عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Apr-2026

الإقليم بتوقيت عمّان*هزاع البراري

 الراي 

ليس خيارًا ترفيهيًا متاحًا أن يحظى الأردن بسياسة النأي الاستراتيجي، لا لكونه في اشتباك تزاحمي دائم بحثًا عن دور أو تأثير أو مطمع، ولكن واقعًا جيوسياسيًا معقدًا مفروضًا جعل من الأردن بؤرة لا حافة، ومركزًا لا من الأطراف البعيدة، وهذا فرض تحديات تتجدد في كل مرحلة، وصعوبات دائمة الحضور. ففي عمّان يحضر الإقليم بكامل عقده ومشكلاته المزمنة، ليلقي بظلاله على سير الحياة ومسيرة التنمية وعلى طبائع الناس، لكنه في الوقت نفسه جعل من الأردن صلب العود وقوي القواعد، فصار ملجأً ومتكأً وقلعة أخيرة من قلاع الأمة الحصينة. ولعل كل ذلك منح القرار السياسي الأردني وعيًا عميقًا بمآلات الأمور، وتنبؤًا مبكرًا بمخاطر أي مغامرة عسكرية تسعى إلى خلخلة التوازن وإعادة بناء غير طبيعية للمنطقة، تفرض منطق القوة والنفوذ سواء من الشرق أو الغرب. وهذا الفهم الممتزج بالإرادة السياسية والإرث القيمي والتاريخي حرم الأردن من التمتع بما يتمتع به كبار في الإقليم من النأي الاستراتيجي، مغلبين المصلحة الذاتية على الواجب العام.
جلالة الملك، وفي لحظة حرجة إقليميًا وضمن مخاطر عسكرية واضحة العيان، جابت طائرته أجواء الإقليم الملتهب ليكون حاضرًا شخصًا وموقفًا وبلدًا مع دول عربية خليجية شقيقة تتعرض لما يتعرض له الأردن من اعتداءات سافرة وممنهجة استهدفت أمنها وأمانها وبنيتها التحتية والاقتصادية. وفي كشف فج عمّا كان يضمر للعرب من مكائد واستهدافات ظهرت من خلال ميليشيات وأذرع مسلحة منسلخة عن مجتمعاتها وبيئاتها، بالإضافة إلى خلايا سرية عميلة، وصولًا إلى حرب مباشرة وعنجهية في تحدٍ للقانون الدولي والأعراف العالمية. نعم، الأردن مستهدف منذ عقود لصلابة مواقفه وعدم رضوخه لتهديدات أو قبوله إملاءات تُفرض عليه من الخارج، وإن تبنتها مكونات سياسية ناشزة تدين للخارج ولأجنداته وتلهج بصوته وشعاراته الرنانة في الداخل، بغية مكاسب فصائلية على حساب الوطن ومصالحه وقضاياه العادلة. لكن كلما اشتدت الصعاب وأدلهمت الخطوب تعرّت هذه المكونات وكُشفت أمام الأردنيين، ونُبذت مثل وباء ليس له سوى الحجر والنفور.
 
اليوم يحضر الإقليم بكل ما فيه، يحضر بتوقيت عمّان التي رأت قبل حدوث الحدث، وحذرت قبل وقوع ما وقع. يحضر الإقليم لأنه لا معبر له نحو أفق المخرج الكبير لهذا الحاصل المزمن إلا من خلال الأردن أو بحضوره، بل وبتعميق دوره والأخذ برؤاه. فقد مر زمن ظن من ظن أنه امتلك الطريق، وأنه يعرف خيوط المتاهة، فغُرِّر به واستُعمل لغير هدفه الأسمى، لكن اليوم انقشع الضباب فجأة وتوضحت الرؤية، فلا رمل يدس فيه النعام رأسه. فذلك الهلال الذي حذرنا منه منذ زمن، وتلك الميليشيات التي جابهناها طويلًا على الحدود وفي بعض خلايا الداخل، كلها وأكثر تكشف حجم المؤامرة الإقليمية وخطورة استهداف الأمة في قلبها، من خلال مشاريع الهيمنة الكبيرة، التي كان فيها الأردن كاسرًا للحلقة وقاطعًا الطريق على الطامع لتحقيق مطامعه، ما جعله دومًا في مرمى مؤامراتها ونواياها الخبيثة وهدفًا لخططها السوداء. لكن نجاعة مؤسساته الأمنية وصلابة موقفه العسكري وتماسك لحمته الاجتماعية وحكمة قيادته جعلته في منجاة من مكرهم، وشوكة سامة في حلوقهم الناعقة بالتحريض والخراب.
 
عمّان اليوم، وهي تتحرك في العالم والإقليم بفضل قيادتها المبصرة، تعي تمامًا أننا نملك مفاتيح الحل، وأننا الأقدر على بناء منظومة الشراكة العربية–العربية والعربية–الإقليمية من جديد. وأن هذه الجهود إن صدقت النوايا وتوحدت الاتجاهات ستجعل العرب أكثر تماسكًا وقوة، وسيُعاد ضبط التوقيت في الإقليم على توقيت عمّان، فهو سبيل قويم لتأسيس مستقبل جديد للشرق العربي، خاصة في ظل نكوص الجامعة العربية وعجزها عن تقديم الإسناد المطلوب في هذا الظرف الدقيق.