التغيرات المناخية واقع يهدد المنطقة العربية.. بدران يبحث سبل المواجهة والتكيف
الغد-عزيزة علي
يتناول كتاب "موجات التغيرات المناخية والعالم العربي"، الصادر حديثاً عن دار الشروق للنشر والتوزيع، للدكتور إبراهيم بدران، أبرز القضايا التي تواجه العالم في المرحلة الراهنة، والمتمثلة في التغيرات المناخية المتسارعة وتداعياتها على مستقبل المجتمعات، ولا سيما في المنطقة العربية التي تُعد من أكثر مناطق العالم تأثراً بارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار واتساع رقعة الجفاف وشح الموارد المائية.
ويقدم الكتاب قراءة شاملة لأبعاد هذه الظاهرة وأسبابها، ودور النشاط البشري في تسارع وتيرتها، وانعكاساتها على منظومة الأمن الغذائي والمائي والبيئي والصحي، فضلاً عن آثارها الاقتصادية والاجتماعية التي باتت تمس حياة الأفراد والمجتمعات وتهدد قدرتها على التكيف والاستمرار. كما يسلط الضوء على خصوصية الواقع المناخي العربي، في ظل محدودية الموارد المائية واتساع المناطق الجافة وزيادة الضغوطات على الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية.
ولا يكتفي المؤلف بتشخيص مظاهر التغير المناخي وتحليل مخاطره، بل ينتقل إلى بحث سبل المواجهة والخيارات العملية المتاحة، من خلال توظيف العلم والتكنولوجيا والهندسة الحديثة، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتوفير التمويل اللازم، إلى جانب تطوير سياسات ومشاريع قادرة على الحد من آثار هذه التغيرات والتعامل مع تداعياتها.
ويبرز الكتاب أهمية التعاون العربي المشترك في مواجهة هذه التحديات، انطلاقاً من تشابه الظروف والخصائص المناخية بين الدول العربية، والحاجة إلى تنسيق الجهود وتبادل الخبرات وتنفيذ مشاريع علمية وتكنولوجية مشتركة، بما يعزز قدرة المنطقة على حماية مواردها وتحقيق أمنها المائي والغذائي والبيئي.
ويطرح بدران من خلال هذا العمل رؤية تتجاوز توصيف المشكلة إلى البحث في الإجراءات والخطوات التنفيذية المطلوبة على مستويات الفرد والمجتمع والمؤسسات والدول، مؤكداً أن التغيرات المناخية لم تعد قضية مستقبلية أو مجرد احتمالات علمية، بل واقعاً يومياً يتطلب استجابة عملية وتعاوناً واسعاً، تفادياً لتداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية متزايدة الكلفة.
ويتوزع الكتاب على سبعة فصول، يتناول الفصل الأول منها: "التغيرات المناخية وأبعادها"، فيما يبحث الفصل الثاني: "الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها". ويخصص الفصل الثالث: "لاستعراض الحالة المناخية في العالم العربي"، بينما يناقش الفصل الرابع: "متطلبات المواجهة المناخية والسبل الكفيلة بالتعامل مع تداعياتها".
ويتناول الفصل الخامس: "أهمية التخضير وزراعة الغابات في الحد من آثار التغيرات المناخية"، فيما يسلط الفصل السادس: الضوء على "دور البحث والتطوير والإبداع والمؤسسات الأكاديمية في مواجهة هذه التحديات". ويختتم الكتاب بالفصل السابع: الذي يبحث "آفاق التعاون العربي في التصدي للتغيرات المناخية"، وأهمية توحيد الجهود وتنسيق المبادرات لمواجهة آثارها على مستوى المنطقة.
وأشار بدران في مقدمة الكتاب، إلى أن الاهتمام بالمناخ وما يشهده من تغيرات متسارعة شهد تزايداً ملحوظاً خلال القرنين الماضيين، ولا سيما في العقود السبعة الأخيرة، حيث تعمقت هذه التغيرات واتسعت آثارها لتطال الأمن الغذائي والمائي والبيئي والصحي في مناطق عديدة من العالم.
ولفت المؤلف، إلى أن المجتمع الدولي تنبّه إلى خطورة هذه الظاهرة، واتجه نحو تعزيز التعاون واتخاذ إجراءات من شأنها الحد من سرعتها وآثارها، من خلال إنشاء مؤسسات دولية وعلمية متخصصة لدراسة التغيرات المناخية وتحليل أسبابها وتداعياتها.
وأوضح أن النشاط البشري ساهم بصورة كبيرة في تسارع هذه التغيرات، نتيجة انبعاث الغازات الدفيئة الناجمة عن احتراق الوقود المستخدم في وسائل النقل والأجهزة والآلات ومحطات توليد الكهرباء، وفي مقدمتها غاز ثاني أكسيد الكربون، الأمر الذي أدى إلى زيادة حرارة الأرض، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية على النظم الطبيعية واستقرار الحياة.
وأضاف أن تفاقم الظاهرة ارتبط أيضاً بتراجع المساحات الخضراء وإزالة الغابات، سواء لإقامة مشاريع زراعية أو لتربية الحيوانات والطيور وإنتاج اللحوم، فضلاً عن التوسع العمراني وانتشار المباني والمنشآت الإسمنتية على حساب الأراضي الطبيعية والخضراء.
ويبين بدران أن المنطقة العربية تُعد من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتغيرات المناخية، بفعل عوامل جغرافية ومناخية، من أبرزها ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات هطول الأمطار، واتساع رقعة الجفاف، في ظل سيادة الظروف الجافة على نحو 87 % من أراضيها، إلى جانب محدودية المسطحات المائية، بما فيها الأنهار والبحيرات.
وأكد أن هذه المعطيات تضع العالم العربي أمام تحديات مناخية كبيرة، تتطلب مواجهتها توظيف العلم والتكنولوجيا والهندسة الحديثة والمستقبلية، وتوفير التمويل اللازم، وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر التغير المناخي وآثاره المحتملة، مشدداً على أن التعامل مع هذه التحديات يستدعي تعاوناً عربياً مشتركاً، إلى جانب توسيع مجالات التعاون مع المجتمع الدولي.
وأشار المؤلف، إلى أن الكتاب يقدم عرضاً عاماً لظاهرة التغيرات المناخية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، ويستعرض المداخل الرئيسة لمواجهتها والبدائل المتاحة لمعالجة إشكاليات المياه والجفاف والغذاء. كما يسلط الضوء على أهمية التعاون بين الدول العربية، في ضوء تقارب ظروفها وخصائصها المناخية، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، من دون الاكتفاء بانتظار المساعدات الخارجية.
وشدد بدران على أن التغيرات المناخية لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأن المنطقة العربية، باعتبارها من المناطق الأكثر هشاشة مناخياً، تحتاج إلى جهود مكثفة وعمل مشترك، فضلاً عن تنفيذ مشاريع علمية وتكنولوجية على المستويين الوطني والعربي.
وفي كلمة على غلاف الكتاب، أكد المؤلف أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد توقعات أو احتمالات لموجات قد تحدث مستقبلاً، بل أصبحت واقعاً عالمياً تتجلى مظاهره يومياً في مختلف أنحاء العالم.
ويرى أن القضية لم تعد شأناً سياسياً أو اقتصادياً أو علمياً فحسب، بل أصبحت قضية وطنية ومجتمعية تمس حياة الجميع، إذ تمتد آثارها من تراجع الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة، إلى انتشار الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات، وتضرر الحياة البرية والبحرية، واتساع رقعة الجفاف، وما يرافقه من تداعيات على المياه والغذاء وقدرة المجتمعات والأفراد والموارد على الصمود والاستمرار.
ويطرح بدران تساؤلاً محورياً يتمثل في: ماذا ينبغي أن نفعل بعد إدراك حجم هذه الظاهرة؟ وكيف يمكن للأفراد والمجتمعات والدول والأقاليم مواجهتها والحد من آثارها؟
وفي هذا السياق، أكد أن تقارب الخصائص المناخية بين الدول العربية، التي تشكل في مجملها نطاقاً مناخياً متشابهاً، يتيح فرصاً واسعة للتعاون والعمل المشترك، سواء بين الدول المتجاورة أو على المستوى العربي العام.
وشدد على أن الأولوية لم تعد تقتصر على توصيف المشكلة وتحليل أبعادها، بل باتت تتطلب الانتقال إلى العمل ووضع خطوات عملية قابلة للتنفيذ، على مستويات الفرد والمجتمع والمؤسسات والدول والإقليم.
كما يسلط الضوء على ضرورة تحديد الجهات والقطاعات ذات الأولوية، ورسم مسارات واضحة للتحرك، بما يساهم في مواجهة التغيرات المناخية والحد من تداعياتها، وتجنب الكلفة الإنسانية والاقتصادية والمجتمعية الباهظة التي قد تنجم عن تأخير اتخاذ الإجراءات اللازمة.