عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Feb-2026

وثائق تكشف كيف رسم علي مملوك خطة لتضليل التحقيق الدولي باغتيال الحريري

 

درج
 
وُجِهت أصابع الاتهام باغتيال رفيق الحريري إلى النظام السوري وحلفائه، وتكشف وثائق من المخابرات السورية أطلع على نسخ رقمية منها “درج” و”الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” و”زمان الوصل”، عن الخطة الإعلامية التي وضعت لمواجهة الاتهامات، التي أشرف عليها علي مملوك الذي وصف وسائل الإعلام السورية حينها بأنها “في حالة غيبوبة حيال الحدث” الذي يتمثل في أن لجنة التحقيق قد تصل إلى أدلة تثبت تورط سوريا.
 
أعدّ التحقيق: محمد بسيكي ومودة بحاح وأحمد حاج حمدو (سراج)، عمار المأمون ونوار جبور (درج). 
 
صباح 14 شباط/ فبراير 2005، انفجر في بيروت نحو طنّين من مادة الـ “تي أن تي”. استهدف الانفجار الذي ترك حفرة وسط العاصمة اللبنانية، موكب رئيس وزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، الذي قضى يومها و22 شخصاً. هذا الاغتيال فتح صفحة جديدة من تاريخ لبنان والعلاقات السورية-اللبنانية، وأفضى إلى انسحاب الجيش السوري التابع للأسد من لبنان في 30 نيسان/ أبريل 2005 بعد عقود من  نفوذ وسيطرة سورية أمنية وسياسية على لبنان.
 
وُجهت أصابع الاتهام حينها إلى النظام السوري وحلفائه، ولاحقاً وبعد مسار قضائي استمر لسنوات، أدانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان القيادي في حزب الله سليم عياش بالجريمة من دون توجيه الاتهام الى حزب الله أو النظام السوري لعدم كفاية الأدلة.
 
 
(الصورة: موقع الانفجار الذي استهدف موكب رفيق الحريري، المصدر: BBC)
اليوم وبعد مرور عقدين على الجريمة وسقوط النظام السوري، المتهم الأول في تدبير الاغتيال، تكشف وثائق من المخابرات السورية اطلع على نسخ رقمية منها “درج” و”الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” و”زمان الوصل”، عن الخطة الإعلامية التي وُضعت لمواجهة الاتهامات. 
 
بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، أرسل علي مملوك، مدير إدارة المخابرات العامة حينها، إلى بشار الأسد مذكرة اطلاع، واصفاً فيها وسائل الإعلام السورية بأنها “في حالة غيبوبة حيال الحدث” الذي يتمثل في أن لجنة التحقيق قد تصل إلى أدلة تثبت تورّط سوريا.
 
 
الانتقادات التي وجهها مملوك الى الإعلام السوري تلاها تنسيق أمني للتلاعب وبث معلومات مختلفة تشتّت التحقيق. إذ تكشف الوثائق المخابراتية عن ملخص لقاء اللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق في اغتيال الحريري مع ضباط أمنيين سوريين. ووصفت مذكرة ضمنها سلوك هؤلاء الضباط بأنهم منفتحون “على التعاون وكان تصرفهم عفوياً ومسؤولاً وجدياً ولم يظهر بأن الإجابات كانت منسقة سلفاً رغم التنسيق والتوجيهات المسبقة”.
 
 
من هو علي مملوك ؟
ليس واضحاً بدقة ما المقصود بـ”التنسيق والتوجيهات المسبقة”، لكن المعروف أن علي مملوك أخبر بشار الأسد عام 2006، عن لقاء بين الجانب السوري ولجنة التحقيق، وفيه اقترح على اللجنة طرح “احتمال ثالث لتفجير موكب الحريري من الجو”. وهو الاحتمال الذي طرحه لاحقاً بصورة مواربة وزير الدفاع آنذاك، العماد مصطفى طلاس، ثم بوضوح أمين عام حزب الله وقتها حسن نصر الله: اتهام إسرائيل وأميركا بالوقوف وراء الاغتيال.
 
يقول طالب قاضي أمين، شغل منصب معاون وزير الإعلام بين 2002 و2008: “ليس علي مملوك وحده من كان يقول هذا الكلام حول كفاءة الإعلام السوري، حتى رأس النظام حينها، حين سؤاله إن كان يتابع التلفزيون السوري يؤكد أنه لا يتابع الإعلام، فهو يعرف ما ستبثّه الوسائل الإعلامية”.
 
النظام السوري وتدويل اغتيال الحريري 
بعد اغتيال رفيق الحريري، تسارعت الأحداث المحلّية والدوليّة. إذ أعلنت الأمم المتحدة في 7 نيسان/ أبريل 2005 عن “لجنة تحقيق دولية مستقلة” تطبيقاً لقرار مجلس الأمن رقم  1595. ومع تشكيل هذه اللجنة التي تولى رئاستها الألماني ديتليف ميليس، انتقل الملف السياسي والجنائي إلى مسار أممي، بالتزامن مع انسحاب الجيش السوري من لبنان.
 
وجهّ تقرير اللجنة الأول اتهامات الى سوريا بخلخلة الأمن في لبنان والتدخل في الحكم، وأن الحكومة السورية “تتحمل المسؤولية الرئيسـية عن التوتر السياسي الذي سبق اغتيال رئيس الوزراء السابق السيد الحريري”، كما ذكر التقرير كيف هدد بشار الأسد رفيق الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، بـ”الإيذاء الجسدي” في حال لم يوافقا على تمديد ولاية الرئيس إميل لحود، وذلك في اجتماع عام 2004 بين الحريري والأسد في دمشق  استمر 10 دقائق. بينما جاء في تقرير اللجنة عام 2008، أن اللجنة “تؤكد بنـاء علـى الأدلة المتاحة، أن شبكة مـن الأفراد دبرت في ما بينها لتنفيذ عملية اغتيال رفيق الحريري”. وأضاف التقرير أن اللجنة “تعرب عن تقديرها لما اتخذته السلطات السورية من ترتيبات لوجستية وأمنية… وبوجه عام تواصل السلطات السورية تعاونها بصورة مرضية”.
 
شهد لبنان في تلك الحقبة ترجمة عملية لتلك الاستراتيجية، فتولت وسائل إعلام مقربة من حزب الله ومن النظام السوري السابق حملة ترويج لفكرة وقوف جماعات تنتمي إلى تنظيم “القاعدة” وراء الاغتيال، سبقتها قصة الفيديو الذي “أُرسل” إلى الصحافي غسان بن جدو، وكان في حينها مديراً لمكتب “الجزيرة”، فيما يشغل الآن منصب مدير قناة “الميادين”.
 
ظهر في الفيديو المدعو أحمد أبو عدس معلناً مسؤوليته عن الاغتيال، في محاولة لاعتبار أن الاغتيال نفذته تنظيمات متشددة. ولاحقاً، تحولت الرواية إلى اتهام لإسرائيل وأميركا، وتوجت هذه السردية بمؤتمر صحافي للأمين العام لحزب الله الراحل حسن نصرالله شرح فيه تفاصيل ما يعتقد أنه دور إسرائيل في عملية الاغتيال.  
 
نشاط استخباراتي -إعلامي سوري
بتاريخ 7 أيلول/ سبتمبر 2005، أرسلت مذكرة اطلاع من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، بخصوص مشاركة (س. ت) وهو عضو سابق في مجلس الشعب، ورئيس مركز أبحاث (تحول لاحقاً إلى معارض مقيم في الإمارات العربية المتحدة) قبل أيام من تاريخ البرقية، في مؤتمر حول “أمن الخليج وأمن الشرق الأوسط”. وقد نقل فيها (س. ت) على لسان (ر. ض) مجريات اجتماع حضره الأخير، كان فيه هيرمان بيرشنر، مدير المعهد الأميركي للعلاقات الخارجية، وعضو الفريق المفاوض الذي قدم إلى سوريا أخيراً. 
 
في ذاك الاجتماع الذي حصل في باريس، حضرت الخارجية الفرنسية، ومندوب الاتحاد الأوروبي، ووزارتا الخارجية البريطانية والأميركية، وفيه قال ميليس، حسب الوثيقة، إنه “توصل إلى أدلة ترجح بشكل قوي تورط مسؤولين سوريين في عملية اغتيال الحريري”.
 
هذا الإعلان من المحقق الدولي وإشارته الواضحة الى تورط النظام السوري، دفعا الأخير الى التحرك ودق ناقوس الخطر، والعمل في أكثر من اتجاه على الصعيد السياسي والدبلوماسي والإعلامي والأمني، وذلك استعداداً للمواجهة، على ما تكشفه وثائق حصرية اطلع على نسخ رقمية منها فريق الصحافيين العاملين على هذا التحقيق. 
 
بعد أسبوع من تصريح ميليس، أرسلت إدارة المخابرات العامة إلى بشار الأسد مسودة مذكرة التفاهم بين سوريا والأمم المتحدة حول اغتيال الحريري، والقرار 1595، وفي تاريخ 10/09/2005، أرسلت مذكرة أخرى من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، حول “إدارة العملية الإعلامية خلال مهمة ميليس في دمشق”. وصفت البرقية حال وسائل الإعلام السورية بأنها “في حالة غيبوبة حيال الحدث”، وأنها “مرتبكة تجاه الحدث” ولا بد من “تدابير استثنائية في مجال التعاون بين الإعلام والأمن”، وذلك عبر  استمرار “التداول ضمن اللجنة الإعلامية الاستشارية في إدارة المخابرات”، والخطة الأولية أساسها تقديم حكاية سورية يسوّقها وزير الإعلام (كان حينها مهدي دخل الله)، عبر وسائل الإعلام، بأن هذه الرواية لا بد أن تكون مستندة إلى “معلومات ومعطيات ووقائع أمنية”.
 
 
صرّح حينها وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله لقناة الجزيرة واصفاً اتهام الأسد بالاغتيال بـ”إثارة للغرائز ومهاترة رخيصة”. واللافت أنه في الوثيقة ذاتها ضرب مثال مكتوب بخط اليد  عن” رواية محمد زهير صديق”، إذ قالت السلطات السورية لاحقاً، على لسان ابراهيم دراجي، الناطق باسم اللجنة القضائية السورية الخاصة بالتحقيق، إن تقرير اللجنة الدولية للتحقيق “انهار” و”سقط بالضربة القاضية”، في إشارة إلى شهادة الصديق وهسام هسام، أو”الشاهد المقنع”، الذي قال إنه قدم شهادة مزوّرة بعدما هرب إلى سوريا، وتحدث على التلفزيون السوري عن تعرضه للتعذيب والتخدير في لبنان.
 
تواصل فريق التحقيق مع الصحافية سميرة المسالمة، التي كانت تشغل آنذاك منصب مديرة تحرير جريدة “الاقتصادية” الخاصة، والتي أكدت أنه عند انتشار خبر الاغتيال، سادت حالة ارتباك واضحة في الوسط الإعلامي السوري، وانعكست في تأخر صدور التغطيات الأولى. وخلال وقت قصير، استقر الخطاب الإعلامي على توصيف الحريري بـ”الشهيد”، مع توجيه الاتهام إلى إسرائيل باعتبارها المستفيد الأول من العملية. 
 
تقول المسالمة إن “الخطاب الإعلامي حينها انتقل إلى مواجهة مباشرة لكل رأي سياسي أو إعلامي يطرح تساؤلات حول مسؤولية سورية محتملة أو يشير إلى توتر في العلاقة بين دمشق والحريري. أصبحت عملية الرد والتفنيد أولوية واضحة، وواجبة، تعطى لنا بالعناوين عبر الجهات المعنية في الصحف، وغلب الطابع الدفاعي والهجومي على التغطيات، مع توصيف هذه الآراء بأنها حملات سياسية تستهدف سوريا”. 
 
تضيف المسالمة: ” في 13 آذار/ مارس 2005، تم استدعائي برفقة محامٍ إلى أحد الفروع الأمنية. انتظرتُ في مكتب مدير مكتب رئيس الفرع، وخلال ذلك لاحظتُ مغادرة وفد يرتدي أفراده الزي الديني، وقيل لي إنهم يمثلون حزب الله. وكان يرافقهم شخص أعرفه معرفة شخصية هو “ي. ن”، والذي شغل لاحقاً منصب عضو مجلس الشعب…”.
 
تشير المسالمة لاحقاً إلى لقاء نظّمه المحامي عمران الزعبي (ِشغل لاحقاً منصب وزير الإعلام بين عامي 2012 و2016) مع هسام هسام، الشاهد الرئيسي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تقول المسالمة: “خلال اللقاء، لاحظت أن هسام هسام  كان دائمًا يهدد بمحاولة الهروب، وكان قد أنكر شهادته التي أدلى بها أمام اللجنة الدولية أكثر من ثلاث مرات أمام المحامي، وهو يقول له انت معصب طول بالك. خلال اللقاء كان هسام  في حالة غضب وانفعال شديدين، وقال لي نصًا: “إذا قلت الحقيقة ح أخرب البلد.”. تضيف المسالمة أنها سألت هسام هسام حين غاب الزعبي لدقائق أن يخبرها الحقيقة فرد قائلاً: “إذا عرفتيها بتموتي”.
 
الواضح أن الإعلام السوري لم يكن على مستوى المناسبة بحسب النظام، ففي 11/09/2005، أصدرت المخابرات العامة مذكرة إلى بشار الأسد بعنوان “حول مهمة ميليس وتداعياتها المحتملة- أفكار سياسية أولية حول الخطة الإعلامية المطلوبة”. تبدو هذه “الأفكار” استهدافاً لميليس نفسه بوصفه “يميل لإظهار موقف ودي في البداية…. ليقوم بضربات محددة تجمع بين ملامح النجاح الشخصي لمحقق جنائي وبين الضربة الإعلامية”، ولاحقاً التأكيد أنه “لم يتصرف بودّ وتفهّم تجاه سوريا”.
 
في 19 أيلول/ سبتمبر 2005، أي بعد تمديد فترة التحقيق، أرسل مكتب مدير المخابرات العامة حينها علي مملوك برقية الى بشار الأسد عن “مواجهة التحديات الإعلامية المحيطة بعمل لجنة التحقيق في اغتيال الحريري”، وذلك استعداداً لزيارة ميليس إلى دمشق، و”لتحقيق إعلام مواكب قادر على متابعة الحدث”.
 
 تقدم البرقية اقتراحات ليعمل الإعلام السوري بموجبها، وهدفها “الحرص على أن تكون المصادر السورية هي مصادر الأخبار عن التحقيق”. ومن ضمن التوصيات الاعتماد على المستوى “ِشبه الرسمي السوري”، كـ”الإعلام المعروف بعلاقاته مع سوريا” و”الإعلام غير المباشر العربي والعالمي”. والهدف، هو “عرض الموقف السياسي (السوري) … و”أبعاد المؤامرات الجارية” و”الحرص على عدم التشكيك في اللجنة ولا تجريح الشهود”. وأبرز ملامح “الخطاب الإعلامي” الذي جاء في التوصية هو استعراض “تخوّف سوريا من تسييس التحقيق”.
 
في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، أرسلت إدارة المخابرات العامة السورية برقيّة إلى رئيس سوريا حينها، بشار الأسد، يخبره فيها رئيس الإدارة علي مملوك، عن لقائه مع “َضباط ارتباط أمنيين” من “روسيا والجزائر وتركيا وإيطاليا”، والهدف، إيصال رسالة الى هذه الدول بأن سوريا تتعرض لـ”حملة إعلامية مغرضة” و”ألا علاقة لها بحادثة اغتيال الحريري”.
 
تضيف البرقية أن السلطات السورية “تعاونت مع لجنة التحقيق الدولية”، وتشير إلى اتهام سوريا عبر دليل هو “مجند فار من الجيش ومقيم في لبنان، يمتهن أعمال النصب والاحتيال ومتزوج من امرأة لبنانية هي قريبة اللبناني المعارض لسياسة سوريا”، النائب مروان حمادة، في إشارة هنا إلى محمد زهير الصديق.
 
بعدها بأيام، صرح ميليس بوضوح أنه من “الصعب تخيل حدوث عملية الاغتيال من دون علم المخابرات السورية”، و”أن السلطات السورية، وبعد تردد قصير، تعاونت بدرجة محدودة مع اللجنة، وحاول بعض الذين قابلتهم اللجنة تضليل التحقيق بتقديم معلومات زائفة أو غير دقيقة”، مشيراً حسب الأمم المتحدة إلى أن وزير الخارجية السوري فاروق الشرع “قدم معلومات غير صحيحة”.
 
إنتاج البروباغندا استخباراتياً
لتنسيق الجهود الاستخباراتيّة السابقة وضبط الحكاية الرسمية وأسلوب التعامل مع المتّهمين، أرسلت المخابرات العامة مذكرة اطلاع الى بشار الأسد، وهي رسالة بخط اليد من “هـ. م”، وهو فلسطيني سوري يقيم في لبنان يعمل في مجال الثقافة والسياسية ومناهضة الصهيونية، وسبق أن التقى بشار الأسد، مرسلة إلى “سيادة اللواء المناضل علي مملوك”، حولها لاحقاً إلى مذكرة اطلاع تُعرض على بشار الأسد بتاريخ 15/ 09/ 2005.
 
المذكرة اقترحت إعداد فيلم وثائقي  بالتعاون مع دار نشر ألمانية ومنظمة إعلامية بريطانية مستقلة، عن ميليس بعنوان “المحقق الدولي”، مدته 45 دقيقة، يُنجز في أقل من أسبوعين في حال أُرسلت التكلفة التي تبلغ نحو 20 ألف يورو عبر حوالة  إلى برلين، حيث سيجتمع مع بعض المشاركين في الفيلم، وتبلغ كلفة الإقامة نحو 5 إلى 6 آلاف دولار، لا علاقة لها بميزانية الفيلم.
 
تحوي الوثائق مخططاً لسيناريو الوثائقي، الذي لا يعمل كتحقيق أو كوسيلة إيضاح، بل كأداة لإعادة تأطير الحدث ضمن خريطة أعداء وأصدقاء. ويكشف السيناريو المُقدَّم لعلي مملوك عن إعادة إنتاج للسردية، لتنسجم مع منطق الجهاز الأمني بالاعتماد على مصادر أجنبية وحكايات استخباراتيّة، ليبدو وكأنه وسيلة “محايدة” لإنتاج سردية مختلفة، إذ يهدف الفيلم إلى الطعن بأسلوب عمل ميليس، وإظهار”عدم أهليته الحقوقية”، بناء على تقارير حقوقية تستهدف نشاط ميليس السابق وتتّهمه بـ”تسريب المعلومات” و”التلاعب بأقوال الشهود” في قضايا سابقة عمل عليها.
 
بعد أيام من رسالة (هـ. م)، أُرسلت مذكرة أخرى موجّهة من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، حول الفيلم، يلعب فيها (س. ت) الذي يقيم اليوم في الإمارات العربية، دوراً آخر. إذ ذهب إلى برلين والتقى “المسؤولين عن داري النشر” وقدم نفسه كعضو في منظمة (ه.م)، وأيضاً تكرر الحديث عن نزع المصداقية عن ميليس عبر إعادة النظر في القضايا السابقة التي عمل بها.
 
أرسلنا الى كل من (هـ. م) و(س. ت) أسئلة بخصوص ورود اسميهما في الوثائق والدور الذي لعباه في تلك الفترة، ولم نحصل على ردّ حتى لحظة نشر هذا التحقيق.
 
“جند الشام” والاحتمال الثالث!
بعد الاغتيال، بثت قناة الجزيرة تسجيلاً للمدعو “أحمد أبو عدس” يلقي فيه بياناً  باسم “جماعة النصرة والجهاد – بلاد الشام” يتبنى من خلاله العملية. هنا، بدأت أصابع الاتهام توجّه إلى الجماعات الإسلامية المتشددة. 
 
هذا التسجيل، الذي بثّ في 14/ 02/ 2005، بعد ساعات من اغتيال الحريري، ذو حكاية لافتة. إذ أجابت الجزيرة في رد على لجنة التحقيق :”إن مدير مكتب “الجزيرة” حينها في بيروت، غسان بن جدو، هو الذي تسلم الشريط، وقبل أن يتسلمه تم اتصلت به جهة مجهولة”. لاحقاً، أجرت جريدة السفير مقابلة مع شقيق أبو عدس، خالد، الذي قال بوضوح: “من حيث الشكل هو أخي أحمد ولكن من حيث المضمون وطريقة التعبير ولهجة الصوت، كان إنسانا مجهولاً غامضاً، غريباً عني، على الرغم من عيشنا المشترك في بيت واحد”. وأضاف: “أنا أجزم أن أخي أحمد تعرض لقوة خارجية فرضت عليه قراءة النصّ، بالتعذيب والإكراه أو بطريقة أخرى… أخي أحمد بسيط جداً ومسالم ومن السهل استدراجه”.
 
 
بتاريخ 9/7/ 2006، صدرت مذكرة من المخابرات العامة إلى رئيس الجمهورية، حول طلب لجنة التحقيق لقاء الـ13 “ملاحقاً من العناصر الإرهابية”، والذين قدمتهم المخابرات السورية الى اللجنة. وهنا تفسر البرقية أن سبب طلب اللقاء هو عدم معرفة اللجنة بهؤلاء المتهمين، فـ”المعلومات التي قدمت لهم من السلطات السورية جديدة وواسعة”.
 
في المذكرة ذاتها أنكر الضباط السوريون معرفتهم بزياد رمضان (صديق أحمد أبو عدس) إلا من خلال الإعلام، وأن لجنة التحقيق الدولية هي من حققت معه، وأشاروا إلى إمكانية لقاء اللجنة مع “أسامة الشوشة الموقوف لدى الأمن السياسي”.  كما توجد إشارة إلى احتمالية إرسال اللجنة نسخة من شريط “أحمد أبو عدس” كي تدرسه السلطات الأمنية، والهدف “التأكد إن كان الخطاب الوارد فيها يعكس خطاباً سلفياً أصلاً أم لا (مزوراً)”.
 
اتُّهم حينها تنظيم “جند الشام”، وأفراد منه ذُكروا في تقرير ميليس. وتحول الاتهام نحو جماعة إرهابية أصوليّة، ألقت دمشق القبض على أفرادها، وعلى زياد رمضان الذي ناشدت منظمة العفو الدولية (أمنستي) الأسد إطلاق سراحه عام 2009، وحُكم عليه بالسجن ست سنوات عام 2011.
 
في هذا اللقاء، كان واضحاً أن الهدف هو إلصاق القضية بالتنظيمات الأصولية. إذ تشرح المخابرات بنيتها، وتشير إلى المتهمين الواردة أسماؤهم في تقرير اللجنة بأن “أجهزة الأمن السورية لم تعرف عنهم إلا أسماءهم الحركية” كـ”محمد أسامة الشوشة، وأبو محجن (أحمد السعدي)”، والتركيز أن سوريا تحارب الإرهاب، والسؤال أن هناك 13 متهماً من تنظيم القاعدة. ودار حديث عن أحمد أبو عدس الذي نفت المخابرات السورية معرفتها به.
 
وبتاريخ 13/ 07/ 2006، بعد استقالة ميليس وتعيين  المحقق “سيرج براميرتز” خلفاً له،  نقرأ في مذكرة اطلاع من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، حول لقاء براميرتز مع مسؤولين سوريين. حضر اللقاء من الجانب السوري “اللواء ديب زيتون، العميد زهير حمد، العميد علي مخلوف، والعقيد منير شلبي”، وكان المترجم عن الجانب السوري (س. ت). وصفت المذكرة هذا اللقاء بأنه “مبادرة سورية لإغناء التعاون”، والسبب أنه “لما كانت هناك معلومات حول العناصر الإرهابية واردة من شعبة المخابرات السياسية”، والهدف منه  طرح “احتمال ثالث لتفجير موكب الحريري من الجو”. 
 
 
هذه الحكاية حول القصف الجوي نراها ضمن لقاء نشر وحذف مع وزير الدفاع السوري حينها مصطفى طلاس، يتحدث فيه عن اتهام إسرائيل واستخدام طائرات استطلاع فوق بيروت آنذاك، الرواية التي نشر عنها لاحقاً حزب الله تسجيلات وصوراً وشرح أمينه العام نسختهم من عملية الاغتيال، متبنياً فرضيّة القصف الجوي.
 
الكاتب والباحث اللبناني زياد ماجد، قال لفريق التحقيق: “لطالما اعتمد النظام السوري في عمليات العنف السياسي والاغتيال والقتل أساليب عدة، وفي قضية اغتيال الحريري، هناك مسألة أبو عدس، فيلم مفبرك لشخص مختطف، أُرسل إلى مكان محدد وأُجريت اتصالات أمنية مع صحافيين كي يُعرض على مؤسسات إعلامية. صحافي واحد وافق يومها وعرض الفيلم على شاشة مؤسسته، في حين أن هناك مؤسسة أخرى رفضت الأمر، وبالتالي ألصقت التهمة بأبو عدس وما يمثله. قيل إن الأمر فيه بعد جهادي، وإن هذا تأكيد على خشية النظام السوري من لا- استقرار العراق الذي يصيب سوريا ولبنان، ونسب الموضوع الى الجهاديين، أي أن الرواية الرسمية نسبته إلى أعداء مشتركين، هم أعداؤه والولايات المتحدة في الوقت ذاته… محاولة لأخذ مسافة للقول إن الجميع مستهدف في هذه العملية وإنه لا يقف خلفها”.
 
تتبّع الشاهد الحي
لم يكتف النظام السوري بمحاولة بتوظيف شهود وشخصيات عامة تملك تخصصات إعلامية وحقوقية في إنتاج فيلم وثائقي للتضليل على رواية المحقق الدولي وجهوده في قضية اغتيال الحريري، بل عمل بعقلية أمنية واستخباراتية امتدت لسنوات طويلة بعد عملية الاغتيال، ذلك كله بهدف إبعاد الشبهات عنه كمنفّذ للاغتيال. 
 
في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2014، ظهر شخص يُدعى عبد الباسط بني عودة، في لقاء مصوّر على قناة الجديد في برنامج “للنشر”، الذي وُصف لاحقاً بـ”الشاهد الإسرائيلي” في قضية الحريري. وقدم معلومات على الهواء مباشرة عن نشاطه وعمله وعلاقاته برجالات أمن واستخبارات سوريين ولبنانيين، وتطرق إلى امتلاكه صوراً ووثايق حساسة تتعلق بالقضية. 
 
ما كان من أجهزة الأمن السورية وقتها إلا التحرك مباشرة لتتبع هذا الشاهد. إذ أرسل على الفور “الفرع الفني” في إدارة المخابرات الجوية، بقيادة رئيس الفرع العميد معين قاسم، بتاريخ 23 كانون الأول، معلومات وصوراً وأربع لقطات شاشة مباشرة من تلفزيون الجديد لوجه الشاهد، مع تسجيل صوتي كامل لمداخلته، وذلك مرفقاً مع مذكرة “مطالعة” موجّهة، الى 19 فرعاً أمنياً في سوريا حيث تم تعميم صورة الشاهد وصوته على قرص ليزري، وذلك للتعرف عليه.
 
 
بعد أكثر من عقدين على اغتيال الحريري، يبقى السؤال هنا: لماذا لجأ النظام السوري الى هذه الأساليب في المواجهة؟ ولماذا أخذ على عاتقه مواجهة الرواية العالمية حول اتهامه باغتيال الحريري؟
ما تكشفه الوثائق الحصرية والمراسلات أن النظام السوري سعى الى المواجهة بأسلوب “القوة الناعمة”، وهي إنتاج فيلم وعرضه على شاشات التلفزيون. وهي عقلية إعلامية أمنية هدفها التأثير، وقد تكررت في مناسبات عدة مع مسيرة عمر الثورة السورية وصولاً إلى سقوط النظام في كانون الأول 2024.
 
بعبارة أخرى: لماذا يريد النظام السوري المواجهة إن لم يكن هو المنفذ؟ فقد كشفت المحكمة الدولية الخاصة بمقتل الحريري أن من يقف وراء العملية هو حزب الله. ويبقى الترجيح السائد أن النظام السوري المخلوع كانت أنيطت به عملية “التضليل” عبر الإعلام وبعد تنفيذ الاغتيال]