عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2026

قريبا من جوهر الأزمات.. الأردن في قلب معادلة استقرار سورية

 الغد- إيمان الفارس

في لحظة إقليمية مثقلة بالتعقيد وتداخل الملفات، عاد الدور الأردني ليبرز بهدوء محسوب، بعيدا عن الاستعراض، وقريبا من جوهر الأزمات.
 
 
الاجتماع الأخير بين وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توماس براك، لم يكن حدثا بروتوكوليا عابرا، بل جاء كاشفا عن موقع عمان في قلب معادلة الاستقرار الإقليمي، ودورها كطرف فاعل يسعى إلى منع انزلاق الأزمات نحو مزيد من الفوضى.
ووفق تحليلات خبراء في الشأن السياسي والاستراتيجي، لـ"الغد"، فإن تحرك الأردن انطلاقا من قناعة راسخة، مفادها أن استقرار سورية لم يعد شأنا خارجيا، بل بات امتدادا مباشرا للأمن الوطني الأردني.
فالجغرافيا فرضت نفسها كعامل حاسم، والحدود الطويلة مع الجنوب السوري، جعلت أي اهتزاز امني هناك ينعكس تلقائيا على الداخل الأردني، سواء عبر تهديدات أمنية أو تحديات اقتصادية واجتماعية.
فمن هنا، لم يكن حضور الأردن في الملف السوري ترفا سياسيا، بل ضرورة استراتيجية. إذ أكد الخبراء أن دوره بدعم الاستقرار الإقليمي، لم يكن خيارا سياسيا ظرفيا، بل ضرورة فرضتها معادلات الأمن والجغرافيا والتاريخ، مشيرين إلى أنه دور استند على الدبلوماسية الهادئة، والإدراك العميق لتعقيدات الأزمة السورية، والسعي الدائم لإبقاء الحل السياسي ممكنا، في وقت تراجعت فيه فرص التسويات، وهو ما جعل من حضوره عاملا مؤثرا في معادلة استقرار سورية والمنطقة ككل.
كما شددوا على أن أهمية الاجتماع، برزت في كونه أعاد التأكيد على مركزية وقف إطلاق النار، ليس من زاوية إنسانية فقط، بل كحاجة أمنية ملحة. فغياب التهدئة فتح المجال أمام تمدد الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وتصاعد نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وهو ما تعامل معه الأردن باعتباره خطرا مباشرا لا يمكن تجاهله.
كما عكس الاهتمام بتنفيذ الاتفاقيات الخاصة بحلب والسويداء، فهما أردنيا عميقا لطبيعة الخلل الأمني، بخاصة في الجنوب السوري، بحيث تختلط الفوضى بالاقتصاد غير المشروع. وفق الخبراء الذين بينوا أم الدور الأردني تميز بكونه دورا تسهيليا عقلانيا، لا يسعى لفرض الحلول بقدر ما يعمل على تقريب وجهات النظر.
ولفتوا إلى انه برغم تعدد مراكز النفوذ في سورية وتعقيدات المشهد الدولي والانشغال العالمي بأزمات أخرى، إلا أن هذه التحديات نفسها، رفعت من قيمة هذا الدور، بوصف الأردن صوتا عقلانيا، حذر من مخاطر الانزلاق، وطرح بدائل واقعية قابلة للتنفيذ.
توقيت إقليمي بالغ التعقيد
وفي هذا السياق، أكد الخبير د. بشير الدعجة، أن اجتماع الصفدي وبراك، جاء في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، مع تصاعد منسوب القلق الأمني في الجغرافيا السورية، مشيرا إلى أن الأردن عاد ليتقدم المشهد بهدوء الدولة العارفة لا بضجيج الشعارات. مشددا على أن الاجتماع "لم يكن لقاء دبلوماسيا اعتياديا، بل رسالة استراتيجية واضحة، تفيد بأن عمان ما تزال تمسك بخيوط التوازن في احد اخطر ملفات الإقليم، وتتحرك بعقل الدولة الحارسة للاستقرار لا بردات الفعل ولا بسياسات المجازفة".
وقال الدعجة إنه كخبير امني واستراتيجي، فان الأردن "لم يتحرك في الملف السوري بدافع المجاملة الدبلوماسية، أو استجابة لضغوط خارجية، بل انطلاقا من معادلة امن وطني صلبة، ترى أن استقرار سورية خط الدفاع الأول عن امن الأردن، وحدوده ومجتمعه واقتصاده". مضيفا أن "الجغرافيا هنا ليست تفصيلا، والحدود الطويلة مع الجنوب السوري جعلت أي اهتزاز امني هناك ارتدادا مباشرا على الداخل الأردني".
وحول أهمية الاجتماع في سياق دعم الاستقرار الإقليمي، قال الدعجة إنها قامت على ثلاثة مستويات متداخلة، موضحا بأن المستوى الأول تمثل في أن "تثبيت وقف إطلاق النار، لم يكن هدفا إنسانيا فقط، بل ضرورة أمنية"، لأن الأردن أدرك بأن غياب التهدئة "يعني فراغا امنيا تستثمره الميليشيات العابرة للحدود، وتجار السلاح والمخدرات والتنظيمات المتطرفة".
وأشار إلى أن اهتمام عمان بتنفيذ الاتفاقيات الخاصة بحلب والسويداء "عكس فهما عميقا لطبيعة الخلل الأمني في الجنوب السوري، بحيث تتقاطع الفوضى مع شبكات الجريمة المنظمة، وليس مجرد صراع سياسي تقليدي".
وفي المستوى الثاني، بين الدعجة أن الدور الأردني تميز بكونه دور "الوسيط العاقل"، موضحا بأن المملكة احتفظت بخطوط تواصل مفتوحة مع الفاعلين الدوليين، وتمتعت "بمصداقية سياسية وأمنية نادرة في الإقليم"، وهي الميزة التي "لم تتوافر لكثير من الأطراف"، وجعلت الأردن قادرا على "تسهيل الحلول لا فرضها، وعلى تقريب وجهات النظر بدل استعراض القوة". مبينا بأن هذا النوع من الأدوار "كان الأكثر واقعية والأطول نفسا" في ملف معقد كسورية.
أما المستوى الثالث، فتمثل وفق الدعجة بأن الأردن "ربط الحل السياسي بالمعالجة الأمنية على الأرض"، مشيرا إلى أن التجربة، أثبتت بأن "الاتفاقيات التي لا تدعم بترتيبات أمنية واضحة، وآليات رقابة وتنفيذ، تبقى حبرا على ورق". لهذا، فان الحضور الأردني في أي نقاش حول وقف النار أو التهدئة "لا ينفصل عن الحديث الصريح حول ضبط السلاح، ومنع تمدد الجماعات غير النظامية، وتجفيف مصادر التهديد، بخاصة تلك المرتبطة بالحدود الجنوبية".
وحول مدى قدرة المملكة على لعب دور فاعل في المرحلة المقبلة، قال إن الإجابة الواقعية كانت "نعم، ولكن ضمن حدود ذكية ومدروسة"، موضحا بأن الأردن "لم يملك ترف المغامرة، ولم يسع إلى لعب أدوار تفوق حجمه، لكنه امتلك الأهم وهو وضوح الرؤية وثبات الموقف وتوازن العلاقات". مؤكدا أن هذه العناصر "جعلته شريكا موثوقا في أي مسار سياسي أو امني، سعى لاستقرار حقيقي لا لحلول مؤقتة".
وفي سياق التحديات الإقليمية، أشار الدعجة إلى أن تعدد مراكز النفوذ في سورية، وتعقيدات المشهد الدولي والانشغال العالمي بأزمات أخرى "جعلت المهمة صعبة"، لكنها في الوقت ذاته "رفعت من قيمة الدور الأردني كصوت عقلاني، حذر من الانزلاق وطرح بدائل قابلة للتنفيذ".
وتابع أن الأردن "لم يرفع صوته كثيرا، لكنه حين تحرك فعل ذلك بحسابات دقيقة"، معتبرا بأن اجتماعات من هذا النوع "لم تكن مجرد تنسيق دبلوماسي، بل جزءا من استراتيجية أوسع لحماية الاستقرار الإقليمي، ومنع انتقال الفوضى وإبقاء الحل السياسي ممكنا، في وقت تآكلت فيه فرص الحلول"، وهو ما "جعل الدور الأردني ضروريا وليس اختياريا".
لعب دور تجسيري 
من جانبه، أكد الخبير د. نضال أبو زيد، أن الاجتماع، عكس حقيقة أن الأردن ظل منخرطا بعمق في الملف السوري، ليس فقط عبر القناة الدبلوماسية، بل أيضا عبر البوابة الأمنية، مبينا أن هذا الانخراط برز بوضوح بعد انعقاد خماسية عمان في آذار (مارس) العام الماضي، والتي أسست لعلاقة جديدة بين دول جوار سورية والحكومة السورية، وكان من ابرز مخرجاتها؛ الاتفاق على إنشاء غرفة عمليات مشتركة مع الحكومة السورية، ما يعني بأن الأردن اشتبك امنيا وديبلوماسيا في آن واحد بالملف السوري.
وأشار أبو زيد إلى أنه ومن هذا الإطار، جاء الاجتماع بين الصفدي وبراك، إذ لم يكن محصورا بملف السويداء أو قضية الدروز، بل امتد ليشمل العمق السوري، وتحديدا ملف الأكراد وقوات "قسد" والعمليات العسكرية الجارية في مناطق سيطرتها.
وأضاف أن نقاط التباحث التي ظهرت بين المبعوث الصفدي وبراك، أكدت أن عمان سعت لعب دور تجسيري مع تركيا في هذا الملف، خصوصا وأن اللقاء السياسي سبقته زيارة عسكرية تركية للأردن، ما عكس وجود مسار تنسيقي أردني تركي، منبثق عن مخرجات خماسية عمان، وغرفة العمليات المشتركة.
وبحسب أبو زيد، فان هذا التنسيق بين الأردن وتركيا، يهدف لحفظ استقرار سورية فيما يتعلق بملف "قسد"، ضمن مقاربة وازنت بين المسارين الدبلوماسي والأمني. مؤكدا أن الأردن دفع باتجاه تغليب المسار الدبلوماسي، عبر طرحه مبادرة قادها براك، قامت على إلزام "قسد" والأكراد باتفاق العاشر من آذار (مارس) العام الماضي، والذي اشتمل على ثماني نقاط، وتضمن أن يسلموا سلاحهم وينخرطوا في الجيش السوري.
وحذر من انه في حال لم توافق "قسد" على هذا المسار، واستمرت بالتراجع عن اتفاق آذار،  فإن ذلك كان يعني انتقالا عمليا؛ من تغليب الدبلوماسية إلى تغليب الخيار العسكري، إذ اصبح المسار الدبلوماسي في هذه الحالة، غطاء لتقدم المسار العسكري وليس بديلا عنه. مشددا على أن الأردن فضل دائما الحلول الدبلوماسية لكل قضايا سورية والمنطقة، ودخل إلى ملف الدروز في السويداء من هذه البوابة، كما دخل حينها إلى ملف "قسد" أيضا من البوابة ذاتها، وعمل على مقاربات مشابهة في ملفات إقليمية أخرى.
وشدد أبو زيد، على أن الأردن، في سلوكه السياسي والإقليمي، قدم العقل الدبلوماسي على العقل الأمني والعسكري في كل القضايا المحيطة بالإقليم. ففي ظل تصاعد العمليات العسكرية، وتلويح تركيا بخيار التدخل العسكري في ملف قسد، حال لم تلتزم بالاتفاقات، رأى الأردن بأن فرص نجاح المسار الدبلوماسي، يجب أن تكون اكبر من فرص نجاح المسار العسكري، وان استقرار سورية والمنطقة، لم يكن ليتحقق إلا بتسويات سياسية مدعومة بتفاهمات إقليمية ودولية، تقودها عواصم تمتلك القدرة على التجسير، وفي مقدمتها عمان.
نهج سلمي ومعتدل
وفي ضوء هذا الاجتماع، قيّم أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية الألمانية د. بدر الماضي، الدور الأردني، بوصفه ضروريا وملحا. مؤكدا أنه ارتبط مباشرة بالأمن القومي الأردني، وبالحفاظ على سورية آمنة ومستقرة وموحدة، بالإضافة لدوره بلعب دور تجسيري الذي عانى لسنوات طويلة جدا من الاضطرابات والتوترات.
وقال الماضي، إن الأردن كان قريبا جدا من الملف السوري، ومن مجمل المفاوضات الدولية المتعلقة به، مشيرا إلى أنه تابع عن كثب ما جرى من تحركات واتصالات مع الولايات المتحدة الأميركية والأوروبيين، إلى جانب قربه من التحركات الإسرائيلية التي سعت لزعزعة الأمن ووحدة الأراضي السورية.
وأضاف أن هذا الواقع فرض ضرورة الحضور الأردني في هذه الملفات والقضايا الحساسة، انطلاقا من تأثيرها المباشر عليه وعلى المنطقة. موضحا بأنه دور ليس يكن وليد اللحظة، بل استند على نهج سلمي ومعتدل، انتهجته المملكة طوال سنوات بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، وبإدارة وتنفيذ من وزارة الخارجية الأردنية، ما جعل الأردن ملاذا آمنا وموثوقا لكثير من الدول الكبرى التي لجأت إليه، للاستماع إلى تقييمه لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المنطقة، لا سيما في سياق الملف السوري.
وشدد أستاذ العلوم السياسية، على أن الموقف الأردني كان واضحا وحاسما حيال التدخلات والتوغلات الإسرائيلية، ومحاولات تبني أطرافا سورية على حساب وحدة الأراضي السورية، ووحدة الدم والجغرافيا.
واعتبر الماضي بأن ذلك كان مرفوضا على نحو مطلق من الدولة الأردنية، متابعا بأن الأردن لعب دورا مهما في هذا السياق، ليس كوسيط مباشر، وإنما كدولة متأثرة على نحو مباشر بما يجري في سورية، ما مكنه غالبا من توظيف خبراته السياسية والدبلوماسية والأمنية لصالح الحكومة السورية الجديدة التي وصفها بأنها حكومة ونظام سياسي وليد يحتاج لدعم عربي.
وأشار الماضي إلى أن الأردن، تبنى هذا الدعم في شقيه الأمني والسياسي، في وقت تبنت فيه دول عربية أخرى، تقديم دعم اقتصادي للحكم الجديد والدولة السورية. واعتبر بأن هذا الانخراط الأردني في الملف السوري كان مهما جدا للمملكة، سواء من زاوية متطلبات الأمن القومي الأردني أو من زاوية الحفاظ على وحدة سورية، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على استقرار الأردن.
وأضاف الماضي، أن الدور الأردني اكتسب أهمية إضافية بإسهامه في بناء جسور الثقة مع المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، للبقاء ضمن دائرة الدول الفاعلة التي تنادي بضرورة استعادة الاستقرار في المنطقة.
وبين أن هذا الاستقرار، بدأ سياسيا قبل أن ينعكس اقتصاديا، عبر إنهاء حالة الصراع التي أثرت على دول أوروبا والعالم العربي والأردن بشكل خاص. مشددا على أن الأردن لعب دورا تسهيليا مهما في البحث عن حلول سياسية فاعلة، مستندا على شبكة علاقاته مع المجتمع الدولي وعلاقاته مع المجتمع والدولة في سورية، معتبرا بأن منطلقات الدور الأردني كانت مهمة للدولة الأردنية بقدر أهميتها لسورية، وللاستقرار العام في المنطقة.