الصحافة .. بوصلة الوعي| م. عامر البشير
عمون-
م. عامر البشير-
لا ناقل خبر.. بل خط الدفاع الأخير عن الحقيقة
في زمنٍ يلتبس فيه وجه الحقيقة بصناعة الوهم، وتعلو الضوضاء على المعنى، تقف الصحافة عند مفترق طرق، إمّا أن تكون درعًا يحمي الضمير الجمعي ويصون ثقة الناس، أو تتحوّل إلى معولٍ ينخر هذه الثقة من جذورها، فالكلمة ليست حبرًا عابرًا على ورق، بل قدرٌ يفتح أبواب النور أو يجرّ خلفه ظلال العتمة والتضليل، وهنا يُطرح السؤال الحاسم: هل تبقى الصحافة حارسًا للمعنى، أم تسقط في فخ الإثارة والاستعراض، فتغدو شريكة في فوضى الوهم وصناعته؟
بين قدسية الحقيقة ومعاول الهدم
الصحافة ليست ناقل خبرٍ محايدًا، ولا صندوق بريدٍ يمرّر ما يُقال بلا فحص، إنها بوصلة أخلاقية وفكرية يقيس بها المجتمع وعيه ونضجه، وحين تتنازل عن دورها الاستقصائي لتغرق في التشهير واغتيال السمعة، تتحوّل من جسرٍ يوصل الناس بالحقيقة إلى أداةٍ تهدم الثقة العامة وتزرع الشكّ.
قال ألبير كامو: «الصحافة الحرة قد تكون جيّدة أو سيئة، لكن غيابها سيئ لا محالة.» عبارة تختصر جوهر المعركة بين الرسالة والغياب.
الصحفي فيلسوف… باحث عن الجوهر وسط الضوضاء
الصحفي الحقّ ليس جامعًا للسطحيات، بل فيلسوفٌ يتلمّس المعنى في قلب الضجيج، يضع كل رواية تحت مشرط النقد وميزان الضمير، مدركًا أنّ الكلمة حين تُلقى في العلن لا تبقى عابرة، بل تصبح قوةً قادرة إمّا على البناء أو على الهدم.
وكما قال جبران خليل جبران: «ويلٌ لأمةٍ تكثر فيها الصحف وتخلو من الحقيقة.» فالكلمة بلا جوهر ليست إلا قناعًا للزيف.
خطر الضوضاء الرقمية
أخطر ما يهدد المجال العام اليوم هو الطوفان الرقمي الذي أغرق الفضاء بأصواتٍ تحرّكها الأحقاد أكثر مما يحركها الشغف بالحقيقة، أصوات تصنع الشائعات كما لو تدسّ السمّ في الدسم، وتتناقلها على موائد افتراضية بلا سقف ولا رقيب أو حسيب، وقد رأينا كيف قادت بعض الصحف، حين استسلمت لمنطق عناوين الإثارة دون تحقق، إلى تدمير سمعة أبرياء أو تضليل رأي عام، وفي المقابل، أظهرت تجارب الصحافة الاستقصائية – حين كشفت ملفات فساد أو سوء إدارة – كيف يمكن للكلمة أن تحمي المجتمع من الانحدار.
بين الاستعراض والواجب
الصحافة ليست عرضًا يثير الغرائز، ولا سلعةً على رفوف الدعاية، بل مسؤولية جليلة تفرض التحقيق والتقصّي، الصحفي أشبه بطبيبٍ يقرأ الأعراض المعقّدة فلا يكتفي بالمشهد السطحي، بل ينفذ إلى جوهر الداء، وهنا يصبح الخيار صارمًا: إمّا أن تكون الصحافة رافعةً للوعي الجمعي، أو شريكًا في جرائم معنوية لا تقل خطورة عن جرائم الدم.
ولعلّ التجربة الأردنية تحمل شاهدًا حيًّا على ذلك، فقد عبّر القامة أحد صُنّاع التحوّل الإعلامي سمير الحياري عن حلمه بتأسيس وكالة عمون بوصفها "فكرة سبقت الولادة"، نافذة حرة على الحقيقة لا يحدّها سقف، إنّها شهادة تؤكد أن الصحافة، حين تنبع من حلمٍ صادق وإرادة حرة، تصبح أكثر من مشروع مهني؛ تتحول إلى رسالة تتجاوز القيود الرسمية، وتمنح المجتمع مرآةً صافية يرى فيها ذاته بعيدًا عن التشويه والرقابة.
خط الدفاع الأخير
الصحافة الاستقصائية ليست ترفًا، بل هي خط الدفاع الأخير عن الحقيقة، التخلي عنها ليس سوى سقوطٍ في هاوية الهوان، وإفلاسٍ مهني يهبط بالصحافة إلى مستوى المروّجين للشائعات في غابة رقمية لا تبقي ولا تذر.
كما قالت هانا أرندت: «الحقيقة قد تكون ضعيفة في وجه الأكاذيب، لكنها تملك قدرة نادرة على الصمود، فهي لا تموت.»
ما الذي تحتاجه الصحافة اليوم؟
إذا أرادت الصحافة أن تصون رسالتها، فعليها أن تحصّن نفسها عبر:
• الاستقلالية: التحرر من ضغوط المال السياسي والإعلاني.
• التأهيل المهني: الاستثمار في تدريب الصحفيين على أدوات الاستقصاء والتحقق، سيما في ظّل ادوات الذكاء الصناعي.
• القوانين الحامية: تشريعات تصون حرية الصحفي وتمنحه حماية من الترهيب.
• المصداقية الرقمية: بناء آليات تحقق تسبق النشر، لتكون الكلمة حاجزًا ضد التضليل لا جسرًا له.
خاتمة
ليست الصحافة حرفةً تُمارس ببرود، ولا تجارةً تُعرض على موائد الاستهلاك؛ إنها أمانة ورسالة، فإن هي صانت رسالتها، بقيت حارسًا للكرامة الإنسانية وبوصلةً ترشد العقول وسط العواصف، وإن خانت، غدت خنجرًا مسمومًا يُغرس في قلب الحقيقة.
إن الحفاظ على الصحافة هو الحفاظ على الضمير العام، وصونٌ لجسور الثقة بين الناس والدولة، فالحقيقة ـ وإن طال حجبها ـ تبقى كالشمس، لا يحجبها غربال، ولا تخفيها ضوضاء.
ومن واجب الصحافة أن تبقى في صفّ الشمس لا في صفّ العتمة؛ لتظل درعًا يحمي المجتمع، وصوتًا يذود عن كرامته، وبوصلةً تهدي إلى الطريق حين يختلط الحابل بالنابل.