عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Nov-2025

طالبان تقصي النساء من الحياة العامة

 الغد

ألون بن-مئير – (مدونة ألون بن-مئير) 2025/11/21
غالبًا ما تبدو دعوات العديد من رؤساء الدول لإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان جوفاء، حيث يواصل المنتهكون في العديد من الدول ارتكاب هذه الجرائم من دون عقاب. متى سيستيقظ المجتمع الدولي على آفة انتهاكات حقوق الإنسان؟
 
 
تشكل انتهاكات حقوق الإنسان آفة عالمية اجتاحت عشرات الدول في جميع القارات. ويبدو أن انتهاك حقوق الإنسان لعبة تتلذذ بها الحكومات من جميع الأطياف الوطنية، بل وتحاول التفوق على بعضها البعض في انتهاكاتها الصارخة والمرعبة. وللأسف، تبرز أفغانستان كواحدة من الدول التي تنتهك حقوق المرأة انتهاكًا صارخًا يتجاوز حدود إدراك أي شخص.
تتدهور أوضاع المرأة في أفغانستان على الرغم من الغضب العالمي. ومنذ تولي حركة طالبان سدة السلطة في العام 2021، دأبت الحركة على تجريد النساء والفتيات من حقوقهن الأساسية بشكل منهجي، منتهكة بذلك كل مبدأ أخلاقي. في ظل حكم طالبان أُقصيت النساء فعليًا من الحياة العامة وتم إخضاع كل جانب من جوانب حياتهن تقريبًا إلى قيود صارمة. ووفقًا للأمم المتحدة، فإن "القمع الذي تعاني منه النساء والفتيات الأفغانيات… لا مثيل له من حيث الحجم والتأثير على الأجيال". تدّعي حركة طالبان أن التصرف هو كرامة بموجب الشريعة الإسلامية، بينما هو في الواقع اضطهادٌ قائم على النوع الاجتماعي، وجريمةٌ صارخةٌ ضد الإنسانية.
اعتبارًا من حزيران (يونيو) 2024، تم حرمان أكثر من مليون فتاة من الالتحاق بالمدارس الثانوية، وأكثر من 100.000 من الجامعة. ولهذا الحظر على الالتحاق بالمدارس والتعليم العالي عواقب وخيمةٌ تنتقل عبر الأجيال -ليس على النساء والفتيات فحسب، بل أيضًا على مستقبل البلاد وتطورها.
مع استثناءاتٍ نادرة، لا تتمتع النساء في أفغانستان بحرية العمل ولا السفر لمسافاتٍ طويلةٍ من دون مرافقةٍ من الذكور. ويُعدّ حظر العمل خارج المنزل مُدمرًا بشكلٍ خاص للنساء الأرامل اللواتي يُعانين من الوحدة، وبالتالي لا يستطعن إطعام أسرهن. وتضطر الكثيرات منهن إلى التسوّل في الشوارع.
وفي الأماكن العامة يجب على النساء الالتزام بقواعد لباس صارمة تتضمن تغطية الجسم بالكامل، مثل ارتداء البرقع الذي يغطي المرأة من الرأس إلى القدمين، مع ترك فتحة صغيرة للعينين -مع أن الإسلام وفق الكثير من الاجتهادات لا يفرض على النساء تغطية وجوههن. وإذا ما رُصدت امرأة في الشارع من دون ارتداء البرقع، فقد تتعرض للضرب العلني من قبل سلطات طالبان. وإذا لم تستطع تحمل تكلفة البرقع أو ارتدائه بشكل صحيح بسبب إصابة ما، فلا خيار أمامها سوى البقاء حبيسة منزلها.
والأماكن العامة التي يُسمح للنساء بزيارتها محدودة للغاية –فالأماكن مثل الحدائق أو الصالات الرياضية ممنوعة تمامًا. ولا يُسمح للنساء بالظهور على التلفاز. ويُحظر عليهن العمل كقاضيات أو محاميات. ولا يُسمح لهن حتى باللجوء إلى النظام القضائي إذا كن يسعين إلى الانتصاف كضحايا للعنف القائم على النوع الاجتماعي كإناث. باختصار، لا تشمل الحماية التي يوفرها النظام القضائي النساء.
نتيجة لذلك، تدهورت الصحة البدنية والنفسية للنساء في ظلّ حكم طالبان. كما ارتفعت معدلات وفيات الأمهات والأطفال بشكل كبير في بلد ينهار فيه نظام الرعاية الصحية. وفي غضون ذلك، أدت العزلة التي تعاني منها النساء، من الشابات الصغيرات إلى الكبيرات في السنّ، إلى الاكتئاب واليأس، حيث فكرت العديد منهن في الانتحار هربًا من يأس وضعهن الاجتماعي.
في أفغانستان، يجري استخدام الروايات الدينية والثقافية لتبرير استعباد النساء. وليس هذه المبررات متأصلة في الإسلام نفسه، بل تتعلق بالأحرى بكيفية تفسير الدين واستخدامه لفرض هياكل السلطة الدينية. وفي العام الماضي أعلن الزعيم الأعلى لطالبان، هبة الله أخوندزاده، استئناف حركة طالبان علنًا رجم النساء حتى الموت. ونقلت صحيفة "الغارديان" تصريحه: "قد تعتبرونه انتهاكًا لحقوق المرأة عندما نرجمهن أو نجلدهن علنًا لارتكابهن الزنا لأن ذلك يتعارض مع مبادئكم الديمقراطية… [لكن] أنا أمثل الله، وأنتم تمثلون الشيطان". ويشكل رجم النساء حتى الموت انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة".
خلصت "منظمة العفو الدولية" إلى أن اضطهاد النساء والفتيات في أفغانستان يرقى إلى مستوى الاضطهاد الجندري -وهو في الواقع جريمة ضد الإنسانية. قد يكون الميل إلى انتهاك حقوق الإنسان فطريًا أو جزءًا من الطبيعة البشرية. ومن دون بنية مجتمعية قوية، وهو شيء مفقود في أفغانستان، قد يميل البشر بطبيعتهم إلى الصراع والهيمنة على بعضهم البعض.
إذا كان هناك جانبٌ مُشرق فهو أنه حتى في مواجهة القمع المُمنهج تواصل العديد من النساء الاحتجاج وإيجاد سُبلٍ لمواجهة نظامٍ اجتماعيٍّ يُحوّلهنّ إلى مجرد خادماتٍ للذكور المُسيطرين عليهن. ومن الأدلة اللافتة على صمودهنّ أن النساء الأفغانيات لم يُسلّمنَ بعدُ بمصيرهنّ، بل واصلنَ حملةً من الرفض على الرغم من المخاطر التي يُشكّلها ذلك. وتُشير صحيفة "جي دبليو توداي" إلى الصمود الذي "تواصل النساء إظهاره وسط الخسارة التي لا تُصدّق التي واجهنها والقيود القاسية التي يُجبرن على تحمّلها. ومع تعرّضهنّ لخطرٍ كبيرٍ قد يصل إلى حدّ الاغتيال، ما تزال العديد من النساء يبحثن عن موارد للتعلّم والتنظيم والدفاع عن أنفسهنّ".
يشكل إصدار "المحكمة الجنائية الدولية" أوامرَ اعتقالٍ بحقّ قادة طالبان خطوةً مهمةً نحو المساءلة. ومع ذلك، فإنّ الآليات القانونية وحدها لا تكفي إذا لم يرافقها عمل دولي منسق وإرادة سياسية حقيقية. يجب على المجتمع الدوليّ أن يتجاوز بيانات الإدانة إلى تطبيق تدابير ملموسةٍ لدعم القانون الدوليّ، وضمان المساءلة، ودعم المرأة الأفغانية في استعادة حقوقها ومكانتها في المجتمع.
ولتحقيق هذه الغاية، فإن فرض العقوبات الاقتصادية، التي تُعتبر الأكثر فعالية لإحداث تغيير في سلوك طالبان، ليس بالتأكيد الحل الأمثل -بل إنه يُفاقم الأزمة المالية القائمة بالفعل التي تشهدها البلاد. وسوف يتحمل الأفغان الفقراء والمُحبطون في نهاية المطاف وطأة العواقب. ولذلك، لا بد من اتخاذ عدة تدابير ملموسة أخرى لإجبار -أو إقناع- قيادة طالبان بتغيير معاملتها للنساء.
أولاً، يمكن لعدة دول إسلامية ممارسة ضغط مباشر على أفغانستان، بما في ذلك باكستان، التي تتمتع بنفوذ كبير في أفغانستان، الذي يعود في جزء منه إلى الروابط التاريخية والحدود المشتركة وانخراطها مع مختلف الفصائل الأفغانية على مرّ السنين. وقد توسّطت قطر واستضافت محادثات مع طالبان، ولديها خط اتصال يمكن الاستفادة منه للدفاع عن حقوق المرأة. كما يمكن للمملكة العربية السعودية التي تُمثل الإسلام السني أن تلعب دورًا هامًا. فعلى الرغم من أن لديها مشكلاتها الخاصة في ما يتعلق بالمساواة بين الجنسين، تقوم المملكة العربية السعودية بإحداث بعض الإصلاحات المهمة وتُتيح للمرأة مزيدًا من الحرية. ويمكنها الاستفادة من نفوذها الديني للدفاع عن معاملة أفضل للمرأة في أفغانستان.
ثانيًا، بما أن طالبان تتذرع بـ"الفتاوى الإسلامية" لتبرير معاملتها للنساء، ينبغي الاستفادة من إشراك علماء مسلمين ذوي سمعة طيبة ونفوذ، ممن يمكنهم الدفاع عن حقوق المرأة من خلال الحوار الديني والثقافي في إطار إسلامي مع طالبان.
ثالثًا، يجب على الدول المجاورة أن تتكاتف للدفع نحو تغييرات جماعية على المستوى الإقليمي. وفي هذا السياق، يجب أن يكون تقديم مشاريع التنمية الإقليمية مشروطًا بتحقيق الحكومة الأفغانية تحسينات ملموسة في مجال حقوق المرأة.
رابعًا، يمكن للمنظمات الدولية إنشاء ودعم مدارس للفتيات والنساء المستضعفات مباشرةً في أفغانستان وتوفير موارد ميدانية وملاجئ آمنة في المناطق التي تدعمها هذه المنظمات. وبالإضافة إلى ذلك، بما أن دعم اللاجئين الأفغان الفارين من الاضطهاد لم يكن كافيًا على الإطلاق، يمكن - بل يجب- بذل المزيد من الجهود لمنح اللجوء، وخاصةً للمدافعات عن حقوق الإنسان.
خامسًا، ينبغي على الدول الاستفادة من العزلة الدبلوماسية من خلال تقليل -أو الحدّ من- تعاملاتها الدبلوماسية الرسمية مع الحكومة الأفغانية وفرض قيود على تأشيرات الدخول للمسؤولين مباشرةً عن السياسات القمعية. وينبغي عليهم أيضًا رفع مستوى الوعي العالمي لجعل تجاهل الحكومة الأفغانية لحقوق المرأة الأصيلة أمرًا مكلفًا سياسيًا.
ينبغي على الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة العمل معًا لتنفيذ هذه التدابير. ومن خلال القيام بذلك بعزمٍ واستمرار، مع تقديم المساعدة بكل الطرق الممكنة، سيتمكنان من إحداث تغيير حقيقي، وإن كان تدريجيًا، في معاملة طالبان للنساء والفتيات.
لم تكن مجرد الإدانة والتعبير عن الغضب إزاء معاملة طالبان للنساء تجدي نفعًا. كفى تبشيرًا بحقوق الإنسان. لقد حان الوقت للتحرك ومعالجة أفظع انتهاكات حقوق المرأة في العالم.
 
‏*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أستاذ متقاعد في العلاقات الدولية، عمل سابقا في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، وزميلًا أول في معهد السياسة العالمية. خبير في شؤون الشرق الأوسط وغرب البلقان، والمفاوضات الدولية، وحل النزاعات. شارك خلال العقدين الماضيين بشكل مباشر في عدة مفاوضات سرية تضم إسرائيل والدول المجاورة وتركيا. ‏