"طقوس الوجد والتيه".. حينما تتقاطع التجربة الذاتية مع الهم الإنساني
الغد-عزيزة علي
ضمن لغة شعرية ثريّة وصور موحية تعكس نضج التجربة وخصوصيتها، يقدم الشاعر سعيد يعقوب في ديوان "طقوس الوجد والتيه" نصوصًا شعرية تتنوع في موضوعاتها ورؤاها، وتتقاطع فيها التجربة الذاتية مع الهم الوطني والإنساني.
يطل الشاعر سعيد يعقوب على القارئ بديوانه الجديد "طقوس الوجد والتيه"، الصادر بدعم من وزارة الثقافة، ليوسع أفق تجربته الشعرية، ويؤكد حضوره المتواصل في المشهد الثقافي العربي. ويعد هذا الديوان إضافة نوعية إلى منجزه الشعري، بنصوص تتكئ على عمق التجربة وثراء اللغة وتنوع الرؤى.
كتب أستاذ اللسانيات والعلوم اللغوية في جامعة الخليل – فلسطين، الأستاذ الدكتور هاني صبري بطاط، مقدمة للديوان، أشار فيها إلى قوله: "لقد قرأتُ قصائد هذا الديوان قراءة المدقق المعجب، الذي لا يكاد ينتهي من قصيدة حتى ينتقل إلى أخرى من غير أن يعتريه ملل؛ إذ تبعث قصائده ومقطوعاته على الراحة، وتأخذ القارئ إلى عالم من الصور والأخيلة التي أبدعها يعقوب في فنية تجعلنا نقر، بموضوعية واستحقاق، بمقدرته الكبيرة على استحضار الصور الدقيقة، ورسم الأخيلة العميقة".
ويشير بطاط إلى أن الديوان يشتمل على قصائد مؤتلفة مع عنوانه "طقوس الوجد والتيه"؛ إذ استطاع الشاعر أن يرسم للقارئ لوحات آسرة من طقوس إنسانية تتآلف فيها الأضداد المختلفة، ويمكن جمعها تحت مسمى "مختلفات مؤتلفات"، أو إن شئنا جدليات الثنائيات: فرح وحزن، ولقاء وفراق، وثبات وحركة، وماض وحاضر، وحياة وموت، وقوة وعجز.
ويضم ديوان "الطقوس" أربعًا وثلاثين قصيدة ومقطوعة شعرية متنوعة، تتناغم مع حاجات النفس الإنسانية واهتماماتها وتطلعاتها نحو هذه فلسطين، وتتناول موضوعات شتى، من بينها: في مجلس اللذات وآفة المخدرات، وذئب ونعاج، وحسن الختام، وآخر المطاف، والدنيا. كما يضم الديوان قصائد أخرى تعبر عن مشاركة الشاعر في مناسبات مجتمعية، مثل قصيدة في المولد النبوي الشريف، وقصيدة اليوبيل الذهبي لرابطة الكتاب الأردنيين، وقصيدة سندس الصيداوي، وغيرها.
وتحدث بطاط عن الاتجاهات الشعرية في الديوان، مبينا أنها "تتسم بالتنوع والغنى"؛ إذ تحضر النزعة الدينية بقوة في عدد من قصائد "الطقوس"، وتتبدى بصورة واضحة في قصائد عديدة، منها: حُسن الختام، والنهاية واحدة، وفي المولد النبوي الشريف، وسندس الصيداوي.
ويؤكد على أن نزعة شعرية فلسفية تبرز تعبر عن تجربة إنسانية عميقة لا يبلغها إلا كبار الشعراء الذين صقلتهم تجارب الحياة وإشكالاتها؛ وقد انقادت هذه النزعة للشاعر بصورة عبقرية من غير تكلف أو تصنع، فرسم صورها الدقيقة بأدق تفاصيلها، كما نلمس ذلك في قصائد: الجرح الغائر، ونصيحة، وذئب ونعاج، والدنيا، وآخر المطاف.
كما يشير البطاط إلى النزعة الوطنية التي حضرت في قصائد الشاعر حضورًا لافتًا، إذ نالت حيّزًا غير قليل في أشعاره ودواوينه، ويتجلى ذلك بوضوح في دواوين: عبير الشهداء، وغزة تنتصر، ومقدسيات، وهي حاضرةٌ كذلك في ديوان "الطقوس"، من خلال قصيدة هذي فلسطين.
ويرى أن الشاعر حاضر بعمق في واقعه الاجتماعي، لا ينفصل عنه، بل يمثله أصدق تمثيل في حسه ووعيه، وفي أفراحه وهمومه ومناسباته؛ فنراه يرسم قضايا مجتمعه رسمًا واقعيًا صادقًا.
وتتجلى هذه السمة في قصائد مثل: آفة المخدرات، وعيد العمال، واليوبيل الذهبي لرابطة الكتاب الأردنيين، التي تعبر بصدق عن مناسبات المجتمع الأردني على وجه الخصوص، والمجتمع الإنساني على وجه العموم، بروح واقعية واعية.
ويؤكد أن من يستقرئ قصائد الشاعر في دواوينه المختلفة يلحظ غنى لافتًا، سواء في المعاني المستجدة، أم في الألفاظ الدالة عليها، التي تأتي في هيئة ثوب مطرز بألوان مزركشة وحلى نفيسة، تأخذ النفس إلى تناغم في تيه من المعاني المختلفة المؤتلفة. وتتآلف هذه المعاني مع ألفاظ منتقاة من معجم لغوي ينساب بيسر وسلاسة، ويكشف عن ثراء أسلوبي لافت، تُسبك فيه الألفاظ جنبًا إلى جنب حتى تغدو جسدًا واحدًا بروح المعنى.
ويشير إلى أن المعجم اللغوي للشاعر في دواوينه المختلفة يستحقّ أن تتوقّف عنده أنظار الباحثين اللغويين، وأن يُنصف في دراسات لسانية ولغوية، ودلالية، وصوتية، وأسلوبية، وسيميائية، ينتفع بها أهل اللغة والدارسون.
ويقول إن الشاعر يُعدّ علماً من أعلام الشعر العربي الحديث؛ فمن يقف على أعماله الشعرية والمسرحية يقف إجلالاً وإكباراً أمام شاعر امتطى صهوة الشعر فأطاعه، فجاءته أعنّته منقادة، شاعر حمل همّ أمته ومجتمعه، وكان مثقّفاً عارفا واعياً.
ويضيف أنّه الشاعر قد صدر له أكثر من أربعة وثلاثين ديواناً ومسرحية، وأن غزارة مادته الشعرية والمسرحية تدلّ على ملكة وموهبة مطبوعتين لا مصنوعتين؛ إذ أصدر ديوانه الأوّل العلائيات سنة 1985م، فتجلّت موهبته الشعرية مبكّراً، قبل السابعة عشرة من عمره. وقد استطاع أن يؤسّس لنفسه معجماً دلالياً واسعاً يتّسع لاستيعاب مختلف الصور والمعاني.
وقد حصل الشاعر على عدد من الجوائز التي تدلّ على استحقاقه وإقرار بمكانته بوصفه علماً من أعلام الشعر العربي؛ إذ نال عدداً كبيراً من الجوائز من مؤسّسات متعدّدة، وشارك في عشرات اللقاءات ضمن برامج ثقافية في فضائيات وإذاعات محلية وعربية، وقدّم أكثر من أربعين ديواناً لشعراء عرب، ونشر العديد من القصائد في الصحف والمجلّات المحلية والعربية، فضلاً عن مشاركته في كثير من الأمسيات الشعرية والمهرجانات والمناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية.