كفى حروباً. الخليج يختار الدبلوماسية*إسماعيل الشريف
الدستور
أي منظومة لأمن الخليج لا تشمل إيران هي منظومة غير مستقرة - بدر البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني.
شهدت الأسابيع الماضية نشاطًا ملحوظًا للدبلوماسية الخليجية، تجلّى في لقاءات بين الرئيس الإيراني وأمير قطر والرئيس الروسي، بالتوازي مع محادثات في طهران جمعت مسؤولين رفيعي المستوى من السعودية الشقيقة وتركيا وإيران. وتعكس هذه التحركات إدراكًا متزايدًا لدى دول الخليج بأن حماية مصالحها تقتضي دورًا أكثر استقلالًا في إدارة أمن المنطقة وعلاقاتها.
فقد خلصت دول الخليج إلى جملة من الحقائق، أولها أن الولايات المتحدة لا تستطيع توفير الحماية الكافية لها، وأن عليها أن تتولى حماية منشآتها النفطية وبناها التحتية، وضمان أمن الملاحة، والحد من التهديدات المرتبطة بحلفاء إيران الإقليميين، وتهيئة الاستقرار الذي تحتاج إليه مشروعات التنويع الاقتصادي لتنجح.
وتنطلق هذه المقاربة من حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاوزها: دول الخليج وإيران باقية في هذه المنطقة، ولا مفرّ من التعايش بينها، وإدارة الخلاف أجدى لشعوبها من المواجهة المباشرة. ومن هنا، تكتسب هذه اللقاءات دلالتها بوصفها توجّهًا نحو تعزيز استقلال القرار الخليجي، وتنويع التحالفات، وتقليل الارتهان لقرارات الدول الكبرى.
وقد عبّر وزير الخارجية العُماني عن هذا التوجّه حين اقترح إعلان اتفاق أمني يشمل دول الخليج وإيران والعراق، مؤكدًا أن مثل هذا الاتفاق يخدم مصالح المنطقة على نحو أفضل من استمرار القوى الخارجية في تقديم إيران بوصفها تهديدًا بالدرجة الأولى. ومع ذلك، لا تزال الخلافات بشأن اليمن ولبنان والممرات البحرية قائمة؛ فما تغيّر ليس وجود الخلاف، بل تنامي الإدراك بأن الدبلوماسية هي السبيل إلى حلّه، بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وتتباين نظرة دول الخليج وحلفاء إيران إلى طهران تبعًا لمصالح كل طرف وحساباته؛ فترى فيها موسكو شريكًا يواجه العقوبات وقوةً موازِنةً في الشرق الأوسط، فيما توازن قطر الشقيقة بين دورها وسيطًا ودورها مُصدِّرًا للغاز. أما الصين، فتسعى إلى ضمان استقرار إمدادات الطاقة وسلامة طرقها التجارية، وتفضّل مسارًا يُجنّب المنطقة مواجهة عسكرية مفتوحة؛ لذا تدين التحركات العسكرية الأمريكية وترفض العقوبات الأحادية. وتحرص باكستان على موازنة علاقاتها مع السعودية وإيران، بينما ترى السعودية الشقيقة في استقرار المنطقة شرطًا للمضيّ في خططها الاقتصادية ومشروعاتها العملاقة.
وعلى اختلاف هذه المصالح، لا يسعى أيٌّ من هذه الأطراف إلى تشكيل تكتّل مع إيران؛ بل تلتقي جميعها عند تفضيل صراع يمكن إدارته على حرب تُربك أسواق الطاقة، وتُهدّد الملاحة، وتُقوّض مناخ الاستثمار. فالمصلحة المشتركة هنا هي احتواء المخاطر ومنع الخلافات من الانفجار.
وفي هذا السياق، أختلف مع المحللين الذين يرون في استبعاد الولايات المتحدة من هذه التحركات الدبلوماسية دليلًا على عزلتها؛ ففي هذا التقدير شيء من المبالغة، إذ لا تزال تحتفظ بوجود عسكري كبير، وتُبرم صفقات أسلحة مع دول المنطقة. ومع ذلك، فإن دورها يتراجع بلا شك، فيما تسعى دول المنطقة إلى امتلاك زمام قرارها، وتوجيه رسالة واضحة إلى واشنطن: كفى حروبًا.