الغد
معاريف
ران أدليست 11/9/2026
بثبات مذهل، كالجريمة المتواصلة، تعود دولة إسرائيل إلى ساحات الجريمة وإلى محاولات النصر في الحروب بمعونة عملاء يُفترض بهم أن يقوضوا حكم الدولة التي تخوض إسرائيل معها حربًا دفاعية وجودية. بالتأكيد، وجودية.
والآن، حسب منشورات أجنبية، يحصل هذا في غزة. في الطريق إلى النصر المطلق، ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي، الذي كان ثمنه ثقيلًا على البعد الأخلاقي أيضًا، لا تتمكن حكومة إسرائيل من النصر في "الحرب" ضد "الشباشب"، رغم تعاون "مذهل" بين الدبابات والأقمار الصناعية والطائرات وكتائب المشاة.
والنتيجة هي أكثر من 70 ألف قتيل في قطاع غزة، ومنهم أكثر من 20 ألف طفل. غزة أصبحت جزرًا من الخراب، وإسرائيل تتسكع في تلك الجزر، وتجاوزت بكثير ثأر الدم الغريزي بعد المذبحة.
المخرج: حرب استنزاف، وزعم التعاون مع عصابات جريمة محلية، يدهور غزة إلى حرب أهلية ستمس أساسًا بهذا القطاع؛ المدنيين والمدنيات، والأولاد والبنات الذين يمنعون العظماء من النصر، والذي كان دومًا الضرر الجانبي للغاية في حروب لا داعي لها. من غلاف الجنوب والشمال، عبر سكان المدن المقصوفة، الذين كانوا ضحية لكون إسرائيل نفسها متعاونة مع المصلحة الأميركية ضد إيران.
رغم الفشل في الهجوم المشترك مع الأميركيين في شباط (زئير الأسد)، ما يزال نتنياهو ينتظر إشارة أميركية لجولة أخرى، هي أيضًا ستكون خلافًا للمصلحة الأمنية الإسرائيلية. كيف أعرف؟ لم يحصل أبدًا أن نجح الجيش الإسرائيلي في أن ينتصر في أي حرب وفي أي ساحة استخدم فيها عملاء محليين ضد الحكم المحلي.
في بداية الخمسينيات، استُخدم في مصر تنظيم سري لشبان يهود صهاينة متحمسين كي يقوضوا حكم جمال عبد الناصر، الذي وُصف في حينه بأنه "هتلر" وكتهديد وجودي. القضية تُذكر كـ"صفقة العار"، وفيها استُخدم التنظيم السري مباشرة من رئيس شعبة الاستخبارات "أمان"، دون إذن أو تبليغ بالمستوى السياسي، أي وزير الدفاع ورئيس الوزراء.
العصبة الهاوية أُمسك بها. اثنان انتحرا، واثنان أُعدما، ونحو عشرة حُبسوا لسنوات طويلة. رئيس الأركان في حينه، موشيه ديان، ادعى بأنه لا يعرف عما يدور الحديث. وتسبب الحدث بعاصفة سياسية داخلية هزت أركان المنظومة التي كانت في حينه "مباي"، الحزب الحاكم. الجمهور لم يعرف. الرقابة العسكرية منعت، ووسائل الإعلام تعاونت.
ومنذئذ، وبثبات هائج وعنيد وغبي، أصبح خيار العملاء لإحداث انقلاب نظامي نمطًا دائمًا في كل "انتصارات" إسرائيل. وحتى الآن، لم ينجح ذلك أيضًا عندما جندت الحكومة الحالية عملاء إسرائيليين في إسرائيل نفسها لغرض انقلاب نظامي.
طريق مسدود آخر
بالمجمل، تعود جذور الاضطراب اليوم، مثلما في كل باقي اضطرابات النشوة والخيال، إلى ما بدأ بعد حرب الأيام الستة. أريك شارون، الذي كان خياليًا عظيمًا ونبي المسيحانية العلمانية، أعلن بعد الأيام الستة أن "إسرائيل هي قوة عظمى عسكرية إقليمية"، وأنه يفترض بها "أن تملي خطوات إستراتيجية واسعة النطاق وتصمم الواقع الجغرافي السياسي في الشرق الأوسط". في المرحلة الأولى، دولة إسرائيل من النهر إلى البحر.
عشر سنوات من المحاولات العابثة للسيطرة على الضفة المليئة بالتوتر بعد الأيام الستة أعادت إلى الجيش الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات فكرة العملاء. في 1977، سنة الانتخابات وصعود ائتلاف اليمين بقيادة بيغن، أقيمت في الضفة "روابط القرى"، وهي أطر مستقلة كان يفترض بها أن تعمل على التعايش ومكافحة منظمة التحرير الفلسطينية، التي أرادت دولة فلسطينية ونفذت عمليات.
في "أمان" تحدثوا عن عشرات آلاف النشطاء، بل إنهم أسسوا حزبًا تنازل عن حق العودة. هذه الخطوة، وكيف لا، انتهت بقتل منتظم للنشطاء، بينما أصبحت م.ت.ف التهديد الأكبر لحلم ضم الضفة والقدس، حتى اليوم. إسرائيل رفضت كل محاولة للحوار، وأصبحت م.ت.ف في نظر اليمين عدوًا وجوديًا، وفروعها في مخيمات اللاجئين في لبنان خاضت هجمات إرهابية في الجليل.
في 1982، أصبح شارون وزيرًا للدفاع واجتاح لبنان كي يصفي م.ت.ف. استندت الخطة إلى الكتائب المسيحية، العملاء الذين أنضجهم الموساد تمهيدًا للسيطرة على لبنان. ونُفذت خطة الحرب بـ"ثمن زهيد": أكثر من 600 جندي، و18 ألف مخرب ومدني لبناني.
فشل ترحيل مخيمات اللاجئين في لبنان وفي غزة، وكذلك فشلنا في إقامة دولة فلسطينية في الأردن. أبرشا تمير، رجل التنفيذ لدى شارون، رسم خطة تقوم على أساس أكاذيب وأحلام عابثة، وعلى جمهور أعمى وإعلام وطني. وكل هذه الرزمة السامة تفككت في المذبحة التي ارتكبتها الكتائب، عملاؤنا.
في نص نُشر في مجلة "مونيتين"، ألقيتُ ملف الكتائب والفشل في لبنان على نحِيك نافوت، رئيس قسم "العالم" في الموساد في حينه، الذي قاد خطوة الثقة بالكتائب، التي كان يمكن أن نشم رائحتها الكريهة من المطابخ في مطاعم جونيا حتى المذبحة في صبرا وشاتيلا. ولما لم يكن ممكنًا في حينه نشر أسماء عاملي الموساد، وصفت "ن" كعنصر في المنظومة العسكرية والسياسية، وهذا حقًا لم يكن صحيحًا. بعد بضع سنوات، جلسنا في لقاء مصالحة في مطعم طوكيو في هرتسيليا، بوساطة "ع" الذي يبقي حتى هذا اليوم على الغموض.
وكأننا لم نتعلم شيئًا، في سورية، أحمد الشرع، وجدنا دروزًا "صهاينة"، وهناك حاجة لحمايتهم، وحسب منشورات أجنبية زودناهم بغلاف من السلاح والمال. سلاح الجو قصف قرب قصر الشرع، ما أوصل رسالة تحذير للشرع، وعندها، حسب المحللين، فهموا في "أمان" والموساد ما يحصل حولهم، وأصبح الشرع محاور الغرب وجزءًا من المدماك الإستراتيجي الغربي. وعلى الفور، اختُلقت لجنة سرية تُعنى بسلام إسرائيلي-سوري، أي تعرقل كل محاولة للتسوية. وعندها تبين أن الشرع يريد أن نخرج من سورية، ومن هضبة الجولان أيضًا.
هكذا؟ العلاقات مع "الثوار" الدروز في سورية تتواصل، مثلما هو أيضًا بناء استحكامات في الأراضي السورية بانتظار اعتراض أميركي.
علقنا في طريق مسدود في إيران؟ في مكان ما في العراق، جند الموساد عملاء أكرادًا كان يفترض بهم أن يهاجموا الحرس الثوري، وكالمعتاد، انتهى هذا أيضًا بلا شيء معيب. يدور الحديث عن استخبارات عامة، الموساد و"أمان" أيضًا، دون ذاكرة تنظيمية، ودون استخلاص دروس، وخليط من استخبارات حماسية (أكشن) وسياسيين يتمسكون بكل قشة، بينما الجيش عالق في لبنان، وفي سورية، وفي الضفة وفي القطاع.
السؤال هو لماذا، ولأي سبب، لا نتوقف نحن عن إطلاق النار واستخدام العملاء، بدلًا من السير إلى تسوية تمثل موازين القوى الحقيقية. السؤال هو أن هكذا تُدار حملة انتخابات على النار. إذا ما نظرتم إلى قطعة الستيك المتقلبة، ستكتشفون أن هذه هي أنتم، أي نحن.