عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Sep-2026

هل تساعد حرب أخرى نتنياهو على الفوز بولاية جديدة؟

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ديفيد إي. روزنبرغ* – (فورين بوليسي) 2026/9/3 
 
 
شرع نتنياهو فعلياً في استخدام أسلوب انتخابي يتمثل في افتعال أزمة أمنية واحدة أو أكثر. والغاية من ذلك هي ترميم صورته التي تضررت بشدة بوصفه "السيد أمن"، ودفع مزيد من الناخبين المعتدلين الذين ابتعدوا عن "الليكود" إلى إعادة التفكير عندما يتعلق الأمر بتسليم البلاد إلى منافسه الرئيسي، غادي آيزنكوت، الذي لم يُختبر في هذا المنصب بعد.
 
 
لم يتبقَّ على الانتخابات الإسرائيلية سوى أقل من شهرين، ولا تبدو آفاق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مبشرة. وتظهر استطلاعات الرأي أن التأييد الشعبي لـ"حزب الليكود" الذي يتزعمه يراوح مكانه -بل ويتراجع أحياناً- في حين يواصل حزب المعارضة الرئيسي صعوده بثبات. كما أن أساليب التخويف التي وظفها نتنياهو بنجاح كبير في الماضي ضد خصومه لا يبدو أنها تحقق التأثير نفسه هذه المرة. وفي الوقت نفسه، ثمة مجموعة من الأحزاب اليمينية الجديدة التي تهدد بتفتيت معسكره وانتزاع أصوات مهمة من "الليكود".
في هذه الظروف، ما الذي يستطيع نتنياهو فعله لإنقاذ نفسه من خطر حقيقي يتمثل في خسارة السلطة من خلال صناديق الاقتراع؟
يحذّر محللون سياسيون ومعلّقون من أن نتنياهو قد يسعى إلى إرباك الانتخابات عن طريق تشجيع العنف -إن لم يكن تدبيره من الأساس- واستخدام الشرطة ضد المعارضة، والطعن في شرعية لجنة الانتخابات المركزية التي تشرف على عملية الاقتراع، ثم، إذا أخفقت كل هذه الوسائل، اللجوء بعد إغلاق صناديق الاقتراع إلى ترويج ادعاءات -على الطريقة الترامبية- بأن الانتخابات "سُرقت". ولم يتحقق أي من هذه التهديدات حتى الآن، لكنّ الحملة الانتخابية لن تبدأ فعلياً وبكامل زخمها إلا في 7 أيلول (سبتمبر)، حين تقدّم الأحزاب قوائمها الانتخابية النهائية.
لكنّ هناك أسلوباً انتخابياً ربما يكون نتنياهو قد شرع مُسبقاً في وضعه موضع التنفيذ، يتمثل في افتعال أزمة أمنية واحدة أو أكثر. والغاية من ذلك ستكون ترميم صورته التي تضررت بشدة بوصفه "السيد أمن"، ودفع مزيد من الناخبين المعتدلين الذين ابتعدوا عن "الليكود" إلى إعادة التفكير عندما يتعلق الأمر بتسليم البلاد إلى منافسه الرئيسي، غادي آيزنكوت، الذي لم يُختبر بعد في هذا المنصب.
وليس من الضروري أن يبدأ نتنياهو حرباً شاملة بالمعنى التقليدي. وقد يكتفي بإشعال مواجهة عسكرية وتركها تتصاعد تدريجياً إلى أن تبلغ نقطة يستطيع عندها أن يدفع بحجة معقولة ظاهرياً، تفيد بأنه لم يعد هناك أي خيار سوى الذهاب إلى الحرب.
ربما تكون لمحة عن هذا المسار قد ظهرت في 18 آب (أغسطس)، حين قامت مقاتلات إسرائيلية بقصف "قاعدة أبو الظهور" الجوية في سورية. وفي تبرير الحادثة قال نتنياهو ووزير دفاعه، إسرائيل كاتس، إن الهدف من الهجوم كان تحذير تركيا من توسيع وجودها العسكري في سورية. وكانت بعثة عسكرية تركية قد زارت القاعدة بالفعل، وفق ما أفادت التقارير، بهدف نشر طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي فيها.
قد تكون لدى إسرائيل مخاوف مشروعة إزاء طموحات تركيا في سورية وفي مناطق أخرى من الشرق الأوسط. لكنّ الكثير من المراقبين -من بينهم توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تركيا وسورية- أبدوا شكوكاً في الرواية الأمنية التي قُدمت لتبرير الهجوم. وقال باراك في إطار التكهنات: "إحدى النظريات هي أنهم (الإسرائيلون) كانوا يستدرجون تركيا فحسب، وهي فكرة شديدة العدوانية، لكنها ربما تلقى قبولاً جيداً قبل الانتخابات".
هناك جبهات أخرى تخضع فيها قدرة نتنياهو على إثارة المتاعب للتقييد من دونالد ترامب. وفي هذا الإطار، تم وضع خيار إيران، التي ما تزال تشكل أكبر مصدر للقلق لدى الجمهور الإسرائيلي، خارج نطاق المناورة الإسرائيلية فعلياً بعدما أوضح الرئيس الأميركي أنه لا يريد أن تندلع الحرب من جديد -على الأقل إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني (نوفمبر). وفي غزة ولبنان، حيث فرض ترامب وقفَين لإطلاق النار، أصبح هامش المناورة المتاح لنتنياهو محدوداً أيضاً.
كما أن التصرف بعدوانية على الجبهة السورية-التركية ينطوي على مخاطر هو الآخر. في ما يتعلق بسورية، تدعم واشنطن جهود الرئيس السوري أحمد الشرع لتحقيق الاستقرار في البلاد ومواءمتها مع الغرب، وترى في المساعدة العسكرية التركية عنصراً مفيداً في هذا المسار. ولا تريد الولايات المتحدة -التي رعت محادثات أمنية بين سورية وإسرائيل- أن تقوم إسرائيل بتقويض جهود الشرع. ولذلك، قد يكون ضرب سورية والتسبب في اندلاع أزمة مع تركيا -أو ما هو أسوأ من ذلك- قد يكون مجازفة بالغة الخطورة بالنسبة لنتنياهو، خاصة وأن علاقاته مع ترامب متوترة أصلاً.
مع ذلك، شرع رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة في تكرار التحذير بصورة متزايدة من تركيا بوصفها تهديداً، وكأنه يهيئ الرأي العام لمواجهة محتملة. وردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدوره بخطاب ناري تجاه إسرائيل. ومع قِصر مدى انتباه ترامب وسجله التاريخي في التساهل مع الخروقات الإسرائيلية لاتفاقات وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، قد يحصل نتنياهو على الضوء الأخضر الذي يحتاج إليه.
لكنّ الخطر الحقيقي يكمن في الحقيقة في الضفة الغربية. فقد تصاعد عنف المستوطنين المتطرفين، الذي بدأ بعد وقت قصير من هجمات "حماس" في العام 2023، خلال الأسابيع الأخيرة، وأصبح أكثر سطوعاً ووقاحة. ولم يعد المتطرفون يعتدون على الفلسطينيين وممتلكاتهم فحسب، وإنما أصبحوا يهاجمون مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية والناشطين المؤيدين للفلسطينيين -بل وحتى الجنود الإسرائيليين عندما يحاولون، في حالات نادرة، التدخل. وقد حذّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، من أن الوضع خرج عن السيطرة، وبدأ في نشر مزيد من القوات هناك.
لكن نتنياهو وحكومته آثرا تجاهل هذه التحذيرات. وبينما يساور اليمين الديني المتطرف في الحكومة القلق من قرب فقدان السلطة، فإنه يرى في تصاعد العنف والتوسع الاستيطاني فرصة أخيرة لفرض وقائع جديدة على الأرض -بما في ذلك الاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين من منازلهم. وفي أفضل السيناريوهات التي يتصورها هذا اليمين، ستفضي الهجمات إلى جلب "نهاية عالم مصغّرة" لطالما انتظروها، بحيث يرد الفلسطينيون أخيراً فيتيح ذلك للجيش والمستوطنين شن هجوم شامل يقود إلى الطرد الجماعي للسكان الفلسطينيين.
لا يشارك نتنياهو اليمين المتطرف أوهامه المسيحانية، لكن امتناعه عن انتقاد أعمال العنف علناً -ناهيك عن اتخاذ إجراءات صارمة لوقفها- يعكس استعداداً انتهازياً قاتماً لاستغلال الأزمة لتحقيق مصلحته الشخصية. ففي حال واجه الإسرائيليون موجة من الهجمات المضادة الفلسطينية، واستعادت ذاكرتهم مشاهد هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لن يكون السؤال الذي يشغل المواطن الإسرائيلي العادي هو من بدأ كل ذلك، وإنما من هو الأقدر على التعامل مع المشكلة. ويعوّل نتنياهو على أن يرى الجمهور فيه "اليد الأكثر أماناً" التي يمكن الوثوق بها في إدارة الأزمة.
على الجانب الأميركي، كانت إدارة ترامب أقل انتقاداً بكثير للاستفزازات الإسرائيلية في الضفة الغربية منها في ساحات أخرى. وقد وجّه السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، انتقادات إلى أعمال العنف، لكن ترامب نفسه لم يقل شيئاً بهذا الشأن -في العلن على الأقل. ولذلك يبدو خطر الدخول في مواجهة علنية مع الرئيس الأميركي منخفضاً، خاصة إذا ما قورن بالمخاطر التي تنطوي عليها الخيارات الأخرى.
إذا تصاعد الوضع في الضفة الغربية، أو أدت أزمة أمنية في مكان آخر إلى استئناف الحرب، فقد يحاول نتنياهو استغلال حالة الطوارئ لتأجيل الانتخابات جملة وتفصيلاً. وهو سيناريو مستبعد، لكنّ قانون الانتخابات الإسرائيلي يمنح الكنيست صلاحية اتخاذ مثل هذا القرار -ولو أن ذلك يتطلب أغلبية معززة سيكون من الصعب على نتنياهو تأمينها. ومع ذلك، لا يستبعد أشد منتقديه هذا الاحتمال من حيث المبدأ. ففي نهاية المطاف، اختبر نتنياهو -شأنه شأن ترامب- حدود الأعراف الديمقراطية، ومن شبه المؤكد أنه سيحظى بدعم شركائه في الائتلاف.
قد يبدو مناقضاً للحدس أن يكافئ الناخبون الإسرائيليون، بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب المتواصلة، الرجل الذي يريد أن يزج بالبلاد في مزيد من المواجهات. لكنّ اتجاهات الرأي العام أكثر تعقيداً من ذلك. ثمة قدر من إرهاق الحرب بالتأكيد، لكنّ ثمة شعوراً أقوى يقابله بأن هذه الحروب لم تجعل إسرائيل أكثر أمناً. وقد أظهر استطلاع أجراه "معهد دراسات الأمن القومي" في تموز (يوليو) أن نسبة الإسرائيليين الذين يرون أن الوضع الأمني في إسرائيل "سيئ" أو "سيئ جداً" بلغت 37 في المائة، مقابل 26 في المائة فقط رأوا أنه "جيد" أو "جيد جداً". والمفارقة أن 49 في المائة من المستطلَعين المؤيدين لحكومة نتنياهو نفسها اعتبروا الوضع الأمني سيئاً أو سيئاً جداً. وينظر قطاع واسع من الجمهور الإسرائيلي إلى هذه الحروب باعتبارها مسألة لم تُحسم بعد.
مع ذلك، لا يبدو من المؤكد على الإطلاق أن نتنياهو سيستفيد من صب الزيت على نار الحرب. وتظهر استطلاعات الرأي أن معظم الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو يتخذ قراراته العسكرية بالاستناد -ولو جزئياً على الأقل- إلى حسابات انتخابية. كما أن نتنياهو وحكومته يتمتعان عموماً بثقة شعبية أقل من تلك التي يحظى بها الجيش وسائر عناصر المؤسسة الأمنية، حتى بين ناخبي الائتلاف الحكومي أنفسهم. ومع ذلك، يمتلك نتنياهو سجلاً حافلاً باستخدام أساليب ملتوية للبقاء في السلطة، من النوع الذي يتردد سياسيون آخرون في اللجوء إليه، ويبدو أن هذه الانتخابات لن تكون استثناءً.
بالنسبة لنتنياهو، لا تكاد تكون خسارة الانتخابات خياراً مطروحاً. فمن شبه المؤكد أنها ستضع نهاية لمسيرته السياسية، وستحطم إرثه السياسي بفتح الطريق أمام إطلاق تحقيق حكومي كامل ومستقل في هجمات "حماس"، كما ستجعل من الصعب عليه مواصلة تأجيل محاكمته الجنائية بتهم الفساد أو التوصل إلى صفقة إقرار بالذنب تنهيها بشروط تكون مواتية له. وانطلاقاً من هذا كله، قد يختار نتنياهو المضي إلى أقصى الحدود والمخاطرة بكل شيء.
*ديفيد إي. روزنبرغ David E. Rosenberg: صحفي ومحلل إسرائيلي، يشغل منصب محرر الشؤون الاقتصادية وكاتب عمود في النسخة الإنجليزية من صحيفة "هآرتس". يكتب بانتظام في مجلة "فورين بوليسي" حول الاقتصاد والسياسة الإسرائيلية والصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. وهو مؤلف كتاب "اقتصاد التكنولوجيا الإسرائيلي" Israel’s Technology Economy، وقد تناول في كتاباته تحولات الاقتصاد الإسرائيلي وصعود اليمين الديني والقومي وتأثير الحروب الإسرائيلية في المجتمع والاقتصاد والسياسة. 
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Would Another War Help Netanyahu Win Reelection?