الدستور
«أنا رجل واحد يقف لوحده ضد ألف لوبي» – جورج بوش الأب.
في تقريرٍ أصدره المعهد اليهودي للأمن القومي للولايات المتحدة (JINSA)، وهو مركز أبحاث أمريكي غير ربحي يُعنى بقضايا الأمن القومي المتصلة بالعلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، يتضح مدى اعتماد هذا الكيان على الدعم الأمريكي خلال حربه التي استمرت اثني عشر يومًا مع إيران.
يشير التقرير إلى أنّ أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى المعروفة باسم «ثاد» (THAAD)، التي تصنّعها شركة لوكهيد مارتن الأمريكية ــ وهي الشركة ذاتها التي تنتج سلسلة طائرات «إف» (F) ــ وتديرها الولايات المتحدة، قد تولّت بمفردها اعتراض نصف الصواريخ الإيرانية. وقد نشرت الولايات المتحدة سبعة أنظمة «ثاد» في الكيان الصهيوني، وهو أقوى نظام في العالم لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويحتاج كل نظام إلى 95 جنديًا أمريكيًا لتشغيله، ويضم ست منصات إطلاق محمولة على شاحنات، و48 صاروخًا اعتراضيًا، ورادارًا متنقّلًا، مع قدرة على اعتراض المقذوفات من مسافة تصل إلى مئتي كيلومتر.
لم يمتلك الكيان الصهيوني أنظمة دفاع جوي فعّالة قادرة على اعتراض الصواريخ الفرط صوتية الإيرانية، ما جعله يعتمد اعتمادًا شبه كامل خلال حربه مع إيران على منظومات «ثاد»، وطائرات «إف-35»، والقنابل، والدعم اللوجستي الأمريكي. وحين أخفقت كل هذه الوسائل، تدخّلت الولايات المتحدة بكامل عتادها، فقصفت مواقع التخصيب الإيرانية مباشرة.
ووفقًا للتقرير، فقد أسقطت هذه الأنظمة 201 صاروخ إيراني من أصل 574 أطلقتها إيران، فيما سقط 316 صاروخًا في مناطق غير مأهولة، وأصاب 57 صاروخًا أهدافًا حيوية داخل فلسطين المحتلة. وبطبيعة الحال، تبقى هذه الأرقام محلّ شك، إذ يحرص الكيان على إخفاء حجم الأضرار الحقيقية التي تسببت بها الصواريخ الإيرانية. كما خلص التقرير إلى أنّ الخسائر الاقتصادية التي تكبّدتها إيران كانت أعلى بكثير من خسائر الكيان، غير أنّ خسائر الولايات المتحدة تجاوزت خسائر الطرفين، وهي خسائر تحمّلها الشعب الأمريكي. وأشار التقرير إلى أنّ نظام «ثاد» أنقذ الكيان من أضرار تقدّر بنحو 13.4 مليار دولار لو أنّ تلك الصواريخ أصابت أهدافها.
إلا أنّ التقرير يضلّل حين يروّج لفكرتين؛ أولاهما أنّ هذا النظام خدم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة أكثر مما خدم الكيان، وثانيهما أنّ هذا الدعم عزّز قوة الردع الأمريكية في مواجهة روسيا والصين. والهدف من ذلك، بطبيعة الحال، هو إقناع الشعب الأمريكي وأصحاب القرار بمبررات الكلفة الباهظة التي تكبّدتها واشنطن في هذه المواجهة. وما أغفله التقرير أنّه كشف بوضوح مدى اعتماد الكيان على الولايات المتحدة، رغم وحشيته وصناعاته العسكرية المتطورة، ورغم سعيه الدائم لتصوير نفسه كالقوة الوحيدة في المنطقة التي تهابها أعداؤها.
ويكذب السفير الأمريكي في لبنان، توم باراك، حين يقول للرئيس اللبناني جوزيف عون إنّ الولايات المتحدة لا تستطيع فعل شيء لإجبار الصهاينة على أي خطوة. أما السفير الأمريكي الصهيوني مايك هاكابي فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ ندّد ببيان صادر عن 25 دولة ــ من بينها أقرب حلفاء واشنطن ــ يدعو إلى وقف المجزرة في غزة، واصفًا إياه بـ»المثير للاشمئزاز»، مضيفًا أنّ غزة تعاني لسبب واحد هو أنّ حماس ترفض كل المقترحات، وأنّ إلقاء اللوم على الكيان أمر غير منطقي.
إنّ قرار إيقاف الإبادة بيد الولايات المتحدة، فهي من يدفع الأموال، ويزوّد بالسلاح، ويمنح الغطاء السياسي، ومن يملك هذه الأوراق يملك القرار. والتاريخ مليء بالأمثلة التي تُظهر أنّ الكلمة الفصل كانت دائمًا لسيد البيت الأبيض، فيرضخ رئيس الوزراء الصهيوني. ففي عام 1956 أمر الرئيس الأمريكي أيزنهاور بانسحاب جيش الكيان من سيناء، وكان له ما أراد. وفي عام 1975 فرض كيسنجر فكّ الاشتباك على الصهاينة في الجبهتين السورية والمصرية عقب حرب 1973. وضغط كارتر على الكيان للانسحاب الكامل من صحراء سيناء في اتفاقية كامب ديفيد ــ وهو ما يندم عليه الصهاينة حتى اليوم ــ كما أجبر بوش الأب الكيان على الانخراط في مفاوضات مدريد، مستخدمَين المساعدات الأمريكية لفرض إرادتهما. ولا ننسى الرئيس ريغان، الذي أنهى في مكالمة هاتفية واحدة وجود الجيش الصهيوني في لبنان عام 1982. وهناك عشرات الأمثلة الأخرى.
ومن ثمّ، فإنّ التقرير يلمّح ضمناً إلى أنّ الرئيس الأمريكي ترامب لم يضغط مطلقًا على الكيان لوقف الإبادة، ولو أراد لفعل، وهو الذي طلب أن يدخل البيت الأبيض والإبادة متوقفة، فتوقفت بالفعل، كما أمر بعودة طيران جيش الاحتلال وهو في طريقه لقصف طهران، فعاد أدراجه.