الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نيفي غوردون؛ ومنى حداد* - (مجلة جاكوبين) 18/11/2025
جذب قتل إسرائيل لما لا يقل عن 225 صحفيًا فلسطينيًا منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 اهتمامًا دوليًا لفترة وجيزة بعد حساب أنّ عدد الصحفيين الذين قُتلوا في غزة يفوق عدد أولئك الذين قضوا في الحرب الأهلية الأميركية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، وحروب يوغوسلافيا في التسعينيات والألفية الجديدة، والحرب في أفغانستان بعد 11 أيلول (سبتمبر) -مجتمعة.
وكما كتب أحد المعلقين، قامت إسرائيل، كجزء من جهودها للقضاء على الشهود والتحكم في الرواية، بتحويل غزة إلى "مقبرة الصحافة". وقد استخدمت الطائرات المسيّرة لملاحقة العاملين في الإعلام واستهدافهم من بعيد، كما حدث عندما استهدفت مراسل قناة "الجزيرة" أنس الشريف إلى جانب محمد قريقع، وإبراهيم زاهر، ومحمد نوفل، ومؤمن عليوة ومحمد الخالدي، في خيمة تؤوي صحفيين بجوار "مستشفى الشفاء" في غزة.
كما قامت القوات الإسرائيلية بإعدام صحفيين من مسافة قريبة، كما حدث عندما قتل قنّاصٌ الصحفي سائد أبو نبهان في منطقة النصيرات وسط غزة. كما تعرّض العديد من الصحفيين الآخرين للإصابة أو الاعتقال أو الاختفاء، بينما قامت القوات الإسرائيلية بشكل منهجي بإلحاق الضرر أو تدمير أكثر من 100 مؤسسة ومكتب إعلامي حكومي وغير حكومي، بما في ذلك محطات تلفزة وفضائيات وإذاعات؛ وأبراج بث؛ ومكاتب خدمات إعلامية؛ ومقار صحف.
يشكل اغتيال الصحفيين جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، لأن قوانين النزاعات المسلحة تعتبر الصحفيين مدنيين، وبذلك يعتبر استهدافهم عمدًا عملًا غير قانوني. لكن الصحفيين لا يتمتعون بأي حماية خاصة إضافية، على الرغم من المخاطر العالية التي ينطوي عليها عملهم.
أدرك واضعو هذه القوانين، وكان آخر ذلك لدى صياغة البروتوكولات الإضافية في العام 1977 لـ"اتفاقيات جنيف"، الفارق بين المدنيين والصحفيين، وفهموا أن الأخيرين يتواجدون غالبًا على الخطوط الأمامية؛ ومع ذلك، ولسبب غير مفهوم، فشلوا في منحهم أي حماية إضافية تتجاوز تلك الممنوحة للمدنيين.
تحيّز الإعلام الغربي
تسببت الحماية القانونية المحدودة الممنوحة للصحفيين في جعلهم عرضة للاستهداف المنهجي الذي مارسته إسرائيل. وقد تشجعت إسرائيل أكثر على مواصلة انتهاكاتها بسبب الإعلام الغربي والدور الذي لعبه في تقويض صورة المهنية والمصداقية لدى الصحفيين الفلسطينيين.
ولدى إسرائيل تاريخ طويل في تشويه سمعة الصحفيين الفلسطينيين، بل إنها استخدمت وكالة الإعلان الحكومية لإنتاج إعلانات على "يوتيوب" تزعم أن المراسلين الصحفيين في غزة هم جزء أساسي من "دعاية حماس"، وهم لذلك أهداف مشروعة.
ليس واضحًا ما إذا كانت مثل هذه الحملات الخبيثة قد أثرت على وسائل الإعلام الغربية، أم أن التحيزات الخاصة القائمة منذ وقت طويل لهذه الوسائل هي التي تحدد كيفية تغطيتها لاغتيال الصحفيين الفلسطينيين. لكنها في كلتا الحالتين، غالبًا ما كانت تكرر تلفيقات إسرائيل.
عندما قتلت إسرائيل صحفيي "ميدل إيست آي" محمد سلامة وأحمد أبو عزيز في "مستشفى ناصر" -إلى جانب مصور "رويترز" حسام المصري، والصحفيَّين المستقلين معاذ أبو طه ومريم أبو دقة، اللذين كانا قد عملا لصالح وكالة "أسوشييتد برس"- كررت وكالات أنباء غربية قُتل مراسلوها هي نفسها في الهجوم نفسه، زعم إسرائيل بأنها استهدفت "كاميرا لحماس"، لتربط بذلك بشكل عابر الصحفيين الخمسة المذبوحين بـ"حماس".
ليس ثمة شك في أن عبارة "كاميرا حماس" هي نحت لغوي صاغته إسرائيل، ومع ذلك كررته عشرات وسائل الإعلام من دون أن تتوقف لتسأل: ما الذي يمكن أن تكونه "كاميرا حماس" هذه بالضبط -وهل تختلف عن كاميرا من نوع "نيكون" أو "كانون"؟ لقد ساعد مجرد تكرار هذه العبارة على إضفاء الشرعية على هجوم إسرائيل المتعمد ضد الصحفيين، الذي تم تنفيذه في مجمع مستشفى حيث قُتل أيضًا أفراد من الطاقم الطبي ومرضى.
وقع هذا الهجوم في أواخر شهر آب (أغسطس)، بعد مرور أكثر من عام وعشرة أشهر على بدء الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وبحلول ذلك الوقت، كان قد أصبح من الواضح تمامًا أن إسرائيل تستهدف الصحفيين بشكل منهجي، بعد أن قتلت أكثر من 200 من العاملين في الإعلام -غالبًا مع عائلاتهم.
وبالإضافة إلى ذلك، من غير المرجح إلى حد كبير أن وسائل الإعلام الغربية الكبرى كانت ستتبنى شرعنة إسرائيل رواياتها التي تبرر بها أفعالها لو كان الصحفيون الذين قُتلوا على سطح "مستشفى ناصر" من الأوروبيين البيض.
إن ما هو واضح، كما يشير الكاتب كريس هيدجز، هو أن مثل هذه الروايات "تسيء إلى أصوات الضحايا وتبرّئ القتلة"، بطريقة تعزز الإفلات من العقاب الذي يمكّن من استمرار استهداف الصحفيين الفلسطينيين.
خطاب التحريض
يأتي الاتهام بأن الصحفيين الفلسطينيين مدفوعون أيديولوجيًا ولا يمكنهم أن يكونوا موضوعيين من وسائل إعلام كانت قد روّجت تقارير خبيثة عن أطفال "ذُبحوا" وأطفال رُضّع "طُبخوا في الأفران" أثناء هجوم "حماس". ويأتي من منافذ إعلامية كررت الأكاذيب حول وجود مركز قيادة تحت "مستشفى الشفاء"، إلى جانب الاتهام الكاذب للصحفيين الفلسطينيين بأنهم كانوا يوجهون وحدات صواريخ "حماس" من فوق أسطح المستشفيات.
وفي الحقيقة، يساعد تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم فعليًا، ليس على تطبيع الإبادة الجماعية فحسب، بل وحتى التحريض على ارتكاب الإبادة، وهو ما عكف صحفيون إسرائيليون على فعله منذ اليوم الأول.
في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، كتب شمعون ريكلين من "القناة 14" مسبقًا قبل الحملة الإسرائيلية على غزة: "يجب محو غزة عن وجه الأرض"، ثم تساءل لاحقًا بلهجة استنكارية: "لماذا بالضبط لدينا سلاح نووي؟".
وبعد بضعة أيام، أطلقت نافيه درومي، التي عملت أيضًا في "القناة 14" وتعمل الآن مقدّمة برامج في قناة "آي-24" الإخبارية الإسرائيلية، تعليقًا بليغًا تهكميًا في البرنامج التلفزيوني "الوطنيون"، وقالت: "ليس هناك أبرياء"، مضيفة أن الفلسطينيين "جلبوا النكبة على أنفسهم" في العام 1948، وأنهم "سيحصلون الآن على نكبة ثانية، حقيقية، والتي تستكمل عمل [رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق دافيد] بن غوريون".
وبرر روي شارون، مراسل "القناة 11" الإسرائيلية، صراحة، احتمال "إيجاد مليون جثة"، مشيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي: "لقد تحدثتُ عن مليون جثة ليس كهدف. قلت إنه إذا كنا سنحتاج، من أجل القضاء نهائيًا على القدرات العسكرية لـ’حماس‘، بما في ذلك [يحيى] السنوار و[محمد] الضيف، إلى مليون جثة، فلتكن هناك مليون جثة".
ولم يكن أرنون سيغال، الذي يكتب لصحيفة "ماكور ريشون"، يتكلف بأي شكل إخفاء تحريضه، ونشر خريطة يشرح فيها: "هكذا سنعود إلى غزة: الخطة الكاملة لتدمير العدو، وتحرير قطاع غزة، وإقامة مدن يهودية هناك".
وفي مقابلة مع موقع "والا"، كرّر الصحفي ومقدم البرامج المخضرم، يارون لندن، تصريحاته السابقة بأن "غزة يجب أن تُسوّى بالأرض، حتى لو كان ذلك على حساب إيذاء الأبرياء"، مضيفًا: "إذا لم تتمكن من التمييز بين السكان والسلطات لأن السلطات تختبئ عمدًا في المستشفيات أو الأديرة، فعندئذٍ لن يكون لديك خيار ويجب أن تكون أقل ’نباتية‘ بكثير... في رأيي، كنا ’نباتيين‘ جدًا... كان ينبغي أن يكون العقاب على استفزازات ’حماس‘ أشد بكثير. للأسف، يجب أن يقع هذا العقاب أيضًا على السكان".
كما حرّض بعض الصحفيين الإسرائيليين بشكل مباشر ضد نظرائهم في غزة. كتب هاغاي سيغال، رئيس التحرير السابق لصحيفة "ماكور ريشون": "كل الصحفيين في غزة هم عناصر أو مؤيدون لحماس، مفبركو افتراءات دموية... ربما هناك قلة من الناس في غزة يرتدون سترات عليها شارة ’صحافة‘ PRESS ولا يتفقون في قلوبهم بطريقة ما مع ’حماس‘، ولكن حتى هؤلاء لا يستحقون حماية نقابة الصحفيين".
وقال محلّل الشؤون العربية في قناة "آي-24" الإسرائيلية، تسفي يحزكيلي: "إذا قررت إسرائيل القضاء على الصحفيين، فأن تفعل متأخرة أفضل من ألا تفعل أبدًا".
سوابق قانونية
يمكن أن ترقى مثل هذه التصريحات إلى أن تكون تحريضًا مباشرًا وعلنيًا على ارتكاب إبادة جماعية، وهو فعل يُعاقب عليه بموجب المادة 3 من اتفاقية العام 1951 لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وبالمثل، تنص المادة 25 من "نظام روما الأساسي" للعام 1998 التي تنظم عمل "المحكمة الجنائية الدولية" على أن الشخص الذي "يحرّض آخرين بشكل مباشر وعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية" يتحمل مسؤولية جنائية فردية.
ثمة سوابق لمحاسبة صحفيين إسرائيليين ومنافذ إعلامية أخرى على التحريض. في "محاكمات نورمبرغ"، أُدين الناشر الألماني يوليوس شترايشر في العام 1946 بالتحريض على إبادة اليهود في صحيفته "دير شتورمر".
وبالمثل، في العام 2003، أدانت "المحكمة الجنائية الدولية" في قضية رواندا ثلاثة من قادة الإعلام بتهمة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة. وشرح كبير القضاة في حديثه للمتهمين أنه "من دون سلاح ناري أو منجل أو أي سلاح مادي، تسببتم في مقتل آلاف المدنيين الأبرياء"، بينما أكد أن بثّهم ومنشوراتهم لا يمكن حمايتهما بموجب حق حرية التعبير.
وعلى الرغم من محاولة إسرائيل تصوير الصحفيين الفلسطينيين كمحرضين على العنف، فإن المفارقة الكبرى والمأساوية، كما يبرزها المثال الرواندي، هي أن عددًا غير قليل من الصحفيين الإسرائيليين مذنبون بهذه الجريمة بالضبط.
لذلك، حان الوقت لأن تضمن كل دولة موقعة على اتفاقيات جنيف واتفاقية الإبادة الجماعية محاسبة جميع الصحفيين والمديرين الإعلاميين الذين استخدموا خطاب التحريض -عن طريق اعتقالهم عند سفرهم إلى الخارج ومحاكمتهم في المحاكم الوطنية التي تتمتع بالولاية القضائية العالمية.
لكنّ ما شهدناه بدلًا من ذلك هو العديد من وسائل الإعلام التي تقوّض مصداقية أولئك الذين يقفون شهودًا على جرائم إسرائيل -بينما تساهم أحيانًا في تحويل الصحافة إلى أداة تساعد وتشارك في ارتكاب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
*نيفي غوردون Neve Gordon: أكاديمي وباحث بارز في مجال حقوق الإنسان، يشغل منصب أستاذ قانون حقوق الإنسان في كلية القانون بجامعة كوين ماري في لندن، وزميل في الأكاديمية البريطانية للعلوم الاجتماعية. عُرف بأعماله الموسّعة حول سياسات الاحتلال الإسرائيلي، والعنف البنيوي، وآليات السيطرة العسكرية والأمنية، ونشر العديد من الكتب والدراسات المؤثرة حول حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والاستعمار الاستيطاني. يكتب غوردون بانتظام في صحف ومجلات دولية مرموقة، ويُعد من الأصوات النقدية التي تجمع بين التحليل الأكاديمي العميق والموقف الأخلاقي الواضح في الدفاع عن حقوق الشعوب المقهورة، ولا سيما الشعب الفلسطيني.
*منى حداد Muna Haddad: محامية فلسطينية في مجال حقوق الإنسان ومرشّحة لنيل درجة الدكتوراه في القانون بجامعة كوين ماري - لندن. تركّز أبحاثها الأكاديمية، خاصة في رسالة الدكتوراه، على سياسة الاحتلال الإسرائيلي المتعلقة باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، وتحليل كيفية استخدام هذه الجثامين كأداة قمع سياسي ومساومة ضمن مشروع الاستعمار الإسرائيلي. كما أن لها دورًا حقوقيًا عمليًا، وقد شاركت كمحامية في تقديم مداخلات وتقارير عبر منظمات حقوقية، مثل عدالة (Adalah)، للدفاع عن الحقوق الأساسية للفلسطينيين ضد ممارسات الاحتلال.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s Slaughter of Journalists Can’t Go Unpunished