الغد
عواصم- بعد مرور ستين يومًا على اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، تسود هدنة هشة تترافق مع استمرار الحصار وتعثر المفاوضات، في وقت تحول فيه الصراع من عملية عسكرية سريعة ومحدودة إلى مواجهة ممتدة بلا أفق واضح للحسم.
ففي واشنطن، أثارت الحرب منذ ساعاتها الأولى تساؤلات حول شرعيتها وأهدافها، إلى جانب تصاعد الجدل بشأن طبيعة العمليات العسكرية وتداعياتها السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي المقيم في واشنطن نبيل مخائيل، إن الولايات المتحدة حققت خلال الأسابيع الماضية مكاسب إستراتيجية ملموسة، تمثلت في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، غير أن هذا التقدم "يصطدم بخلاف أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة الأميركية-الإسرائيلية".
وأوضح مخائيل أن هناك تيارًا داخل الولايات المتحدة "يعارض تطابق المصالح الأميركية مع مصالح إسرائيل رغم اشتراك الطرفين في الخصومة مع إيران".
ويرجح مخائيل أن لا تتجه الحرب إلى تصعيد شامل، بل إلى مواجهات عسكرية محدودة ومتقطعة، تسعى من خلالها واشنطن إلى "إحراج إيران في ميدان القتال".
النفس الطويل
من جانبه، يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط، ديفيد آرون ميلر أن إيران تتعامل مع الصراع بأسلوب "النفس الطويل"، ولا تظهر استعجالًا للتوصل إلى تسوية، مستبعدًا في الوقت الراهن توافر شروط اتفاق بين أطراف الحرب في ظل فجوات عميقة في الملفات السياسية وغياب الثقة المتبادلة.
وكتب ميلر على منصة "إكس" تعليقًا على تمديد وقف إطلاق النار، أن المرحلة المقبلة قد تشهد تمديدًا جديدًا أو تصعيدًا من أحد الأطراف، مؤكدًا أنه "في كلتا الحالتين لن تستسلم إيران وسيستمر الصراع".
ومع بداية الهجوم، تبنى الديمقراطيون داخل الكونغرس موقفًا واضحًا؛ إذ وصفوا الحرب بأنها اندفاع غير محسوب وتفتقر إلى تأييد شعبي.
وخلال الأسابيع الماضية، صوّت المشرعون في الحزب الديمقراطي خمس مرات على قانون "صلاحيات الحرب" في محاولة لتقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب، إلا أن جميع هذه المحاولات أخفقت بسبب الانقسام الحزبي.
تكرار التصويت لم يكشف فقط عن فشل المعارضين للحرب، بل أظهر أيضًا انقسامًا داخل الحزب الجمهوري نفسه، بين أغلبية تدعم توسيع صلاحيات الرئيس بحجة ضرورات الأمن القومي، وأقلية تحذر من تجاوز التوازن الدستوري.
مواجهة تشريعية
ويستعد الديمقراطيون لجولة جديدة من المواجهة التشريعية مع اقتراب نهاية مهلة الستين يومًا في الأول من الشهر المقبل، وهو ما أعلنه زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر.
وقبل دخول الحرب شهرها الثالث، بدأت كلفتها السياسية تتجلى بوضوح داخل الولايات المتحدة. فقد كشفت استطلاعات رأي من بينها "رويترز/إيبسوس"، عن شبه إجماع على رفض دخول واشنطن الحرب، حيث اعتبر 26% فقط أن التدخل العسكري مجدٍ، في حين عارضه 60% من المشاركين.
ويعزو محللون هذا التراجع إلى حالة عدم اليقين الناتجة عن الحرب، وتنامي المخاوف من الانزلاق نحو "حرب استنزاف" طويلة، وهو ما أشار إليه المحلل السياسي نبيل مخائيل محذرًا من تداعيات اقتصادية محتملة، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود، الذي يمثل تحديًا إضافيًا للإدارة الأميركية.
الجانب الإيراني
وفي الجانب الآخر من النزاع، تسعى المؤسسات الرسمية في طهران إلى إظهار التماسك الوطني، وتكذيب ما تصفه بـ"المزاعم الأميركية بشأن وجود انقسامات وصراعات داخلية"، مقابل تسليط الضوء على "خلافات علنية داخل البيت الأميركي"، تمثلت -وفق الرواية الإيرانية- في إقالة عدد من الضباط وتغيير بعض القيادات العسكرية العليا.
وبموازاة ذلك، أشاد كل من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، بـ"وحدة الجبهة الداخلية"، في وقت أكد فيه الرئيس مسعود بزشكيان، في منشور على منصة "إكس"، أنه "لا يوجد في إيران متطرفون ولا معتدلون.. كلنا إيرانيون وثوريون، وبوحدة الأمة والحكومة الحديدية، وبطاعة كاملة للمرشد الأعلى سنجعل المعتدي يندم على أفعاله".
وفي هذا السياق، ترجّح تقديرات المؤسسات الرسمية في طهران احتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب خلال المرحلة المقبلة. فقد حذّر أحمد نادري، عضو هيئة الرئاسة في البرلمان الإيراني، من أن "المطالب المفرطة" التي تطرحها واشنطن تبقي احتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة "واردًا في المستقبل القريب".
وشدد نادري على أن طهران لن تتراجع عن "الحقوق المشروعة" لشعبها، وأنها مستعدة لخوض حرب إضافية إذا لزم الأمر.
استقطاب سياسي
يعكس الخطاب السياسي المتشدد حالة استقطاب حادة في تقييم المرحلة داخل إيران، إذ يرى التيار المحافظ، الذي يمثله نادري، أن استمرار سياسة الصمود ورفع سقف التهديدات يمثل السبيل الوحيد لكسب أوراق الضغط في مواجهة الطرف الآخر. وفي المقابل، تميل أوساط إصلاحية ومعتدلة إلى إعطاء أولوية للمسار الدبلوماسي، بهدف تجنيب البلاد مزيدًا من الاستنزاف الاقتصادي والعسكري والأمني.
وفي هذا الإطار، يجدد الناشط الإصلاحي عباس عبدي دفاعه عن خيار المفاوضات مع واشنطن، معتبرًا أن تجارب الماضي أظهرت أن إيران كانت "الرابح الأكبر" منها، حتى في الحالات التي لم تفضِ إلى اتفاق، واندلعت خلالها مواجهات عسكرية، سواء خلال حرب الـ12 يومًا العام الماضي، أو "حرب رمضان" هذا العام.
وأشار إلى أن شريحة واسعة من الإيرانيين ربما كانت تدرك مسبقًا أن المفاوضات التي سبقت الحرب الأخيرة لن تصل إلى نتيجة، غير أن قيمتها تكمن في فضح مواقف الخصوم وكسب الوقت والشرعية، وليس بالضرورة الوصول إلى اتفاق نهائي.-(وكالات)