الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
فرانشيسكو دومينغيز؛ وروجر
د.هاريس* - (كاونتربنش) 2/10/2026
مارست إدارة ترامب منذ الهجوم العسكري الأميركي غير المبرر وغير القانوني على فنزويلا ضغوطًا قسرية على عملية صنع القرار الفنزويلية، وخصوصًا فيما يتعلق بثروة البلاد الكبيرة من الموارد الطبيعية، بما فيها النفط والذهب والغاز. ويقع ذلك في صميم السياسة الأميركية العدوانية الهادفة -من دون نجاح حتى الآن- إلى إحداث تغيير للنظام.
تحت مظهر "الطبيعية" في العلاقة المستمرة بين فنزويلا والولايات المتحدة، ثمة لا تماثلية واضحة في موازين القوة. وحتى المعلّقون في وسائل الإعلام الدولية الرئيسية يصوغون تحليلاتهم بالانتباه إلى المسدس الأميركي الشهير المصوّب إلى رأس الرئيسة الفنزيلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز -وبالتبعية إلى رأس الحركة التشافيزية بأكملها. وقد توحدت هذه الحركة، التي أسسها هوغو تشافيز وواصل نيكولاس مادورو حمل رايتها، خلفها إلى حد كبير.
أدى الهجوم الأميركي الذي شُنّ في 3 كانون الثاني (يناير) إلى مقتل أكثر من 100 شخص، ونجح المهاجمون في اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو والسيدة الأولى سيليا فلوريس -وهي عضو منتخبة في "الجمعية الوطنية". لكن الهجوم أخفق في إحداث تغيير للنظام أو في انهيار للدولة. وبدلًا من ذلك، ما يزال الانتقال السياسي والدستوري للسلطة قائمًا، إلى جانب التشكيلة القوية من المنظمات الشعبية التي تسند الثورة البوليفارية.
أعطت القيادة التشافيزية الأولوية للحفاظ على الدولة بوصفها قاعدة خلفية للنضال في المستقبل. وكما يقول خوسيه أ. أمستي ريفيرا في مجلة "الملخص الأميركي اللاتيني" Resumen Latinoamericano: "إن البقاء في ظروف تاريخية معينة يمكن أن يكون أيضًا شكلًا من أشكال المقاومة". وبذلك يتمثل السؤال المركزي في معرفة ما إذا كانت التنازلات التي قدمتها فنزويلا تعني استسلامًا، أم أنها استراتيجية للحفاظ على السيادة في ظل حالة من الإكراه بالغ القسوة.
دبلوماسية السلام
تجنبت القيادة التشافيزية المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة. وكانت عواقب مثل هذه المواجهة، لو وقعت، ستكون كارثية، وربما كانت ستؤدي إلى مقتل عشرات -أو حتى مئات الآلاف- وتدمير البنية التحتية الحيوية، وإلحاق دمار طويل الأمد بصناعة النفط التي يعتمد عليها البلد.
يمتلك ترامب تحت يده بنية عسكرية أميركية هائلة في المنطقة تسند فعليًا تهديده بأن رودريغيز "إذا لم تفعل ما هو صائب، فسوف تدفع ثمنًا باهظًا جدًا، وربما أكبر من الثمن الذي دفعه مادورو".
وتحتفظ واشنطن بقواعد ومنشآت عسكرية -أو بترتيبات تتيح لها الوصول العسكري- في كوبا وبورتوريكو وهندوراس وكولومبيا والسلفادور وأروبا وكوراساو، فضلًا عن عدد كبير من المنشآت العسكرية في فلوريدا؛ كما أن لديها ترتيبات للوصول العسكري والأمني في بنما وغيانا.
وبالإضافة إلى ذلك، مارست إدارة ترامب منذ الهجوم العسكري الأميركي غير المبرر وغير القانوني على فنزويلا ضغوطًا قسرية على عملية صنع القرار الفنزويلية، وخصوصًا فيما يتعلق بثروة البلاد الكبيرة من الموارد الطبيعية، بما فيها النفط والذهب والغاز. ويقع ذلك في صميم السياسة الأميركية العدوانية الهادفة -من دون نجاح حتى الآن- إلى إحداث تغيير للنظام.
في ظل هذه الظروف القسرية، اضطرت القيادة الفنزويلية إلى اتخاذ قرارات يُرجح أن يكون هدفها تجنب مواجهة مبكرة. وعلى الرغم من أن الهدف الأميركي هو فرض الهيمنة على كاراكاس، فإن واشنطن ما تزال في حاجة إلى التفاوض مع الحكومة الفنزويلية. وقد دفعت هذه الموازنة غير المتكافئة للقوة القيادة التشافيزية إلى إدارة التناقضات التاريخية بين فنزويلا والولايات المتحدة من خلال دبلوماسية السلام البوليفارية.
"صفقة" النفط
يستغل ترامب هذا الاختلال في موازين القوة، الذي يجد تعبيره في اتفاق النفط الأخير بين الولايات المتحدة وفنزويلا الذي جاء هو نفسه كنتيجة مباشرة للهجوم العسكري الأميركي. وفي الوقت نفسه، تُظهر هذه "الصفقة" التي قد يعتبرها منتقدون خضوعًا للضغوط الأميركية التنازلات التي قدمتها فنزويلا والحدود التي توقفت عندها تلك التنازلات.
يشمل الاتفاق 17 حقلًا نفطيًا، بينها ثمانية مشاريع جديدة في "حزام أورينوكو" يُقال إنها تحتوي على 65 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة. ويمتد العقد 25 عامًا، وفقًا للقانون الفنزويلي، وليس 100 عام كما زعم ترامب، مع إمكانية تجديده. ويمكن للمشروع أن يجتذب استثمارات بقيمة 100 مليار دولار أميركي خلال عشر سنوات على أن تتحمل الشركات نحو 70 في المائة من تكاليف الاستثمار. وباحتساب سعر تقديري للنفط يساوي 65 دولارًا للبرميل، بينما يتجاوز السعر الحالي 100 دولار، ستحصل فنزويلا على 16 في المائة كإتاوات، و34 في المائة كضريبة على الدخل، بما يعادل نحو 19 دولارًا عن كل برميل يُستخرج ويُباع. وتحتفظ فنزويلا بملكية صناعتها النفطية وسيادتها عليها.
بالمقارنة مع الاتفاق الأخير الذي أبرمته غيانا مع شركة "إكسون موبيل"، يتبين أن الترتيب الفنزويلي يتجاوز المعايير الإقليمية بفارق كبير. وستحصل غيانا على إتاوات لا تتجاوز 2 في المائة، وتتقاسم الأرباح مع "إكسون موبيل" مناصفة بعد أن يسترد ائتلاف الشركات النفطية 75 في المائة من تكاليفه.
في المقابل، يعمل اتفاق النفط الفنزويلي الأكثر ملاءمة في إطار قانون المحروقات الجديد الذي أقرته "الجمعية الوطنية" في كانون الثاني (يناير) 2026، وأدخل نماذج للإنتاج كانت قد طُبقت مُسبقًا في عهد الرئيس مادورو. ويهدف القانون إلى تعبئة موارد استثمارية لزيادة القدرة على تصدير النفط، والتي كانت قد تضررت بشدة جراء العقوبات الأميركية. ويجري التفاوض على اتفاقات مماثلة مع شركات نفط كبرى، بينها "شيفرون" و"ريبسول" و"إيني" و"شل" و"بي بي"، بينما تستمر الاتفاقات القائمة مع شركات النفط الروسية والصينية.
إدارة الحصار الإمبريالي
لم تؤدِّ الضغوط الأميركية إلى عزل فنزويلا دوليًا أو تفككها سياسيًا من الداخل. ومنذ أحداث 3 كانون الثاني (يناير)، حصلت الحكومة الفنزويلية على اعتراف دبلوماسي أو استأنفت الانخراط الدبلوماسي مع الولايات المتحدة وعدد متزايد من الدول التي كانت قد رفضت الاعتراف بإعادة انتخاب مادورو في العام 2024. وقد اعترفت البرازيل وترينيداد وتوباغو برودريغيز رئيسةً مؤقتة، بينما تحركت تشيلي وباراغواي وجمهورية الدومينيكان نحو استئناف العلاقات أو توسيعها.
كما استأنف "صندوق النقد الدولي" علاقاته مع الحكومة البوليفارية الحالية، وأعاد لفنزويلا إمكانية الوصول إلى نحو 4.9 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة، وإلى حصتها الاحتياطية لدى الصندوق التي كانت مجمدة منذ العام 2019.
وفي 23 أيلول (سبتمبر) ألقت رودريغيز كلمة أمام "الجمعية العامة للأمم المتحدة". وفي إطار إدارتها للعلاقات مع واشنطن بحذر شديد، سلطت الضوء على الأثر المدمر للعقوبات على التنمية في فنزويلا، وعلى تأثيرها التآكلي عندما يتعلق الأمر بالحريات. ودافعت "الجمعية الوطنية الفنزويلية" عن "مسارها الدبلوماسي الصعب" في "الجمعية العامة للأمم المتحدة"، بينما خرجت مسيرات في مختلف أنحاء البلاد دعمًا لرحلتها إلى نيويورك.
من الصعب في هذه المرحلة تحديد المدة التي ستستمر فيها هذه "الطبيعية" غير المتكافئة. وفي الأثناء، تسعى القيادة التشافيزية إلى شراء الوقت من أجل إنعاش الاقتصاد بينما يحاول ترامب انتزاع أكبر منفعة اقتصادية فورية ممكنة. وكما ذكرت مجلة "ميسيون فيرداد" الفنزويلية المؤيدة للتشافيزية، فإن اجتماع رودريغيز وترامب "لا يرمز إلى تحالف دائم... وإنما إلى دافع مؤقت لتحقيق التوازن. وهو يؤشر على إقامة إطار محدود من قواعد اللعبة، تتقاطع فيه الضغوط القسرية غير المتكافئة من جانب واشنطن مع التكيف الاستراتيجي من جانب فنزويلا، لتجنب سيناريوهات الفوضى الخارجة عن السيطرة".
*فرانشيسكو دومينغيز Francisco Dominguez: أكاديمي وباحث بريطاني-لاتيني متخصص في السياسة والاقتصاد السياسي لأميركا اللاتينية، مع تركيز خاص على فنزويلا وكوبا. شغل منصب رئيس "مجموعة أبحاث دراسات أميركا اللاتينية" في جامعة ميدلسكس في لندن، وكتب على نطاق واسع في قضايا أميركا اللاتينية والتكامل الإقليمي والسياسة الفنزويلية. وهو لاجئ سياسي سابق من تشيلي في عهد أوغستو بينوشيه، ونشط في بريطانيا في قضايا أميركا اللاتينية، ويشغل منصب الأمين الوطني لحملة التضامن مع فنزويلا في المملكة المتحدة.
*روجر د. هاريس Roger D. Harris: كاتب وناشط أميركي في قضايا أميركا اللاتينية ومناهضة الإمبريالية يقيم في كاليفورنيا، ويركز في كتاباته على فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا والعلاقات الأميركية مع أميركا اللاتينية. وهو أحد مؤسسي "شبكة التضامن مع فنزويلا" في أميركا الشمالية، وناشط في منظمات عدة لدعم أميركا اللاتينية. له حضور منتظم في الكتابة حول السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية وقضايا السيادة والعقوبات والتدخل الخارجي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Venezuela’s Battle for Sovereignty Continues