ازدواجية السردية الإيرانية.. بين خطابين وجمهورين*د. عماد الحمادين
الغد
لا يمكن إنكار أن قدرة إيران على توظيف أدواتها الناعمة في تعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتسويق فكرة المقاومة والنصر في سياق الحرب الأخيرة يفوق بشكل كبير مثيلاتها في الدول العربية. ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن إيران نجحت إلى حد كبير في إدارة حملتها الإعلامية والنفسية الموجهة للمنطقة العربية، حيث استطاعت إقناع شريحة كبيرة من الجمهور العربي من غير الشيعة بأنها تدافع عن قضايا الأمة العربية كما تدافع عن قضاياها الوطنية.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا هو: هل هذه السردية التي تصدرها إيران إلى المنطقة العربية هي ذاتها التي تقدمها للعالم الغربي، وخصوصًا لأوروبا والولايات المتحدة؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بد من الانطلاق من مجموعة من المحددات التحليلية:
أولًا: يقتضي المنطق الاعتراف أن لكل دولة الحق في إعداد استراتيجياتها الناعمة بما يتوافق مع المصلحة القومية لتلك الأمة، إسرائيل مثلًا تعمل بشكل منهجي على توظيف أدواتها الإعلامية والدبلوماسية، ولديها الكثير من المتحدثين بكافة اللغات، وتعمل بشكل دؤوب على جعل سرديتها القائمة على "حقها في الدفاع عن النفس"، وحتى لو أدى ذلك إلى قتل وتهجير جميع الفلسطينيين.
ثانيًا: يتطلب التحليل العلمي أن توزن الأمور بطريقة علمية تضمن أن تكون النتيجة علمية مبنية على التحليل المنطقي. وفي هذا الإطار من المفترض أن يتم تحليل خطابات الأدوات الناعمة الإيرانية الموجهة للجمهور العربي ومقارنتها بالأجنبي، وتحديد نقاط التلاقي والاختلاف، وبيان السبب أو الأسباب الأقرب لتفسير هذا السلوك إذا كان مختلفًا أو متناسقًا وفقًا للمصالح السياسية والاستراتيجية. فإذا تبين وجود اختلاف جوهري في الخطاب، فقد يشير ذلك إلى محاولة إخفاء مصالح غير معلنة أو إعادة تشكيل الرسائل بما يتناسب مع كل جمهور.
ثالثًا: من الناحية النظرية يفترض أن الدولة ذات الهوية الواحدة والمصالح المتفق عليها سواء داخليًا أو خارجيًا، لا تختلف سرديتها أو دفاعها عن قضاياها الجوهرية باختلاف الجمهور، أو باختلاف اللغة، ويفترض أن تكون متسقة عبر مختلف المنصات، حتى وإن اختلفت أدوات التعبير. إلا أن الواقع يظهر خلاف ذلك؛ إذ تتباين الخطابات أحيانًا بشكل ملحوظ، كما هو الحال في الخطاب الإسرائيلي بين نسخته العربية والغربية.
في هذا السياق، تشكل نظرية القوة الناعمة، كما طرحها Joseph Nye، إطارًا تحليليًا مناسبًا لفهم السلوك الإيراني، حيث تعتمد على قدرة الدول على التأثير من خلال الجذب والإقناع بدلًا من الإكراه. وفي الحالة الإيرانية، لا يقتصر هذا التأثير على الأدوات الثقافية، بل يمتد إلى توظيف الخطاب الأيديولوجي والديني، وشبكات الإعلام، والنخب التحليلية متعددة اللغات، لتعزيز صورة إيران كفاعل مدافع عن قضايا الأمة، وليس مجرد دولة تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة.
وفي إطار سياستها الناعمة، برزت النخبة التحليلية والإعلامية الإيرانية كأداة مركزية في هذه الاستراتيجية، حيث يظهر عدد من المحللين الإيرانيين من الوزن الثقيل يتحدثون عدة لغات، أهمها العربية والإنجليزية، بكفاءة عالية مع قدرة على إجابة الأسئلة الصعبة، وتوضيح الموقف الإيراني، ووضعه في سياق الحق بالدفاع عن النفس.
من خلال استقراء الوجوه الأكثر شعبية والأبرز في توضيح والدفاع عن السردية الإيرانية يظهر شخصان هما الأبرز. أولًا: الدكتور جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق ورئيس لجنة التفاوض على برنامج إيران النووي، الذي لعب دورًا محوريًا في عقد اتفاقية نووية مع الأميركيين عام 2015 التي قام الرئيس ترامب لاحقًا بنقضها. الرجل الثاني هو الدكتور حسن أحمديان، وقد تم تقديمه للجمهور العربي من خلال قناة الجزيرة بشكل كبير. وبالرغم من أنه يتحدث الإنجليزية، إلا أنه معروف أكثر في العالم العربي وقد اكتسب شعبية كبيرة بسبب قدرته على الرد وقوة الحجة لديه.
تكشف المقارنة بين الخطابين العربي والغربي عن تباينات لافتة. ففي مقابلة مع Fareed Zakaria، فريد زكريا مقدم برنامج البوصلة على قناة CNN، يظهر من التحليل أن السردية التي يضطلع بها الوزير ظريف تقوم على فهم كبير للعقلية الغربية ورؤيتها للمنطقة، حيث يتم تقديم إيران كدولة ملهمة لشعوب المنطقة، ولكنها ليست راعية للإرهاب أو حتى للمقاومة، وهو يتنصل بشكل واضح من أي ارتباط إيراني بمحور المقاومة أو دعم لحزب الله وغيره من الأذرع الإيرانية.
يقول جواد ظريف إن إسرائيل أطرّت ووضعت المقاومة في إطار إيراني-إسرائيلي، وهذا غير صحيح. ويقول إن محور المقاومة المزعوم (حزب الله وحماس) منذ عام 1982 لم يقاتل من أجل إيران بل من أجل أسبابه الخاصة. وهنا يتبرأ جواد ظريف من أعمال المقاومة باعتبارها أعمالًا لم تكن في صالح إيران. أي أن أي عمل للمقاومة ليس في صالح إيران فهو غير شرعي بالنسبة لظريف، حتى لو ضد إسرائيل. يقول: "لا سلطة لنا عليهم ونحن لم نعرف بالسابع من أكتوبر إلا قبل العملية"، بالرغم من مباركة إيران العلنية لعملية السابع من أكتوبر.
يقول ظريف إن هذه العملية دمرت علاقتنا مع JCPOA وهو الاتفاق النووي مع الأمريكيين. وعندما ذكر له فريد زكريا تمويل محور المقاومة قال: "دعنا لا نتحدث عن هذه القضية لأن كثيرًا من الناس يمولون كثيرًا من الجماعات وهي غير ناجحة". أراد الوزير بهذا الرد التعمية والتمويه ونفي قضية التمويل باعتبار أن الكل يمول الكل في هذه المنطقة.
وفي المقابل، فإن السردية الإيرانية الموجهة للعالم العربي تختلف بل تتقاطع مع السردية باللغة الإنجليزية بشكل كبير، مما يضع الشك في مدى صدق إيران في تصدير رواياتها للعالم. بالنسخة العربية نرى أن إيران تعتمد على دعم الحليف كما يسميهم السيد أحمديان أو الأذرع الإيرانية في المنطقة بشكل صريح وعلني، فالسيد حسن أحمديان يعترف على قناة الجزيرة بالدعم الإيراني لحزب الله وغيره من الجماعات. ولكن للإنصاف فهو يرى أن إيران لا تتدخل في الخيارات الداخلية للحزب أو الحليف باعتبار أنه حوار لبناني داخلي. وقد سأله مذيع الجزيرة أن لبنان قد ألقى القبض على عدد من حرس الثورة الإيراني، فأجاب بأننا ندعم الحليف ولكن لا نتدخل في خيارات لبنان الداخلية.
هذا التباين بين الخطابين—الإنجليزي والعربي—يشير إلى مرونة براغماتية في بناء السرديات، حيث يتم تعديل الرسائل بما يتناسب مع طبيعة الجمهور وتوقعاته. إلا أن هذه المرونة، رغم فعاليتها على المدى القصير، قد تطرح تساؤلات جدية حول اتساق السردية الإيرانية ومصداقيتها على المدى الطويل.