عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2026

الجنوب العالمي يكتب روايته بنفسه*فراس النعسان

 الدستور

قال لي صديقي الصحفي الصيني في وكالة أنباء شينخوا، ونحن نتبادل الحديث على هامش منتدى الإعلام ومراكز الفكر للجنوب العالمي في القاهرة: «العالم تغيّر كثيراً، لكن المشكلة أن من يكتب قصته ما زال هو نفسه».
 
توقفت عند الجملة طويلاً. لأنها تختصر شيئاً كبيراً يحدث الآن بهدوء في هذا الجزء من العالم. فالقضية لم تعد اقتصادية فقط، ولا سياسية فقط، بل قضية من يمتلك حق تعريف العالم، ومن يشرح أزماته، ومن يحدد أولوياته، ومن يتحدث باسم شعوبه.
 
نا في القاهرة، لا يبدو المنتدى اجتماعاً تقليدياً بين إعلاميين وباحثين وصنّاع سياسات، بل مساحة تتشكل فيها ملامح مرحلة دولية جديدة. عشرات الأصوات القادمة من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تجلس حول الطاولة نفسها، ليس لتكرار الخطابات القديمة، بل لمحاولة بناء فهم مختلف لعالم يتغير بسرعة ويزداد اضطراباً كل يوم.
 
الجنوب العالمي لم يعد يريد البقاء داخل الصورة التي رسمها له الآخرون لعقود طويلة. تلك الصورة التي اختزلته في الفقر والحروب والانقلابات والمجاعات والهجرة. هناك اليوم رغبة واضحة في تقديم رواية أخرى؛ رواية تتحدث عن التنمية والتكنولوجيا والأسواق الصاعدة والطاقة والموارد البشرية والقدرة على التأثير.
 
الصين تبدو الأكثر فهماً لهذه اللحظة. فهي لا تنظر إلى هذه الجغرافيا باعتبارها مناطق نفوذ تقليدية فقط، بل باعتبارها مركز الثقل القادم في الاقتصاد والسياسة وحتى الإعلام. بكين تدرك أن غالبية سكان العالم يعيشون هنا، وأن التحولات الكبرى خلال العقود المقبلة ستخرج من هذه المساحات التي ظلت طويلاً بعيدة عن مركز القرار الدولي.
 
ولهذا السبب، فإن اهتمام الصين ببناء شراكات إعلامية وفكرية مع دول الجنوب ليس تفصيلاً ثانوياً. هي تعرف أن النفوذ لا يُقاس بعدد السفن والطائرات فقط، بل أيضاً بالقدرة على خلق سردية مشتركة بين الشعوب. فالذي يمتلك الرواية يمتلك جزءاً كبيراً من القوة.
 
من الواضح أن بكين تتعامل بذكاء مختلف عن القوى التقليدية. لا تدخل بخطاب فوقي، ولا بلغة الوصاية السياسية التي أرهقت كثيراً من الدول النامية، بل تعتمد على المصالح المشتركة، وعلى فكرة أن العالم لا يجب أن يبقى محتكراً من طرف واحد. وربما لهذا السبب تحديداً تجد الصين قبولاً متزايداً داخل إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
 
في افتتاح جلسات المنتدى داخل مقر الجامعة العربية، كان لافتاً أن النقاشات تجاوزت السياسة بمعناها الضيق. الحديث يدور عن الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، والإعلام الجديد، والتعاون المعرفي. وهذا بحد ذاته مؤشر مهم؛ لأن الجنوب العالمي لم يعد يفكر فقط في كيفية النجاة من الأزمات، بل في كيفية المشاركة بصناعة المستقبل نفسه.
 
الأهم أن هناك إدراكاً متزايداً بأن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل جزء من تشكيل التوازنات الدولية. لعقود طويلة، كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى في الغرب تحدد كيف يرى العالم نفسه. أما اليوم، فهناك محاولة جادة لبناء منصات جديدة، وأصوات جديدة، ورؤية أقل انحيازاً لمصالح القوى التقليدية.
 
القاهرة تبدو مكاناً مناسباً لهذا النقاش. مدينة تحمل تاريخاً طويلاً من التأثير السياسي والثقافي، وتقف عند نقطة التقاء بين العرب وإفريقيا وآسيا. وربما لهذا تشعر هنا أن العالم القديم يفقد شيئاً من احتكاره المعتاد، بينما تحاول قوى صاعدة أن تجد موقعها بثقة أكبر.
 
ما يحدث في هذا المنتدى يتجاوز الصور التذكارية والكلمات الدبلوماسية. إنه انعكاس لتحول أعمق بكثير؛ عالم لم يعد يقبل بأن تُكتب قصته من زاوية واحدة فقط. وربما لهذا بقيت جملة صديقي الصيني تدور في رأسي طوال الوقت: المشكلة ليست أن العالم تغيّر بل أن من يروي حكايته لم يتغيّر بعد.