الغد
أول من أمس، بدأ توم برّاك، مبعوث ترامب الخاص إلى سورية ولبنان، المؤتمر الصحفي في قصر الرئاسة اللبنانية بمخاطبة الصحفيين كما يلي –أكثر أو أقل:
«لحظة لحظة لحظة، ستكون لدينا هنا مجموعة مختلفة من القواعد. من فضلكم، التزموا الصمت للحظة. وأريد أن أخبركم شيئًا: في اللحظة التي يصبح فيها هذا فوضويًا وحيوانيًا (استخدم كلمة animalistic حرفيًا)، سنغادر. إذا أردتم أن تعرفوا ما يحدث، تصرفوا بتحضر، بلطف، وبتسامح، لأن هذه هي مشكلة ما يحدث في المنطقة. وإذن، هل تظنون أن هذا ممتع لنا؟ هل تظنون أن من المربح اقتصاديًا لنا وجودنا، مورغان وأنا هنا، في هذا الجنون؟ سنقدم لكم إجابات. إذا لم تكن هذه هي الطريقة التي تودّون أن تسير بها الأمور فسوف نغادر؟ أوكيه؟ هل هذا مقبول لدى الجميع؟ والآن، ماذا لدينا»؟
كان شعوري الفوري بينما أتابع الحدث مباشرة على الهواء هو استغراب عدم مسارعة الصحفيين إلى مغادرة القاعة وترك برّاك مع الميكروفون وحيدًا، وجعله يغادر أيضًا –وإنما مطرودًا من الصحفيين. هذا أقل ما قد يردُّ به الصحفيون الإهانة –هكذا فكّرتُ. لكن الذي حدث هو أنهم التزموا بشروطه، وقال بعضهم بصوت ضعيف: «أوكيه». وفكرتُ أيضًا: هذا طبيعي؛ بعد كل شيء، لا أحد من العرب، مهما يكن مركزه، يغادر قاعة – أي قاعة- عندما يتحدث مسؤول أميركي إليه كما يريد، ويضع الشروط ويملي ما يريد، ويصف سلوك العربي بالوصف الذي يريد.
ثمة مبررات قد تفسّر سلوك الزملاء الصحفيين اللبنانيين: في مهنة الصحافة، ثمة ذلك التوتر الدائم بين الاعتداد الشخصي والاحترافية المهنية. ربما لم يغادر الصحفيون القاعة -لا لأنهم تأثروا بهجوم «الصدمة والرعب» في الخطاب المهين ولم تسعفهم سرعة الخاطر بالتصرف كما تصورتُ، وإنما لأنهم قدّروا –أو دُربوا- عليهم البقاء من أجل عمل ما هم هناك لعمله: التقاط الخبر ونقل الحقيقة إلى مستهلكي الأخبار. ربما اعتبروا في البقاء التزامًا أخلاقيًا تجاه الجمهور، والمؤسسات التي يعملون لها، وماهية المهنة وتحدياتها –بالتعريف. ربما أرادوا التأكيد على أنّ مهنة قامها جعل الناس على دراية تكون فوق الذات، وأنّ الغاية الكبرى التي هي إيصال الحقائق وتوثيق الوقائع تكون أسمى من ردود الفعل العاطفية. وربما رأوا أن مواصلة الاستماع تتيح تسجيل تلك الإهانة لتصبح جزءًا من الخبر نفسه وتوثيقًا إضافيًا للخطاب الاستبدادي المتعالي.
مهما تكن وجاهة الأعذار، ما أزال أتمنى لو أن زملاءنا اللبنانيين اختاروا الانسحاب وتركوا برّاك -وزميلته المستفزة أكثر منه- بلا مستمعين، كخيار مهني وأخلاقي -وسياسي أيضًا. إذا كان جماعة النخبة في المنطقة لا يختارون مغادرة قاعات الأميركيين مهما سمعوا فيها، فذلك لأنهم النخبة، كما هم. أما الصحافة، فينبغي أن تعتنق عاطفة الجمهور وتنحاز إليه، وتكون صوته. وقد ضاق الجمهور بالاستماع إلى الإهانات، ولو استطاع لغادر القاعة. لكن القاعة كبيرة وليس لها باب ويبدو أنه لا فُكاك. ويضطر كثيرون من العرب إلى القتال، والتضحية بأرواحهم دفاعًا عما تبقى من كرامه، ويغادرون فقط بهذه الطريقة.
في الواقع، كان برّاك يقوم –في البلد الذي ينبغي أنه وطنه الأصلي- في مهمة (كما هو نتنياهو «في مهمة») أبعد ما تكون عن الحضارة، وأقرب ما تكون إلى «الحيوانية»: قتل لبنان. جاء ليضع اللبنانيين مع خيارين لا ثالث لهما: خوض حرب أهلية حتمية مميتة للبنان واللبنانيين؛ أو معاقبة لبنان ومحاصرته بالنبذ والإفقار والتجويع والعزل بطريقة مميتة أيضًا. (بعض العرب يشاركون الكيان الصهيوني والأميركان هذا المطلب، كشرط لـ»مساعدة لبنان»). وعندما يطالب اللبنانيون بأي ضمانات تجنبهم الهول بعد تجريد أنفسهم من السلاح، أو بأن يفعل الكيان شيئًا –مثل الانسحاب من أرضهم المحتلة حديثًا- لدعم ذريعة سحب السلاح، يُقال لهم أن لا ضمانات. ويقول ليندسي غراهام، صاحب فكرة القصف شبه النووي لغزة: «لا تحدثوني عما يجب أن تقوم به إسرائيل قبل أن تنزعوا سلاح عدو الشعب الإسرائيلي». يعني: دبروا نفسكم بأي طريقة –ربما قتل بعضكم بعضًا- لا تهدد «الشعب الإسرائيلي». ومن الغريب بما يكفي أن يكون صاحب الإرادة السلطانية الذي يملي على بلد خيارات كلها كارثية ليس أكثر من عضو في مجلس الشيوخ!
مهما يكن تقدير الصحفيين اللبنانيين، كان المشهد عرضًا إضافيًا فقط للغطرسة الأميركية المطبّعة في المنطقة. كان المبعوث الأميركي، لبناني الأصل المنحاز إلى المنتصر، يتحدث بلسان قوة عظمى نظرت إلى لبنان -والمنطقة العربية- بعين الاستعلاء والاستخفاف. وكان استدعاؤه لصور «الفوضى» و»الحيوانية» في وصف الصحفيين متسقًا مع الخطاب الاستشراقي الذي نظر تاريخيًا إلى شعوبنا باعتبارها متخلفة بنيويًا؛ غير قادرة على التنظيم أو التمدن أو الانضباط، ولذلك تحتاج دائمًا إلى تدخل «الغرب المتحضر». كان خطاب برّاك تعبيرًا تلقائيًا وغير محسوب عن سياسات واشنطن الحقيقية التي تعاملت مع منطقتنا كساحات نفوذ ومصالح، لا كدول ذات سيادة وكرامة. دائمًا كان السلوك الأميركي قائمًا على فرض الوقائع، والتدخل في السياسات الداخلية، وازدراء أي مظهر لشخصية محلية وطنية غير هلامية – وكله لتسود «إسرائيل». كان ما حدث في قاعة بعبدا اختزالًا مسرحيًا لهذا النمط: مسؤول أميركي يتحدث وكأنه صاحب البيت والسلطة الأعلى، يحدد قواعد اللعبة، ويوبّخ الجميع، في القاعات المفتوحة والمغلقة، وكأنهم تلاميذ في صفّ مدرسي.
حادثة برّاك والصحفيين في السياق وفاء للنمط، فحسب. الصحفيون اللبنانيون، وغير اللبنانيين، هم في النهاية نتاج لـ – وجزء من- شخصية جمعية جرى الاشتغال عليها، محليًا وعالميًا، لتعتاد الاستماع لأي شيء، بما فيه الإملاء والتوبيخ، من دون أن تردّ. وخطاب برّاك هو وفاء لنمط سياسة بلده وممارساتها وثقافتها: التحدث من موقع المتفوق إلى الأدنى مرتبة والأقل تحضرًا –العرب بشكل خاص كما يبدو- مهما كانت مراكزهم وتوصيفاتهم الشخصية والمهنية.
ذات يوم، تساءل غسان كنفاني بلسان أبو الخيزران: «لماذا لم يدقوا جدار الخزّان». ويبقى السؤال نفسه دائمًا صالحًا بشأن العرب بكل طبقاتهم، ولو تغير «الخزان»: «لماذا لم يغادروا القاعة»؟