عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Oct-2026

غزة: ثلاث سنوات في أتون الحرب

 الغد

بيل ترو* - (الإندبندنت) 2026/10/9
بعد ثلاث سنوات على هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، تحولت غزة إلى مساحة يعمها الدمار والنزوح والمعاناة، فيما امتد العنف إلى الضفة الغربية. وبينما تتواصل المأساة، يدعو أقارب ضحايا الهجمات إلى التخلي عن منطق الرد والانتقام، ووضع حد للحرب والاحتلال، وإرساء سلام حقيقي قائم على المساءلة وحق تقرير المصير.
 
 
في أعقاب الهجمات العنيفة التي شنتها حركة "حماس" على جنوب إسرائيل قبل ثلاث سنوات من اليوم، كانت المشاعر الطاغية هي الرعب والحزن، وفي بعض الأوساط الرغبة في الانتقام.
ولذلك توقعتُ أن أجد الغضب واليأس عندما قابلت أقارب الضحايا. ومن هؤلاء قابلت يوناتان زيغن بعد أيام قليلة من مقتل والدته، الناشطة من أجل السلام فيفيان سيلفر، في كيبوتس بئيري. وكانت أمه واحدة من نحو 1.200 شخص قتلهم المسلحون في ذلك اليوم.
لكن ما قاله آنذاك أفقدني القدرة على الكلام؛ فقد حذر هذا الأب لثلاثة أطفال قائلاً: "الانتقام ليس استراتيجية". وعلى الرغم من أنه كان ما يزال غارقاً في حزنه الشخصي، فقد حث العالم بدلاً من ذلك على "الاستثمار في السلام".
ببصيرة لم يمتلكها الجميع، تنبأ بمستقبل دموي لقطاع غزة الممتد على طول 40 كيلومتراً. وفي مرحلة كانت ما تزال مبكرة نسبياً من حرب إسرائيل غير المسبوقة على غزة وحصارها للقطاع، حذر يوناتان مجدداً من "الخطر الحقيقي جداً"، المتمثل في أن يتدهور الوضع إلى "واقع جحيمي".
جاء تحذيره هذا قبل وقت طويل من توصل لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى خلاصة مفادها بأن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، (وهو ما تنفيه إسرائيل).
وتردد صدى كلماته لدى عدد قليل من أقارب القتلى أو الرهائن الذين احتجزتهم "حماس"، ومن بينهم ماعوز إينون الذي قتل والداه بيلها وياكوف في ذلك اليوم أيضاً.
ومنذ ذلك الحين، أمضى ماعوز السنوات الثلاث الماضية في العمل مع ناشط السلام الفلسطيني عزيز أبو سارة، الذي قضى شقيقه تحت التعذيب في سجن إسرائيلي. ولا يدعو الرجلان إلى وضع حد فوري لهذه المذبحة العبثية وهذا الاضطهاد اللذين كانا قائمين قبل العام 2023 فقط، بل أيضاً إلى مستقبل يسوده سلام حقيقي.
وفي مقالة رأي نشراها في صحيفة "الإندبندنت" بهذه المناسبة قبل عامين، استهلا كلامهما بتصريح آخر بدا استشرافياً، كتباه قبل وقت طويل من الحرب المتواصلة مع إيران التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتدت تداعياتها إلى ستة بلدان. وقالا: "قد نكون الآن على شفا صراع إقليمي، أو حتى حرب عالمية". وأضافا: "لقد نجحت البشرية في تحقيق السلام مرات عديدة من قبل، ويجب علينا تحقيق السلام الآن، بين النهر والبحر".
كان 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 يوماً دامياً ومدمراً، وكانت الفظائع حقيقية. وقتل كثيرون من بين نحو 250 شخصاً احتجزهم المسلحون كرهائن، وروى الناجون روايات عن انتهاكات تعرضوا لها.
لكن ذلك لم يحدث من فراغ. فقبل تشرين الأول (أكتوبر) 2023 كانت غزة بالفعل أرضاً واقعة تحت الاحتلال والحصار الإسرائيليين، ووصفها خبراء الأمم المتحدة والعاملون في المجال الإنساني على حد سواء بأنها سجن مفتوح على وجه الأرض.
وفي الواقع، خلصت "محكمة العدل الدولية"، في رأي استشاري صدر في تموز (يوليو) 2024، وأخذ الممارسات السابقة في الاعتبار، إلى أن إسرائيل مسؤولة عن نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين، وهو ما تنفيه الحكومة الإسرائيلية بشدة، فضلاً عن جميع الجرائم المزعومة التي ارتكبت منذ ذلك الحين.
منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل أكثر من 74 ألف شخص في غزة، بينهم أكثر من 1.400 شخص منذ دخول ما يسمى "وقف إطلاق النار" الذي أبرم بوساطة أميركية حيز التنفيذ قبل نحو عام، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية.
وتكشف صور حديثة من "خرائط غوغل"، نُشرت مؤخراً للقطاع المحاصر الممتد على طول 40 كيلومتراً، عن مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه "عملية محو مستمرة". وامتدت مساحات شاسعة من الدمار والرماد والعدم. وأصبح الملايين نازحين من منازلهم، فيما تضرر أكثر من 80 في المائة من جميع المباني ودمر ثلثاها، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
في الفترة الأخيرة، فرضت المملكة المتحدة مؤخراً عقوبات إضافية على مستوطنات إسرائيلية في ظل أعمال غير مسبوقة من العنف والتطهير العرقي، والاستيلاء على الأراضي وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة. وأخبرني مسؤولون في الأردن المجاور مؤخراً أنهم يخشون من أن تُقدم الحكومة الإسرائيلية على ضم الأراضي بحكم الأمر الواقع.
وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 1.100 فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن 250 طفلاً، قتلوا في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية منذ العام 2023.
لذلك، علينا اليوم، في الذكرى الثالثة لحرب غزة، أن نعود إلى دعوات يوناتان وماعوز. نحن بحاجة إلى وضع حد حقيقي للمذبحة والمعاناة والظلم غير المسبوقين، وإلى مستقبل يقوم على المساءلة الحقيقية وحق تقرير المصير.
لا وقفاً زائفاً لإطلاق النار، لا إبادة، ولا محو.
لا استغلال للقتل لتبرير مزيد من القتل.
إذا كانا قادرين، وسط حزنهما، على الدعوة إلى سلام حقيقي، فعلينا أن نفعل ذلك أيضاً.
 
*بيل ترو Bel Trew: صحفية بريطانية ومراسلة دولية رئيسية في صحيفة الإندبندنت البريطانية، ومصوّرة وصانعة أفلام وثائقية، متخصصة في تغطية الحروب والأزمات الإنسانية. غطّت انتفاضات الربيع العربي منذ العام 2011، وأعدّت تقارير ميدانية من مناطق النزاع في الشرق الأوسط، بما فيها غزة وسورية واليمن والعراق، كما وثّقت الحرب في أوكرانيا. فازت بجوائز عدة عن تقاريرها الاستقصائية من مناطق الحرب.