عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Feb-2026

عصر تصدير الصورة الأخلاقية*موفق ملكاوي

 الغد

مع شيوع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وتوفر إمكانية النفاذ للناس العاديين الذين كانوا محرومين من وسائل تعبير جماهيرية كما النخبة، ظهر كثير من الأمراض الاجتماعية بوضوح، خصوصا ما يتعلق منها بالتعبيرات العنصرية والقبلية والجهوية والدينية، وغيرها من التحيزات التي خلفت جدلا واسعا، ومن بابين؛ الأول من العامة التي انخرطت في هذا النوع من الاستقطاب، والثاني من النخبة التي حاولت دراسة الظاهرة ومآلاتها اللاحقة المتوقعة.
 
 
 لكن التعبيرات الفردية أوجدت، كذلك، شكلا آخر من “الظاهرة”، والتي يتوجب دراستها بتمعن، رغم أنها أقل جاذبية، ربما، كونها لا تثير أي نوع من التحفظات الجماعية، أو الجدالات، وهي ظاهرة “تصدير الصورة الأخلاقية”.
باستعراض مواقع التواصل الاجتماعي، نجد كثيرين يرتدون “لبوسا رقميا” لا يتطابق مع شخصياتهم الحقيقية، ويغرقون في المثاليات والأخلاقيات من خلال صورة دينية أو ثقافية، مع أنهم في الواقع ليسوا على مثل تلك الصورة، ولا نكاد نجد تقاطعات كثيرة بين الصورة الظاهرة والصورة الحقيقية.
اللجوء إلى تصدير صور أخلاقية غير حقيقية عن الذات، ومحاولة بناء هوية رقمية متوهمة من خلال “إدارة” الانطباع الاجتماعي، واختيار كيفية الظهور للآخرين على منصات تعنى بالمراقبة الاجتماعية والمقارنات، نجدها “مزدهرة” بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أسهمت بشكل كبير في إظهار النقص الإنساني، الذي، ورغم كل شيء، ما يزال حريصا على التمسك بالصورة الأخلاقية، وطامحا إلى تعزيز احترام الذات بإظهار جانب أخلاقي بحت، لإعطاء الشعور بالقبول الاجتماعي وتعزيز قيمة الذات، وهؤلاء يقدمون “نسخة محسنة” من أنفسهم، يمكن لها تجنيبهم الحكم السلبي أو النقد من المتصفحين والمتابعين.
هناك أنماط هويات رقمية معينة يفضلها الكثيرون، أهمها الأخلاقية التي تتعلق بما يعتبر قيما اجتماعية شائعة أو مرغوبة لدى المتابعين، كالهويات الإنسانية والخيرية التي تعنى بمساعدة الآخرين، والانخراط بالأعمال التطوعية والقضايا الاجتماعية، والهويات الدينية المعنية بنشر قيم دينية أو أخلاقية، وأيضا الهويات المثقفة من خلال التظاهر بالالتزام بالمعايير الأخلاقية المهنية، واحترام القوانين، أو التحلي بالعلم والمعرفة.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار كل جانب أخلاقي يتم تكريسه على السوشال ميديا يأتي من باب “التزوير” أو “النفاق”، فأحيانا يطمح هؤلاء إلى تصدير “هوية رمزية”، بإظهار صورة أخلاقية كوسيلة للتعبير عن القيم أو المثل العليا التي يطمح الشخص للارتباط بها، حتى لو لم تكن تعكس سلوكه الفعلي الحالي.
لا يمكن فهم منطلقات مثل هذه الممارسات بعيدا عن علم النفس الاجتماعي، والذي يحددها بحاجات أساسية يطمح الفرد إلى تحقيقها، أهمها الحاجة للقبول الاجتماعي من خلال النظر إليه كـ”شخص جيد”، أو فرد صالح  ومسؤول، وأيضا الحاجة إلى الشعور بالتفوق من خلال عملية المقارنة الاجتماعية التي تزدهر على الشاشات. وثالثا التحكم في السمعة الرقمية من خلال تجميل الصورة، وأخيرا الطموح المثالي، وهو طموح الشخص إلى أن يكون نسخة مثالية من نفسه، ويختار أن يعكس هذه النسخة في عالم رقمي حيث القدرة على التحكم بالصور والانطباعات.
هذا النوع من السلوكيات ليس شرا خالصا على ما يبدو، إذ يمكن لها أن تختزن بعض الإيجابيات، فقد تعمل على تعزيز الانضباط الشخصي، وأن تشجع السلوكيات الإيجابية من خلال بناء شبكة اجتماعية داعمة. لكن، وعلى الجانب الآخر، قد تؤدي إلى خلق شعور بالنفاق الداخلي عند اختلاف الهوية الرقمية عن الهوية الحقيقية، أو قد تعزز من الانفصام الداخلي الذي يبيح فعل القبيح في الواقع، ما دمنا نستطيع تصدير صورة أخلاقية مثالية في العالم الافتراضي قادرة على محو وتزوير ذلك “القبيح”.