلى القول إنه تم الاستيلاء على لغتهم وإرث أجدادهم الآرامي وتشويهه مع وصول الهوية العربية والإسلامية إلى المنطقة خلال الفتوحات العربية في القرن السابع.
بالنسبة لمروّجي هذا الطرح، بمن فيهم الحكومة الإسرائيلية، لم تكن "الآرامية" هوية مسيحية محايدة، وإنما كانت مصممة بوضوح لتكون هوية مناهضة للعرب وللمسلمين. وكانت مرتبطة بشكل وثيق بالمشروع الإسرائيلي الأوسع الذي يسعى إلى تحويل المسيحيين المحليين إلى "مسيحيين صهاينة فلسطينيين".
بالتوازي مع هذه التطورات، بدأت حكومة نتنياهو أيضاً بالضغط بحدة على الموارد المتاحة للمدارس الكنسية في الناصرة وغيرها. وجرى تدريجياً تقليص الترتيب الذي كان يوفّر تمويلاً جزئياً من الدولة للمدارس الدينية الخاصة، الذي كان موجهاً أساساً لدعم المدارس اليهودية الحريدية، ليشمل تقليصاً طال مدارس الكنائس. ونتيجة لذلك، شهدت نحو اثنتي عشرة مدرسة في الناصرة، تخدم الطلاب المسيحيين والمسلمين معاً، إضراباً غير مسبوق في العام 2014، بعد أن أصبحت هذه المدارس غير قادرة على تغطية تكاليفها. وقد عرضت الحكومة مخرجاً يتمثل في إدخال هذه المدارس ضمن منظومة التعليم الرسمي للدولة، وهو ما رفضته المدارس الكنسية حتى الآن.
وعلى الرغم من أنه لم يتم تنفيذ هذه السياسة بالكامل بعد، فإن هناك مؤشرات على ما كانت إسرائيل تسعى إلى تحقيقه في نهاية المطاف. ويبدو أن الهدف كان إعادة صياغة المدارس الكنسية كمدارس "آرامية"، بحيث يقتصر القبول فيها على المسيحيين، ويتم فيها تدريس منهاج دراسي يركز -كما في حالة الدروز- على فكرة "روابط الدم" بين اليهود والمسيحيين، ويُهيّئ الطلاب للخدمة العسكرية. وقد فُتحت أول مدرسة من هذا النوع تُدرّس باللغة الآرامية في قرية الجشّ في الجليل الأوسط، وهي موطن لبعض العائلات التي تتطوع في الجيش الإسرائيلي.
في الواقع، فشلت إسرائيل فشلاً ذريعاً في محاولاتها إقناع المسيحيين بقبول التجنيد، ويبدو أنها تخلت إلى حد كبير عن هذه الخطة، حتى بعد أن كرّست لها سنوات من الجهد. وكان ينبغي لإسرائيل أن تتوقع أن نجاح مثل هذا المشروع غير مرجّح في مدينة مثل الناصرة التي يشكل مسيحيوها شريحة كبيرة من المهنيين -أطباء ومحامين ومهندسين معماريين ومهندسين يخدمون مجتمعهم- وليس لديهم أي اهتمام بالفائدة الوحيدة التي يسعى إليها الدروز الفقراء عادة من الخدمة العسكرية، وهي الحصول على وظائف متدنية في قطاعات الأمن مثل حراسة السجون أو العمل كحراس أمن.
لكنّ هذا ربما لم يكن الهدف الوحيد لإسرائيل. لقد أرادت إسرائيل أيضاً بلا شك، في ما يتماشى مع طموحاتها القديمة، تعميق التوترات الطائفية بين المسيحيين والمسلمين في الأماكن التي يعيش فيها الطرفان جنباً إلى جنب، وخاصة في الناصرة. وبدأت بالفعل، لأسباب متعددة، بوادر انقسامات طائفية في الظهور خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من تعدد أسبابها، فإن محاولات إسرائيل لتجنيد المسيحيين في الجيش -وبالتالي فصلهم عن المسلمين- أسهمت من دون شك في مفاقمة المشكلة.
ومن العوامل المهمة الأخرى التراجع التدريجي للحزب الشيوعي، خاصة في الناصرة، بعد أن أصبح يُنظر إليه على أنه مرتبط بشكل مفرط بالمسيحيين، وأنه لعب دوراً في الحفاظ على امتيازاتهم النسبية. وقد أدى ذلك إلى رد فعل معاكس في الناصرة، سمح بصعود علي سلام، وهو سياسي شعبوي يحب المقارنات مع دونالد ترامب، الذي أصبح رئيساً للبلدية بعد أن استغل هذه التوترات الطائفية بدهاء.
ولم يُسعف الوضع أيضاً أن حركات إسلامية عدميّة بدأت، على مدى نحو عقدين، في الاقتراب تدريجياً من حدود إسرائيل -أولاً مع تنظيم "القاعدة"، ثم لاحقاً مع تنظيم "داعش". وقد أثار ذلك قلقاً واضطراباً لدى كثير من المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين داخل إسرائيل. وفي السنوات الأخيرة، ولّد ذلك ردّ فعل سياسياً لدى بعضهم ممن بدأوا يتساءلون عمّا إذا كانت إسرائيل، على الرغم من قوتها العسكرية ودعمها الغربي، تمثل "الشر الأقل" في المنطقة.
ولإسرائيل مصلحة مباشرة في تعزيز مثل هذه التطورات، واستثمار التوترات التي تدعم سرديتها القائمة على "صراع الحضارات". ومن المفارقة أن التدخلات الإسرائيلية طويلة الأمد في المنطقة، إلى جانب السياسات العسكرية الأميركية المباشرة في أماكن مثل العراق وأفغانستان وليبيا وسورية وإيران، هي التي خلقت الظروف ذاتها التي ازدهر فيها التطرف الإسلامي. وبين الطرفين، زرعت إسرائيل والولايات المتحدة حالة من اليأس، وخلقتا فراغات سياسية واسعة في الشرق الأوسط، ملأتها جماعات مثل تنظيم "داعش" بسرديتها الخاصة عن "صراع الحضارات".
بالنسبة لإسرائيل، شكل استقطاب بعض المسيحيين الفلسطينيين إلى جانبها في هذا السرد الانقسامي الذاتي -حتى لو كان عددهم محدوداً- مكسباً مهماً. فإذا استطاعت إسرائيل أن تُعكّر المشهد في المنطقة عن طريق إيجاد ما يكفي من الحلفاء بين المسيحيين المحليين، فإنها تدرك أنها تستطيع أيضاً أن تثني الكنائس الدولية أكثر عن اتخاذ أي خطوات جوهرية لمواجهة الجرائم التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين من دون رادع طوال أكثر من سبعين عاماً.
تتمثل الخشية الإسرائيلية الكبرى في أن تتولى الكنائس الدولية ذات يوم قيادة أخلاقية في حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ووضع حدّ للمآسي التي بدأت مع النكبة.
ولكن، بالنظر إلى سجلّ هذه الكنائس حتى الآن، يبدو أنه ليس لدى إسرائيل الكثير من الأسباب للقلق.
 
*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في مدينة الناصرة لمدة 20 عامًا. عاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف لثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: "‏‏الدم والدين: كشف القناع عن الدولة اليهودية"‏ Blood and Religion: The Unmasking of the Jewish State،‏ (2006)؛ "‏‏إسرائيل وصراع الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط"‏‏ (2008) Israel and the Clash of Civilisations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East؛ و‏‏"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس البشري" (2008) Disappearing Palestine: Israel’s Experiments in Human Despair.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s Slow Ethnic Cleansing of Christians from the Holy Land