الغد
روبرت فوكس* – (الإندبندنت) 2026/10/18
أظهر وابل الصواريخ الذي انهال على خاركيف أن "هدنة الطاقة" التي أعلنها ترامب لم تفعل سوى زيادة جرأة موسكو التي باتت ترى أن واشنطن تقف في صفها. وقد انهارت الهدنة سريعًا مع تجدد القصف الروسي، فيما منح تخفيف العقوبات على صادرات الديزل روسيا متنفسًا سياسيًا واقتصاديًا في وقت تتصاعد فيه الضربات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة. وتتداخل أزمة الوقود الأميركية وحسابات انتخابات التجديد النصفي مع الضغوط على كييف لوقف هجماتها داخل روسيا، بينما تمتد الحرب من أوكرانيا إلى الخليج من دون أفق واضح للتسوية.
في غضون ساعات من إعلان دونالد ترامب هدنة تقضي بوقف استهداف مصافي النفط في روسيا وأوكرانيا، شنت موسكو هجوماً دامياً على مستودعات الوقود ومنشآت في خاركيف. وهكذا انهارت، قبل أن تبدأ فعلياً، خطة ترامب لرفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسي، تمهيداً للسماح في نهاية المطاف بـ"تدفق ملايين الأطنان من النفط حول العالم".
وسقطت خلال ليل الأحد الماضي على منشأة الطاقة الرئيسة في خاركيف ست قنابل انزلاقية روسية على الأقل؛ وهي قنابل جوية تقليدية تم تعديلها بحيث تنطلق من الطائرات وتحلق مثل صواريخ كروز.
ولم تكن روسيا قد وافقت أصلاً على مقترح ترامب الذي أعلنه الجمعة الماضي. وقال الرئيس الأميركي بعد محادثة وصفها بأنها "جيدة جداً" واستمرت ساعتين مع فلاديمير بوتين، أن موسكو وكييف اتفقتا على وقف قصف مصافي الوقود، وهي نقطة ضعف حيوية في اقتصادي البلدين. وبموجب هذا الترتيب، كان يفترض رفع العقوبات والسماح فوراً بشحن 300 ألف طن من الديزل الروسي على أن يعقب ذلك رفع العقوبات عن تصدير "ملايين الأطنان".
وفي قلب هذه الأزمة ثلاثة رجال تضيق بهم الخيارات: ترامب، وفولوديمير زيلينسكي، وبوتين. وأكثرهم حاجة إلى مخرج هو ترامب، وأقلهم بوتين. فقد دفع النقص العالمي في الديزل أسعار الوقود في المحطات الأميركية خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى 6.20 دولار للغالون، وما تزال الأسعار تواصل الارتفاع.
أصبح غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود المكرر، من البنزين والديزل، من أبرز الأسباب التي تدفع كثيراً من الناخبين الجمهوريين إلى الابتعاد عن ترامب. وتشير استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية المقرر إجراؤها في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. ولن يُحدث اتفاق لرفع العقوبات عن صادرات 300 ألف طن من الديزل الروسي فارقاً يُذكر في أسعار الوقود؛ فالكمية أقل من أن تحدث فارقاً، والخطوة جاءت متأخرة.
في المقابل، يتزايد تأثير الضربات الأوكرانية على البنية التحتية الاستراتيجية الروسية مع تحسن نوعية الصواريخ والطائرات المسيرة بعيدة المدى وزيادة أعدادها. وقد صُنع بعض هذه الأسلحة، مثل "FP-7 فلامينغو"، في أوكرانيا، فيما استفادت مجموعة جديدة من الصواريخ متوسطة المدى بدرجة كبيرة من التكنولوجيا الأوروبية والبريطانية وبرامج التطوير والإنتاج المشترك. وخرج نحو40 في المئة من قدرة التكرير في غرب روسيا عن الخدمة، بينما دمرت ثلاثة مراكز بيانات حيوية داخل البلاد خلال الأسبوع الماضي.
لكن وضع أوكرانيا لا يقل خطورة. فروسيا تتعمد الآن ضرب مراكز الطاقة وشبكة الكهرباء ووسائل النقل والبنية التحتية التي تعتمد عليها الحياة اليومية للمدنيين، بل أعلنت موسكو عزمها على جعل الأوكرانيين يتجمدون من البرد طوال الشتاء. وفي المقابل، لا تملك أوكرانيا قوة نارية كافية لإسقاط صواريخ مثل "إسكندر" وطائرات "جيران – 2" المسيرة الجديدة المزودة بمحركات نفاثة.
وقال زيلينسكي أن رفع ترامب العقوبات عن صادرات الوقود منح بوتين طوق نجاة، فرد ترامب بالدعوة إلى استبدال زيلينسكي وحمّله مسؤولية استمرار الحرب في أوكرانيا. وفي المقابل، اعتبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي وحلفاء واشنطن، ومن بينهم بريطانيا وكندا، أن ترامب مخطئ.
وأفادت تقارير أيضاً بأن إدارة ترامب حذرت أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين من أن واشنطن قد تعلق تبادل المعلومات الاستخباراتية، وكذلك مشتريات الدول الأوروبية من الأسلحة الأميركية لأوكرانيا، إذا لم توقف كييف ضرباتها في العمق الروسي على منشآت الطاقة.
يجد الأميركيون وحلفاء واشنطن وخصومها حول العالم أنفسهم أمام رئيس يخوض حرباً كارثية في الشرق الأوسط، ويتبنى في أوروبا نهجاً يصعب حتى وصفه بأنه إستراتيجية. وفي الداخل، تتفاقم أزمة الوقود الأميركية مع تعطل إمدادات الوقود من الخليج والسعودية، فيما تعلن روسيا عزمها على توجيه مزيد من الموارد إلى الحرب، على الرغم مما يسببه ذلك من إنهاك لاقتصادها المحلي.
ومع قصف الحوثيين المتحالفين مع إيران مطار الرياض الرئيسي للمرة الثانية خلال خمسة أيام، تواجه الولايات المتحدة التزامات عسكرية إضافية لا تكاد تملك القدرة على تحملها.
لم تنجح مناورة الديزل من أجل السلام في تحقيق أي سلام، بل جاءت بمزيد من الحرب في أوروبا والخليج وشبه الجزيرة العربية، فيما لا تلوح في الأفق أي استراتيجية للخروج، ولا حتى خطة سلام معقولة.
*روبرت فوكس Robert Fox: صحفي ومحلل ومعلّق بريطاني متخصص في الشؤون العسكرية والدفاعية، عمل في الصحافة والإذاعة منذ العام 1967. غطّى حروبًا وأزمات دولية من مناطق النزاع، بينها جزر فوكلاند والشرق الأوسط والعراق وأفغانستان والبلقان. وهو زميل مشارك أول في مركز الدراسات الدفاعية بجامعة كينغز كوليدج لندن.