الغد
ترجمة: علاء الدين أبوزينة
روبرت د. كابلان* – (فورين أفيرز) 11/3/2026
لا تتعلق المشكلة الإستراتيجية الأكثر خطورة التي تواجه الولايات المتحدة بالحروب الكبرى أو الصغيرة بقدر ما تتعلق بالحروب متوسطة الحجم، التي تنشأ غالبًا من سوء تقدير وغموض في الأهداف، فتستنزف الدولة عسكريًا وسياسيًا من دون تعبئة مجتمعية كاملة أو حسم حاسم. هذه الحروب، المرتبطة بطبيعة الدور الإمبريالي الأميركي، تقوّض الثقة الداخلية، وتُضعف مكانة الدولة عالميًا، خاصة حين تُخاض بدوافع عاطفية أو من دون فهم عميق للواقع المحلي للدول المستهدفة، ما يجعل تجنبها- بالانضباط، والتخطيط الواقعي، والاعتماد على الخبرة المتخصصة- ضرورة حيوية لبقاء أميركا قوة عظمى.
* * *
في العام 1988، لاحظ المؤرخ العسكري جيمس ستوكسبري أن الديمقراطيات تجيد خوض نوعين من الحروب: الحروب الصغيرة، التي يُترك خوضها لـ"المحترفين" ولا تنطوي على إشراك المواطنين العاديين، أو الحروب الكبرى جدًا التي تعبّئ المجتمع بأكمله. وأضاف أن تلك الديمقراطيات تواجه "مشكلات حقيقية جدًا" حين تحاول خوض حرب متوسطة الحجم، حيث "يذهب البعض إلى القتال، ويبقى البعض الآخر في الوطن".
صحيح أن الحروب متوسطة الحجم كبيرة بما يكفي لإحداث دمار هائل وسفك دماء واسع، لكنها في الوقت نفسه محدودة بحيث لا تُشرك الجبهة الداخلية بأكملها. ولا ينبغي الخلط بينها وبين ما سماه المنظّر العسكري، كارل فون كلاوزفيتز، بـ"الحرب المحدودة"، التي قد يكون هدفها مجرد إلحاق الأذى بالعدو وليس تدميره. الحرب المحدودة تُخاض عن قصد وتصميم، بينما تنشأ الحرب متوسطة الحجم من حرب كان يُراد لها أن تكون صغيرة فحسب. وفي الحرب المحدودة، يعرف القادة العسكريون والسياسيون ما يفعلونه، ولكن لا يبدو في الحروب متوسطة الحجم التي تخوضها الولايات المتحدة اليوم أن قادتها يمتلكون مثل هذا الوضوح.
قد يبدو من غير المريح اعتبار ما تُسمى "الحروب الأبدية" في الشرق الأوسط- التي قتلت أو جرحت عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين، وخلّفت أعدادًا لا تُحصى من القتلى من جميع الأطراف- مجرد حروب متوسطة الحجم. لكنّ مقصد ستوكسبري هنا هو المقارنة. لا يمكن مساواة الحروب في أفغانستان والعراق، وكذلك في كوريا وفيتنام -على فظاعتها- بالحربين العالميتين الكبيرتين في القرن العشرين. كما لا يمكن تصنيفها أيضًا ضمن الحروب الصغيرة، مثل غزو غرينادا في العام 1983 وبنما في العام 1989، اللذين تصدّرا عناوين الأخبار لبضعة أيام، لكنهما كانا في جوهرهما أقرب إلى عمليات شرطية إمبراطورية. كما كانت التدخلات العسكرية الأميركية في البوسنة في العام 1995 وكوسوفو في العام 1999 محدودة عندما يتعلق الأمر بالخسائر الأميركية إلى حد كبير، واعتمدت أساسًا على عمليات جوية تم تنفيذها ضمن ضوابط وقيود صارمة.
بالنسبة للولايات المتحدة، تمثل الحروب متوسطة الحجم مشكلة فريدة. إنها تدمّر الإدارات الرئاسية، وتُقوّض ثقة الرأي العام الأميركي بقدرة حكومته على إدارة السياسة الخارجية. ويبدو أن الشعب الأميركي قد سئم هذا النوع من الحروب ولا يرغب أبدًا في تكراره. وفي أعقاب كل حرب متوسطة الحجم خاضتها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، أعلن الرأي العام والساسة على حد سواء انتهاء هذا النمط من الحروب. وكان ذلك واضحًا بشكل خاص بعد حربَي فيتنام والعراق، اللتين دمّرتا سمعة كبار صناع القرار. ومع ذلك، قد تكون الولايات المتحدة على أعتاب حرب أخرى من هذا النوع. وكما يبدو، تحمل حرب إدارة ترامب في إيران في طياتها إمكانية التحول إلى حرب متوسطة الحجم، إذا لم يخضع النظام الديني في طهران كما يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإذا أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة إلى حالة من الفوضى داخل إيران وإلى زعزعة استقرار الخليج الفارسي. وفي الحقيقة، قد تكون الفجوة بين إسقاط نظام قائم وبناء نظام جديد أكثر قابلية للتطويع شاسعة للغاية.
توجد الولايات المتحدة في العالم كقوة إمبريالية بحكم الأمر الواقع، والحروب الفاشلة متجذّرة في تاريخ الإمبريالية نفسها، حيث يقوم جوهر الإمبريالية على إشراك الإمبراطورية في مناطق قد تكون ذات فائدة محتملة، لكنها ليست بالضرورة حيوية لمصالحها الوطنية. ويعكس الانخراط المتكرر في حروب متوسطة الحجم على فترات، حتى مع إعلان المسؤولين والجمهور على حد سواء أنهم لن يسمحوا بتكرارها، الحالة الإمبريالية الحديثة للولايات المتحدة. وإذا لم يكن القادة على قدر من الحذر، فإن هذه الحروب متوسطة الحجم ستُضعف الولايات المتحدة وتسهم في تراجعها وانحطاطها في نهاية المطاف.
سوء تقدير خطير
في عالمٍ يشهد تكاثرًا مطّردًا للأزمات، لا تستطيع قوة عظمى مثل الولايات المتحدة أن تختبئ ببساطة، أو أن تحافظ على حضور منخفض في المشهد العالمي، أو أن تتوقع دائمًا من الآخرين أن يتحركوا نيابة عنها. بعد غزو العراق، ميّز بعض المحللين بين حروب الاختيار وحروب الضرورة. لكنّ هذا التمييز لا يذهب أبعد من ذلك. وعلى الرغم من أنه يساعد في الفهم، فإنه لا يطرح حلًا شاملًا وشفاء لكل العلل. قد تبدو الحرب "حرب ضرورة" إلى أن تفشل؛ وعندئذ يُعاد النظر إليها لتوصف بأنها "حرب اختيار". وكما كتب كلاوزفيتز، فإن "الحرب مملكة الشك؛ حيث تظل ثلاثة أرباع الأمور التي يقوم عليها الفعل في الحرب كامنة في ضباب من عدم اليقين، أكثر أو أقل". وغالبًا ما يفتقر رئيس إلى معلومات كاملة عن الواقع الميداني لمنطقة تقع على بُعد نصف العالم، ومع ذلك يكون عليه أن يتخذ قرارًا حاسمًا بالذهاب إلى الحرب أو عدمه- وهو قرار سيحكم عليه لاحقًا أناس يمتلكون ميزة النظر في الأمور بأثر رجعي.
ينطوي اتخاذ القرارات في مثل هذه الظروف على خطر الوقوع في خطأ حسابات وسوء تقدير جوهري. ربما يكون هناك إجماع واسع على أن فاعلين متطرفين أو أنظمة دينية مسلحة نوويًا يشكلون خطرًا، لكن تحديد توقيت العمل العسكري ضدهم هو شأن أقل وضوحًا ومباشرة. وقد أثبتت حرب العراق حماقة التسرع في اتخاذ القرار. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني بات أقرب بكثير إلى امتلاك قدرات نووية في العام 2026 مما كان عليه صدام حسين في العام 2003، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذا التقدم كان يستدعي المجازفة بخوض حرب متوسطة الحجم، على النحو الذي جعلت فيه إدارة ترامب هذا الاحتمال واقعًا.
تُظهر التوترات مع الصين وتايوان مدى تعقيد اتخاذ القرار في سيناريوهات يكون فيها سوء التقدير محتملًا وخطيرًا في آن واحد. ومن المؤكد أن المحيط الهادئ الغربي هو أكثر أهمية للمصالح الأميركية من أوكرانيا والشرق الأوسط. وبوجه عام، لم يكن للحروب الطويلة في الشرق الأوسط تأثير كبير على الأسواق المالية التي استوعبت فعليًا الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة على مدى العقود الماضية. لكن الصورة ستكون مختلفة تمامًا إذا ما اندلع صراع مباشر في المحيط الهادئ الغربي، حيث تقع أهم ممرات الشحن العالمية وسلاسل الإمداد والاقتصادات الكبرى. بالنسبة للمواطن الأميركي العادي، قد تتجاوز حرب تنشب في المحيط الهادئ- إن لم تُضبط بدقة- بكثير حجم الأخطاء والمآسي التي شهدتها حروب أفغانستان والعراق وفيتنام- بشكل أساسي بسبب تأثيرها الاقتصادي، فضلًا عن تدمير مواد حيوية مثل أشباه الموصلات. ومع ذلك، يظل التخطيط لمثل هذا الصراع مستمرًا في كلٍّ من بكين وواشنطن، بما يزيد من احتمالية وقوعه ذات يوم. وسيكون الدخول في حرب حول تايوان وبحر الصين الجنوبي- وربما حتى اندلاع حرب متوسطة الحجم- شأنًا سهلًا نسبيًا، لكن إنهاء مثل هذه الحرب هو شأن أكثر تعقيدًا. وقد تتراوح نهاياتها بين الفوضى وسقوط الحكم الشيوعي في الصين، وبين هدنة عسكرية يفرضها الإرهاق بعد انهيار أسواق المال العالمية. وعلى الرغم من كل أنواع المحاكاة الأنيقة التي تتخيل صراعًا قصيرًا وحاسمًا حول تايوان، فإن الحروب الحقيقية تميل إلى التحول إلى وقائع شاملة تفرض منطقها الخاص.
وقد يتطور الصراع مع كوريا الشمالية، بدوره، ذات يوم إلى حرب متوسطة الحجم. وتفتقر هذه الدولة إلى أي منظمات اجتماعية يُعتدّ بها، حيث لا وجود فيها لعناصر مجتمع مدني، مما يعني أن أي نزاع يهدد بإسقاط النظام يهدد أيضًا بإطلاق فوضى داخلية عارمة. ومن المرجّح أن تعقب هذه الفوضى دعوات إلى تدخل دولي (وتحديدًا من الولايات المتحدة)، وربما حتى إلى مشاريع بناء ديمقراطي، في حين قد تجد بقايا قوات الأمن التابعة للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون نفسها وهي تتقاتل فيما بينها في حرب أهلية قد لا تمتلك فيها القوى العالمية الأخرى خيارات جيدة بشأن الطرف الذي ينبغي دعمه.
دوامات قاتلة
تعهد ترامب بإنهاء "الحروب الأبدية"، لكنه وجد نفسه- بفعل تبني خطابٍ فضفاض، وتخطيطٍ ضعيف، وغياب الانضباط في السياسات، فضلًا عن الأخطاء وسوء التقدير التي يقع فيها أي قائد في عالم مضطرب- وهو يسير متخبطًا نحو حروب جديدة. صحيح أن إدارته لم تُشرك أعدادًا كبيرة من القوات البرية ضمن أسطولها الجوي والبحري الضخم المنتشر ضد إيران، لكن الانزلاق التدريجي يشكّل معضلة خطيرة. إذا ما اندلعت حرب أهلية، أو ما يشبهها، في إيران، فقد تجد الإدارة نفسها مضطرة إلى إرسال قوات خاصة ومستشارين لدعم أحد الأطراف. ومن هناك تبدأ مخاطر التصعيد في التفاقم بإيقاع متسارع. وقد سبق وأن استغرقت حرب فيتنام سنوات حتى تحولت إلى حرب متوسطة الحجم، امتدت عبر كامل إدارة كينيدي وبداية إدارة جونسون. وقد يسير الوضع في إيران على مسار مشابه.
وليست إيران وحدها هي التي قد يخرج فيها الصراع عن السيطرة خلال فترة حكم ترامب. تخاطر الإدارة أيضًا بالانخراط في حرب مع كارتلات المخدرات في المكسيك، التي صنّفها ترامب رسميًا منظمات إرهابية. وستحمل أي مواجهة عسكرية مع هذه الكارتلات كل السمات التي تميز حربًا غير نظامية طويلة ومرهقة، يصعب فيها تحديد مواقع العدو، ويكاد يكون من المستحيل القضاء عليه نهائيًا. كما أن العمل العسكري الذي قامت به إدارة ترامب لإزاحة الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، وضرباتها الصاروخية في نيجيريا، تشكل أمثلة إضافية على صراعات تتسم أوضاعها الداخلية بقدر كبير من الغموض وعدم القابلية للتنبؤ، على غرار ما كان عليه الوضع في العراق في العام 2003. ربما تتحول فنزويلا ما بعد مادورو في نهاية المطاف إلى ديمقراطية مستقرة وفاعلة، لكنها قد تنزلق أيضًا إلى الفوضى. وفي نيجيريا، يبدو أن إدارة ترامب لا تدرك أن الهجمات الداخلية على المسيحيين هي جزء من تفكيك بطيء ومعقد للدولة النيجيرية نفسها، خاصة في المناطق النائية، وهو تفكيك يحمل في طياته إمكانية التصعيد إلى حرب أوسع نطاقًا.
من العلامات التحذيرية التي تشير إلى احتمال تحوّل حرب صغيرة أو عملية عسكرية إلى حرب متوسطة الحجم، الإفراط في الحديث عن الجغرافيا السياسية، مقابل نقص الاهتمام بالظروف الثقافية والسياسية المحلية. وقد جادلت المؤرخة باربرا توكمان بأن الولايات المتحدة كانت ستؤدي أداءً أفضل بكثير في فيتنام لو أنها فكّرت بدرجة أقل بمنطق الجغرافيا السياسية، وبدرجة أكبر بمنطق الواقع المحلي. وقد حدثت أكبر الإخفاقات في السياسة الخارجية الأميركية لأن صانعي القرار انشغلوا بعواقب إقليمية وعالمية لم يكونوا قادرين على إدارتها بشكل صحيح، متجاهلين في الوقت نفسه الظروف الحاسمة على الأرض. في فيتنام، تجاهل القادة الأميركيون تاريخ وطبيعة القومية الفيتنامية؛ وفي العراق، كان العامل الحاسم هو الطائفية. وقد دعت توكمان القادة إلى الوثوق بالخبراء المتخصصين في المناطق أكثر من اعتمادهم على منظّري الإستراتيجيات الكبرى أو دعاة نشر الديمقراطية. وكما لاحظت، فإن المعرفة الثقافية العميقة والمحددة ستكون أكثر فائدة بكثير من المؤشرات المجردة والخطط الغامضة.
غالبًا ما تنشأ الحروب متوسطة الحجم من سوء فهم لطبيعة المكان الذي يُراد للتدخل أن يساعده. وبذلك، يمكن المفتاح في أن تدرك الدولة المتدخلة بدقة ما الذي تُقدِم عليه. وقد يبدو هذا مسعى سهلًا، لكنه قد يكون في الحقيقة أصعب جوانب صنع السياسات على الإطلاق. إن إثارة المسائل الثقافية والفوارق المحلية هي شأن بالغ الحساسية لأنه قد يُساء فهمه بسهولة بوصفه تحيزًا، مما يدفع كثيرين إلى تجنب النقاشات الحاسمة حول الواقع على الأرض. لكنّ مثل هذه النقاشات هي التي يمكن أن تُبقي القوة العظمى بعيدة عن الوقوع في المآزق. وقد حذّر خبراء الصين في وزارة الخارجية الأميركية من سيطرة الشيوعيين على البرّ الرئيسي الصيني قبل وقوعها بسنوات- في العام 1949. وكان للفشل في تقبّل تلك الحقيقة والتعامل المبكر مع النظام الشيوعي- على قسوته- دورٌ في الجهود الأميركية اللاحقة لاحتواء الشيوعية في كلٍّ من كوريا وفيتنام. كما أن خبراء الشرق الأوسط في وزارة الخارجية، المطلعين على الثقافة المحلية والظروف الميدانية، حذّروا من الانخراط العسكري الأميركي في العراق في العام 2003.
طرق وعرة
ثمة دائمًا في مثل هذه الحالات خطر فكرة "الشرف الزائف" -الاندفاع إلى الرد بعنف على جرح الكرامة- وهو نزوع لازم القوى الكبرى والصغرى على حد سواء منذ فجر التاريخ. وقد حدّد المؤرخ اليوناني ثيوسيديديس "الشرف" بوصفه أحد أسباب الصراع بين الدول. وفي عالمٍ عنيف ومضطرب كعالم اليوم، قد تُمسّ كرامة الدول أحيانًا- كما في حالات احتجاز رهائن أو حصار سفارة في بلدٍ تمزقه الحرب. وفي مثل هذه الظروف، يجد القادة أنفسهم في كثير من الأحيان أمام إغراء بالتدخل بالقوة. ويُظهر ترامب نزعة خطرة إلى الرد على الإهانات الشخصية، وهو ما قد يقود إلى ردود فعل عسكرية مفرطة.
يستطيع الخطاب التصعيدي المشحون بالعاطفة أن يدفع الحروب الصغيرة إلى التحول إلى حروب متوسطة الحجم. في آذار (مارس) 2004، على سبيل المثال، قُتل أربعة متعاقدين أميركيين، وأُحرقت جثثهم وعُلّقت على جسر في الفلوجة غرب العراق. وكانت الفلوجة قد اكتسبت سمعة باعتبارها معادية بشدة للاحتلال العسكري الأميركي، وكان ضباط مشاة البحرية قد أوصوا بتطويق المدينة نظرًا لعدم وجود ضرورة تكتيكية لاحتلالها أو إدارتها. لكنّ كبار المسؤولين في الجيش الأميركي وإدارة جورج دبليو بوش رأوا أن الفلوجة يجب أن تُلقَّن درسًا لأن "الشرف الأميركي" قد أُهين. وقد أسفر احتلال المدينة لاحقًا عن سقوط عشرات القتلى من مشاة البحرية، وتبع ذلك سقوط أعداد أكبر في معركة ثانية في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه. ويُثبت مسار الأحداث في الفلوجة أن القوة كلما عظمت، ازدادت حاجتها إلى ضبط النفس. وعادة ما يبدأ تجنب نشوب الحروب الصغيرة - بل وحتى متوسطة الحجم- من هذا النوع من الانضباط.
تتميز العمليات البرية بالخطورة بشكل خاص، لأنها يمكن أن تتحول سريعًا إلى مستنقعات استنزاف. في جميع عملياته العسكرية حتى الآن- في نيجيريا وفنزويلا وإيران- اعتمد ترامب تقريبًا على القدرات الجوية والبحرية فحسب- وهو أمر إيجابي. وينبغي للولايات المتحدة أن تكون حذرة على وجه الخصوص من الانخراط البري في نصف الكرة الشرقي، حيث خاضت جميع حروبها متوسطة الحجم منذ الحرب العالمية الثانية. ولا يعود ذلك إلى التحديات التي تفرضها المسافات الشاسعة فقط، وإنما يعود أيضًا إلى أن جودة الاستخبارات الأميركية في تلك المناطق كانت بشكل عام أضعف مما هي عليه في محيطها القريب (ولو أن ذلك لا يمنع وقوعها في مشكلات غير ضرورية حتى هناك). كان وزير الدفاع الأميركي الأسبق، دونالد رامسفيلد، قد تصوّر العراق باعتباره نسخة أخرى من بنما- حيث يمكن تنفيذ دخول سريع وخروج سهل خلال أسابيع أو أشهر، وبقوات محدودة. لكنّ مستوى المعلومات الاستخبارية الأميركية عن بنما كان يفوق بما لا يُقاس ما كان متوافرًا عن العراق، فضلًا عن أن العراق بلد أكبر بكثير. ولم يستمع رامسفيلد وإدارة جورج دبليو بوش لنصيحة توكمان بوضع الثقة في خبراء المناطق الذين حذّروا من التدخل، كما أنهما افتقرتا إلى خطة كافية وواقعية لمرحلة ما بعد الغزو. وكانت النتيجة حربًا متوسطة الحجم وباهظة الكلفة.
ينبغي أن يترافق أي عمل عسكري أميركي، مهما بدا صغيرًا، مع تصور كامل ومتكامل لليوم التالي، والذي يجري تحديثه باستمرار بما يضمن دمج خبرات المتخصصين في المناطق ضمن عملية صنع القرار في السياسة الخارجية.
خلال فترة تولّيه رئاسة هيئة الأركان المشتركة في السنوات الأولى التي أعقبت الحرب الباردة، جادل كولن باول، الذي شغل لاحقًا منصب وزير الخارجية الأميركي، بأن الولايات المتحدة لا يجب أن تنخرط في حرب ما لم تمتلك قوة ساحقة، وإستراتيجية خروج واضحة، ومصلحة وطنية حيوية، وهدفًا محددًا، ودعمًا واسعًا. وقد عُرفت هذه الفكرة باسم "عقيدة باول"، لكنها هُمّشت إلى حد كبير في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، ما تزال هذه الفكرة تحتفظ بوجاهتها. وربما لم يكن الهدف الأسمى لهذه العقيدة يتعلق بتجنّب الهزيمة فحسب، بل بتجنّب خوض الحروب متوسطة الحجم. وبالنسبة لقوة عظمى مثل الولايات المتحدة، يعني تجنّب هذا النوع من الحروب توخي الحذر الشديد إزاء الحروب الصغيرة التي تنخرط فيها.
كانت الإمبراطوريات والقوى الكبرى التي عُمّرت وكان بقاؤها أطول هي تلك التي تجنبت الانخراط في الحروب متوسطة الحجم. وعلى سبيل المثال، استمرت الإمبراطورية البيزنطية لأكثر من ألف عام لأنها بذلت كل ما في وسعها لتفادي خوض الحروب المفتوحة. ومع احتفال الولايات المتحدة بمرور 250 عامًا على تأسيسها، فإنها تواجه في الوقت نفسه سلسلة من الصراعات المتصاعدة. وإذا لم تتمكن من تجنب الوقوع في شرك الحروب متوسطة الحجم التي أثقلت كاهلها في الماضي، فقد ينشأ انقسام قاتل بين الرأي العام ونخبتها الحاكمة. وقد لا تكون آثار هذا الانقسام فورية، لكن مثل هذه التصدعات هي الكيفية التي تموت بها الجمهوريات، ببطء.
*روبرت د. كابلان Robert D. Kaplan: كاتب وصحفي ومحلل جيوسياسي أميركي بارز، ويعد من أبرز الأصوات في تحليل العلاقات الدولية والإستراتيجية العالمية. عمل مراسلًا في مناطق عديدة من العالم، خاصة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا، وكتب لعدد من أهم المجلات مثل "ذا أتلانتيك". يشغل منصب محاضر أول متميز في جامعة تكساس في أوستن، وهو زميل في عدة مراكز بحثية. عُرف كابلان بكتاباته التي تمزج بين السرد الميداني والتحليل الجغرافي-السياسي، ومن أشهر مؤلفاته كتب "انتقام الجغرافيا" The Revenge of Geography؛ و"أشباح البلقان" Balkan Ghosts؛ و"الفوضوية القادمة" The Coming Anarchy؛ و"أرض الخراب: عالم في أزمة دائمة" Waste Land: A World in Permanent Crisis. تركز أعماله على دور الجغرافيا والتاريخ والثقافة في تشكيل السياسات الدولية، وغالبًا ما يُنظر إليه كأحد منظّري الواقعية الجيوسياسية في الفكر الأميركي المعاصر.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Curse of Middle-Sized Wars