عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Aug-2026

ترامب يراهن على إنهاك إيران اقتصاديا.. هل لديه فرص؟

 الغد

عواصم - أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه اختار التعامل بهدوء مع إيران، مفضّلا الركون إلى الضغط الاقتصادي عليها بدلا من الرهان على الدبلوماسية أو شنّ ضربات عسكرية جديدة، في عودة إلى أسلوب سبق أن اعتمده معها خلال ولايته الأولى، فيما تؤكد طهران أن ذلك لن يبدّل من مواقفها. وقال ترامب في اتصال مع موقع "أكسيوس": "نحن نتعامل مع الأمر بهدوء"، مضيفاً أن واشنطن تجري مع طهران مفاوضات محدودة النطاق. نحن نكتفي بمراقبة إيران، مع تضخّمها الاقتصادي الهائل وحقيقة أن لا مال لديها".
 
 
ومن دون أن يستبعد بالمطلق شنّ ضربات إضافية، جدد ترامب هذا الأسبوع الحديث عن الرهان على الضغوط الاقتصادية لإلزام طهران بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته باستثناء فترات وجيزة وبشروط منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها في 28 شباط (فبراير). وقال: "إيران مفلسة، مفلسة تماماً، وهم لا يدفعون رواتب جنودهم"، مكرراً أن نسبة التضخم في إيران تجاوزت 300 %.
وأول من أمس، لمّح ترامب إلى عدم وجود ضرورة ملحة للتحرك عسكرياً ضد إيران في ظل الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على موانئها، وشبّه هذا الحظر بالجدار الفولاذي، معتبراً أن طهران عاجزة إزاءه. ورغم القيود التي تفرضها إيران على حركة الملاحة في هرمز، زعم ترامب أن واشنطن تفرض سيطرة كاملة على هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة والشحن البحري عالمياً.
ومنذ اندلاع الحرب في المنطقة، تحوّل مضيق هرمز إلى نقطة تجاذب رئيسية بين واشنطن وطهران، مع تأكيد الأخيرة أن حركة الملاحة البحرية فيه لن تعود إلى سابق عهدها، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة وأطراف عدة. وخفّض الرئيس الأميركي، الذي بات يُعرف بتصريحاته المتقلبة ومواقفه المتناقضة، من سقف تهديداته لإيران، كما قلّل من شأن احتمال تحقيق اختراق دبلوماسي، بعدما كرّر في الآونة الأخيرة الحديث عن مفاوضات مع طهران، ليردّ مسؤولون إيرانيون بنفي إجرائها.
ويُرجح أن ترامب يعتزم حاليا اللجوء إلى سلاح قديم استخدمه مع إيران من قبل، فخلال ولايته الرئاسية الأولى، سحب بلاده أحادياً في العام 2018 من الاتفاق الدولي بشأن النووي الإيراني، الذي كان قد أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء فرض قيود على برنامجها وضمان سلمية أنشطتها.
وبعد ذلك، اعتمد الرئيس الجمهوري سياسة الضغوط القصوى حيال إيران، والتي قامت على إعادة فرض العقوبات الاقتصادية وتوسيع نطاقها، خصوصا في مجال تصدير النفط. وتستعيد واشنطن حاليا هذا التكتيك، ففي نهاية تموز (يوليو)، أعلنت عن إجراءات جديدة تستهدف الحرس الثوري. وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مستشاري ترامب عرضوا عليه بيانات حول تأثير العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني، وأنه يدرس حالياً تشديدها وفرض قيود جديدة أيضاً.
لكنّ المسؤولين الإيرانيين يؤكدون أن مصير الضغوط الاقتصادية الحالية لن يكون مختلفاً عن تجاربهم السابقة مع العقوبات التي بدأت الولايات المتحدة فرضها على بلادهم في حقبة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. ورأى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن توجه ترامب حالياً نحو العقوبات هو أقرب إلى تراجُع، وقال في منشور على منصة إكس: "كلما أثبتت واشنطن عجزها عن انتهاج الدبلوماسية، تلجأ إلى العقوبات، وكلما فشلت تلك العقوبات في تحقيق النتائج، تكتفي بزيادة الجرعة".
ورأى أن "الخطر الحقيقي هو أن الساسة الأميركيين، المتمسكين بهذه العادة، سيقضون على ما تبقّى لهم من فرص للخروج بطريقة أقل إذلالاً من أزمة هي من صنع يديهم". وقال الباحث في مركز "بروكينغز" مايكل أوهانلون إن إيران في وضع اقتصادي سيئ للغاية، لا يمكنها شحن النفط بأي مستوى يُعتدّ به، وترزح تحت وطأة العقوبات ولا تزال غير قادرة على استخدام أصولها في الخارج"، ويتابع: "لكن السؤال هو: هل يهتم قادتها حقاً؟ أعتقد أنهم يهتمون بعض الشيء، ولكن ليس كثيراً".
رقعة شطرنج
ويأتي تكتيك ترامب الراهن ليخالف جذرياً مواقف حديثة له، توعّد فيها إيران بضربات قوية لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية. وقد يؤشر هذا التحول إلى محدودية الخيارات العسكرية المتبقية، في ظل تقارير صحفية تفيد بأن الولايات المتحدة باتت تعاني نقصا في مخزونات الذخيرة، خصوصاً الصواريخ الاعتراضية لأنظمة الدفاع الجوي، والتي استُنفد جزء كبير منها في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة في أنحاء المنطقة، لكنه قد يؤشر أيضاً على إستراتيجية أميركية طويلة الأمد.
ففي تصريحاته الأسبوع الماضي، رأى ترامب أن النزاع مع إيران سيُحل، مضيفاً: "الأمور دائما تُحل. الأمر أشبه بلعبة شطرنج". لكن ردّ طهران لم يتأخر، إذ أكد بقائي أن "الإيرانيين أظهروا أنهم لاعبو شطرنج محترفون"، سواء في المداولات العلنية أم السرية.
يبدو أن إدارة ترامب تراهن على تكرار سيناريو الضغوط القصوى الذي انتهجته خلال ولايته الأولى، معوّلة هذه المرة على واقع اقتصادي إيراني أكثر هشاشة، في ظل تضخم متصاعد وعائدات نفطية متراجعة وحصار بحري خانق. غير أن التجربة التاريخية مع طهران توحي بأن الضغوط الاقتصادية وحدها، مهما اشتدت، لم تنجح سابقا في دفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها الإستراتيجية، بل كثيرا ما قابلتها بمزيد من الصلابة في الخطاب والموقف.
وسط هذا المشهد، يبقى مصير مضيق هرمز والمفاوضات غير المعلنة بين الطرفين مؤشراً رئيساً لما إذا كانت واشنطن وطهران تتجهان فعلياً نحو تهدئة تفضي إلى تفاهم ما، أم أن لعبة الشطرنج التي وصفها ترامب مرشحة للاستمرار طويلاً دون حسم واضح لأيّ من الطرفين.-(وكالات)